كنت عارفه
نايمة على كنبة، حضنة دبدوب قديم.
أول ما فتحت عينيها وشافت وائل اتسمرت.
وائل نفسه وقف مكانه.
كأن الزمن رجع ٤ سنين مرة واحدة.
البنت قامت ببطء وبصت له بخوف.
حضرتك مين؟
وائل حاول يتكلم بس صوته اختفى.
في اللحظة دي، نعيم خرج من المطبخ وهو شايل كباية لبن.
ولما شاف الشرطة
الكوباية وقعت واتكسرت.
أنا كنت هقول! والله كنت هقول!
سامي مسكه بعنف تقول إيه؟!
نعيم انهار.
قعد على الأرض يعيط زي الأطفال ماجي هانم دفعتلي فلوس قالتلي آخد البنت وأخفيها بعد موت أمها.
وائل صرخ فيه إنت مجنون؟! حرمتني من بنتي؟!
نعيم بص له بوجع كنت فاكرها هتقتلها لو فضلت معاك!
الصمت نزل ثقيل.
وائل اتجمد.
لأن الجملة دي مرعبة بما يكفي إنها تبقى حقيقية.
نعيم كمل وسط شهقاته ميرا قبل ما تموت كانت شاكة في أمك وادتني ظرف.
سامي انتبه فورًا ظرف إيه؟
نعيم قام ناحية الدولاب القديم وطلع صندوق خشب صغير.
كان متقفل بمفتاح صدئ.
فتح الصندوق
وجواه صور. تقارير. تسجيلات.
وأخيرًا فلاشة صغيرة.
سامي شغلها على اللابتوب القديم اللي في البيت.
وفي ثانية
اتفتح فيديو بتاريخ من ٤ سنين.
ميرا كانت قاعدة قدام الكاميرا وشها شاحب، وعينيها مليانة خوف.
وقالت
لو الفيديو ده اتفتح يبقى أنا غالبًا مت.
وائل شهق يا نهار أبيض
ميرا كملت وهي بتمسح دموعها ماجي بتحاول تقتلني عشان البيبي. سمعتها بنفسي وهي بتقول إن مافيش ست تستحق تاخد ابنه منها.
إيدي اتقبضت.
الفيديو بدأ يهز.
واضح إن ميرا كانت مرعوبة.
لو حصلي حاجة بنتي اسمها ليلى. وأبوها لازم يعرف إنها كانت كل حياتي.
وائل انهار تمامًا.
ركع قدام الشاشة وهو بيبكي بطريقة موجعة.
لكن الفيديو ماخلصش.
ميرا قربت من الكاميرا وهمست
وفي سر أخطر ماجي مش أم وائل الحقيقية.
الكل اتصدم.
حتى سامي رفع عينه فجأة.
ميرا طلعت ورقة قدام الكاميرا.
وائل اتخطف وهو عنده سنتين بعد حادثة عربية ماتت فيها أمه وأبوه الحقيقيين.
وائل بص للشاشة كأنه فقد القدرة على
لأ لأ
ميرا بكت ماجي كانت المربية وبعد الحادثة زورت كل الأوراق وخدت الطفل لنفسها.
سامي همس بصدمة يا إلهي
لكن آخر جملة قالتها ميرا كانت اللي قلبت كل حاجة فعلًا.
بصت مباشرة للكاميرا وقالت
ولو كلير لسه عايشة يبقى الدور عليها هي كمان. لأن ماجي اكتشفت الحقيقة اللي مستخبية في التحاليل.
أنا حسيت الدم اتسحب من وشي.
أي حقيقة؟
لكن قبل ما الفيديو يكمل
النور قطع فجأة.
والبيت كله غرق في الضلمة.
وفي نفس الثانية
سمعنا صوت باب بيتقفل من فوق سامي طلع مسدسه فورًا، والضباط جريوا ناحية السلم.
أما أنا فكنت واقفة مكاني، قلبي بيدق بعنف.
فيه حد فوق.
وإحنا كلنا عارفين مين.
وائل جري أول واحد، وهو بينادي بصوت مبحوح مامااا!
طلعنا وراه
لحد ما وصلنا لأوضة مقفولة آخر الطرقة.
الباب كان مفتوح سنة صغيرة.
والنور جوه بيترعش.
سامي زق الباب بحذر
وكلنا اتجمدنا.
ماجي كانت واقفة قدام الشباك.
لابسة أسود بالكامل، وشعرها مفكوك، وفي إيدها ولاعة.
وأمامها
ملفات.
عشرات الملفات.
صور أطفال. تحاليل. شهادات ميلاد.
والنار كانت بدأت تاكل أطراف الورق.
سامي صرخ ابعدي عن الملفات!
لكن ماجي ضحكت ضحكة هادية مرعبة.
خلاص محدش هيعرف الحقيقة.
وائل قرب منها ببطء، عينيه مليانة دموع ليه؟ ليه عملتي كل ده؟
ماجي بصت له ولأول مرة، القناع وقع.
ماكانتش ست قوية.
كانت واحدة مهووسة.
عشان كنت ابني.
وائل هز راسه بانهيار أنا مش ابنك!
ابتسامتها اختفت.
وساعتها صرخت أيوه! وده اللي كان بيموتني كل يوم!
الغرفة سكتت.
والنار بدأت تكبر.
ماجي بصت لي أنا المرة دي وعينيها كلها كره.
إنتِ السبب إنتِ اللي خليتيه يدور ورا الماضي.
أنا قربت منها خطوة لا إنتِ السبب. كل اللي
ماتوا بسببك.
إيديها بدأت ترتعش.
وبعدين فجأة ضحكت تاني.
عارفة إيه أكتر حاجة تضحك؟
رفعت ملف من وسط النار ورمته ناحيتي.
سامي خطفه بسرعة قبل ما يتحرق.
فتحه
واتسمرت ملامحه.
مستحيل
إيه؟! وائل صرخ.
سامي بص لي بصدمة
سكت.
أنا حسيت أنفاسي وقفت.
قول!
بلع ريقه أنتِ أخت وائل.
الدنيا اسودت قدامي.
وائل رجع لورا كأنه اتضرب بالنار.
إيه؟!
ماجي بدأت تضحك بشكل هستيري أمك الحقيقية كانت حامل وقت الحادثة والطفلة نجت.
عيوني اتسعت برعب.
لا
أيوه. إنتِ البنت اللي اختفت من المستشفى يومها.
سامي قلب في الملف بسرعة تحاليل ال مطابقة
افتكرت فجأة.
الميتم. العيلة اللي تبنتني. الأوراق المزورة. كل حاجة بلا جذور.
كنت طول عمري بدور أنا مين.
وطلعت الحقيقة أسوأ من أي كابوس.
وائل وقع على الأرض، بيشد شعره بانهيار يعني أنا كنت متجوز أختي؟!
ماجي قربت منه وهمست عشان كده كنت بحاول أمنعكم تخلفوا.
الصدمة شلتني.
كل حاجة اتكسرت مرة واحدة.
الحب. الجواز. بنتي. هويتي.
لكن النهاية ما استنتش.
لأن النار فجأة مسكت في الستارة.
والأوضة كلها ولعت.
الضباط جريوا يخرجونا.
وائل حاول يشد أمه معاه لكنها رفضت.
كانت واقفة وسط النار، بتضحك وتعيط في نفس الوقت.
أنا ربيتكم أنا صنعتكم!
آخر حاجة شفتها كانت ماجي والنار بتقفل حواليها من كل ناحية.
وبعد شهور
القصر اتهد.
القضية بقت أشهر قضية في البلد.
واتأكد رسميًا إن جوازنا كان باطل قانونيًا من البداية.
أما ليلى
فأنا اللي ربيتها.
مش عشان بنت وائل.
لكن عشان كانت الضحية الوحيدة اللي لسه عندها فرصة تعيش طبيعي.
وفي يوم، وهي نايمة ، سألتني بصوت بريء
هو ماما كانت بتحبني؟
وبصيت من الشباك للسماء.
وهمست
أكتر من نفسها بعد سنة كاملة
الناس نسيت القضية بالتدريج.
الصحافة لقت فضايح جديدة، والبرامج بطلت تجيب سيرة عيلة السيوفي.
لكن أنا؟ عمري ما نسيت.
كل ليلة، كنت بصحى على نفس الكابوس ريحة الجمبري. إيدي على بطني. وصوت بنتي اللي حتى ما لحقتش أسمع بكاها.
كنت عايشة في بيت هادي على البحر مع ليلى.
البنت بقت كل حياتي.
ضحكتها الصغيرة كانت الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أصدق إن الدنيا لسه فيها خير.
أما وائل
اختفى.
بعد التحقيقات،
وفي الحقيقة
يمكن ده كان أرحم.
لحد ليلة مطر
كنت قاعدة بقرأ، وليلى نايمة جنبي، لما جرس الباب رن.
الساعة كانت ٢ بعد نص الليل.
قلبي اتقبض فورًا.
فتحت الباب بحذر
واتصدمت.
وائل.
بس مش وائل اللي أعرفه.
كان أضعف. شعره كله أبيض تقريبًا. وعينيه غرقانة تعب.
وفي إيده علبة صغيرة.
بص لي بصوت مكسور ممكن أدخل؟
سكت شوية وبعدين وسعت الباب.
دخل ببطء، كأنه غريب داخل متحف ذكرياته.
عينه راحت مباشرة على ليلى وهي نايمة.
وعيط.
بصوت حقيقي المرة دي.
كبرت
ما رديتش.
طلع العلبة الصغيرة وحطها على الترابيزة.
فتحتها بحذر
واتجمدت.
كانت سلسلة دهب صغيرة جدًا.
سلسلة أطفال.
ومتعلق فيها اسم نور.
نفسي اتقطع.
دي كانت لبنتنا.
وائل هز راسه وهو بيعيط الدكتور اداهالي بعد الدفنة وأنا ماقدرتش ألمسها من يومها.
سكتنا.
صوت المطر بس اللي كان موجود.
وبعدين همس اكتشفت حاجة قبل أسبوع.
بصيت له بصمت.
طلع ورقة قديمة من جيبه.
تحليل جديد.
التحاليل القديمة كانت مزورة.
شهقت.
قرب الورقة ناحيتي إحنا مش إخوات يا كلير.
حسيت الدنيا لفت.
إيه؟
ماجي زورت آخر تحليل قبل ما تموت عشان حتى بعد موتها تفضل تدمر كل حاجة.
دموعي نزلت بدون ما أحس.
كل السنين دي كل الوجع كان مبني على كذبة أخيرة.
وائل قرب خطوة أنا عارف إن مافيش غفران وعارف إني خذلتك وقت ما كنتِ محتاجاني.
بصيت له بعين مليانة وجع.
إنت ما صدقتنيش.
نزل راسه عارف.
سيبتني أموت.
صوته اتكسر وعقابي إني هفضل عايش بده.
سكت شوية وبعدين بص لليلى.
بس لو فيه أي حاجة أقدر أصلحها فهي إني أكون أب ليها.
بصيت للبنت الصغيرة وبعدين للسلسلة اللي مكتوب عليها نور.
حسيت إن بنتي، رغم إنها راحت لسه سايبة أثر بيربط كل الأرواح المكسورة دي ببعض.
قربت من ليلى وعدلت الغطا عليها.
وبعدين قلت بهدوء
الأبوّة مش دم وبس يا وائل الأبوّة موقف.
رفع عينه ليا بخوف.
كملت
وائل ما ردش.
بس لأول مرة ماحاولش يبرر. ماحاولش يهرب.
اكتفى إنه يقعد على الأرض جنب الكنبة اللي نايمة عليها ليلى
ويفضل صاحي طول الليل يراقبها
كأنه بيحرس آخر حاجة فاضلة له من حياته القديمة.