وصلت فيولا بقلم زيزي
ثواني طويلة قوي.
وبعدين لأول مرة من يوم الولادة، ادته ابنه.
كريم شاله بتوتر واضح، كأنه مش عارف يمسكه أصلًا. الطفل فضل يعيط أكتر.
أما ڤيولا فبمجرد ما الطفل حس بيها بعدت، مد إيده الصغيرة ناحيتها بشكل تلقائي.
الحركة كانت بسيطة جدًا
لكنها ضربت كريم في قلبه.
الطفل سكت أول ما رجع لحضن أمه.
وفي اللحظة دي، كريم استوعب الحقيقة اللي كان بيهرب منها طول الوقت
إنه ماكانش موجود.
فات أول ضحكة. وأول صرخة. وأول ليلة. وفاتته اللحظة اللي ابنه عرف فيها يعني إيه أمان.
بص لڤيولا بعينين مليانين ندم لأول مرة.
أنا أنا ماكنتش فاهم.
هزت راسها بهدوء.
لا إنت كنت فاهم كويس. بس كنت فاكر إنك مش هتخسر حاجة.
وبعدين سابته واقف مكانه وراحت ناحية العربية.
وكريم فضل واقف قدام المحكمة لوحده يتفرج على الست اللي كان متأكد إنها عمرها ما تقدر تعيش من غيره
وهي بتمشي بثبات وابنه نايم بأمان بين دراعاتها مرّ أسبوع.
ثم اتنين.
وڤيولا بدأت تتعود على الحياة الجديدة رغم صعوبتها.
كانت بتصحى كل ساعتين على عياط ابنها، تنام وهي قاعدة، وتاكل أي حاجة بسرعة قبل ما يعيط تاني.
التعب كان قاتل.
بس الغريب إن البيت بقى أهدى.
مافيش حد يقلل منها. مافيش تهديد. مافيش خوف مستمر إنها تتقال عليها مش متزنة.
وفي الناحية
التحقيقات المالية بدأت. والشركة اللي بيشتغل فيها وصلها خبر القضية.
وبدأ يكتشف إن الصورة اللي كان محافظ عليها طول عمره بتتشقق.
بقى يقعد لوحده في شقته بالساعات. ساكت. يبص في أوضة الطفل اللي كان مجهزها واللي عمر ابنه ما نام فيها ليلة واحدة.
وفي نص الليل، كان يفتح موبايله على صور ابنه.
يكبر الصورة. يبص لوشه الصغير. ويحس بوخزة موجعة في صدره.
لأنه بدأ يفهم متأخر جدًا إنه ضيّع حاجات ما تتعوضش.
وفي ليلة مطر وقف تحت بيت ڤيولا.
فضل باصص على الشباك المنور فوق. متردد يطلع أو يمشي.
وفي الآخر طلع.
خبط الباب بخفة.
ڤيولا فتحت بعد دقيقة، وشها مرهق وعينيها حمرا من السهر.
أول ما شافته، اتجمدت ملامحها.
أما هو فكان شكله متبهدل لأول مرة.
دقنه طالعة. وعينيه غرقانة إرهاق.
قال بصوت مبحوح ممكن أشوفه؟
ڤيولا سكتت شوية وبعدين فتحت الباب من غير كلمة.
دخل كريم ببطء.
ولأول مرة، شاف الحقيقة كاملة.
زازات الرضاعة في كل مكان. هدوم أطفال متكومة. ڤيولا نفسها بالكاد واقفة من التعب.
بص حواليه بصدمة كأنه أول مرة يستوعب حجم اللي كانت شايله لوحدها.
ومن جوه الأوضة خرج صوت ابنهم وهو بيعيط.
ڤيولا اتحركت بسرعة تلقائية، لكن جسمها اختل فجأة من الإرهاق.
في ثانية كريم لحقها قبل ما تقع.
إيده مسكتها بثبات.
وللحظة قصيرة جدًا الاتنين سكتوا.
قريبين بشكل موجع.
ڤيولا بعدت بسرعة وكأنها فاقت.
لكن كريم فضل باصلها بصدمة.
لأن جسمها كان خفيف بشكل مرعب ووشها شاحب جدًا.
قال بخفوت إنتِ إنتِ مش بخير.
ضحكت بتعب دي الأمومة اللي كنت شايفها سهلة.
الكلمة كسرت فيه حاجة.
دخل أوضة الطفل بهدوء.
وابنه كان نايم دلوقتي، وشه صغير وهادي.
كريم قرب ببطء وقعد على ركبته جنب السرير.
وبعدين من غير ما يحس ابتدى يعيط.
بصمت.
دموع نازلة لأول مرة من راجل عمره ما اعترف بغلطه.
وڤيولا كانت واقفة عند الباب شايفاه بيتكسر قدام ابنه للمرة الأولى كريم فضل قاعد جنب سرير ابنه وقت طويل
يبص لملامحه الصغيرة كأنه بيحاول يحفظها بعد ما ضيّع أول أيامه كلها.
أما ڤيولا، فكانت واقفة عند الباب، حاسة بمشاعر متلخبطة بشكل مرعب.
وجع. غضب. وشوية حنين كانت بتحاول تدفنهم.
وفجأة، الطفل فتح عينيه الصغيرة وبص ناحيته.
كريم اتجمد مكانه.
مد صباعه بتردد، والبيبي لف إيده الصغيرة حوالينه بشكل تلقائي.
الحركة كانت بسيطة جدًا
لكنها خلت كريم ينفجر في العياط أكتر.
بص لڤيولا بصوت مكسور أنا ضيعت كل حاجة بإيدي.
ڤيولا سكتت.
لأنها لأول مرة حست إن ندمه حقيقي.
مش خوف من القضية. ولا
خوف من إنه يكون خسر ابنه للأبد.
قام كريم ببطء، ومسح دموعه، وقال أنا مش هطلب منك تسامحيني لأني عارف إني ما استحقش. بس أوعدك بحاجة واحدة ابننا عمره ما هيحس إني سيبته تاني.
ڤيولا بصتله طويل.
وبعدين قالت بهدوء الكلام سهل يا كريم.
هز راسه بألم عارف.
ومن اليوم ده كل حاجة اتغيرت بالتدريج.
القضايا خلصت بالاتفاق. كريم رجّع كل الفلوس اللي حاول يخبيها. وبدأ يزور ابنه كل يوم تقريبًا.
مش عشان يثبت حاجة لكن لأنه أخيرًا بقى عايز يبقى أب فعلًا.
وكان كل مرة يشوف فيها ڤيولا، يشوف الست اللي شالته الدنيا كلها وهو غايب وما وقعتش.
أما ڤيولا فما رجعتلوش.
سامحته كأب ابنها لكن قلبها ما رجعش زي الأول.
ومع الوقت، بدأت ترجع لنفسها. تضحك تاني. تنام من غير عياط. وتبص للمراية من غير ما تشوف الست المكسورة اللي كانت واقفة في أوضة الولادة لوحدها.
وبعد سنة
كان عيد ميلاد ابنهم الأول.
البيت مليان ناس وضحك وزينة.
وكريم كان قاعد على الأرض بيلعب مع ابنه، والطفل متعلق فيه وبيضحك بصوت عالي.
في اللحظة دي، كريم رفع عينه ناحية ڤيولا.
كانت واقفة في المطبخ تراقبهم بهدوء.
ابتسم بحزن خفيف لأنه فهم الحقيقة أخيرًا
إن بعض الخساير حتى لو اتصلحت، عمرها ما ترجع زي الأول.
لكن
أكبر نعمة في حياته كانت لسه هناك.
طفله والست اللي علمته متأخر جدًا يعني إيه مسؤولية.