كان جوز امي يعذبني
ماشية بخطوات بطيئة ناحية القاعة.
قلبي بيدق، بس المرة دي مش خوف بس
كان فيه غضب قديم بيصحى.
أول ما دخلت
شفته.
عادل.
قاعد في الناحية التانية، لابس لبس رسمي كأنه بيحاول يرجع شكله القديم الراجل المحترم.
بس عينه لسه نفس العين.
وبجانبه محاميه.
وفي الناحية التانية
أمي.
قاعده مستقيمة، ماسكة شنطتها، وشها متحجر.
كأنها جاية معركة مش جلسة.
القاضي دخل، والجلسة بدأت.
الأوراق اتقرت الأدلة اتعرضت التسجيلات اتشغلت.
صوت عادل وهو بيصرخ. صوت كسر دراعي. وصوتي وأنا بسكت.
كل حاجة كانت بتتسجل تاني بس المرة دي قدام ناس شايفة.
لما التسجيل وقف
القاعة سكتت.
القاضي بص له وقال هل عندك رد؟
عادل ابتسم ابتسامة صغيرة وقال دي بنتي يعني طبيعي أربيها.
الكلمة دي كانت زي صفعة في الهوا.
وفي اللحظة دي
أمي اتكلمت.
بصوت عالي لأول مرة قدام الكل هو كان بيهددني كان بيهددني لو اتكلمت!
كل الناس
حتى أنا.
القاضي قال بهدوء إنتِ كنتِ عارفة؟
سكتت.
السكوت كان الإجابة.
وفي اللحظة دي
حسيت إن الصورة كلها بتتكسر.
مش بس عادل
حتى أمي.
الجلسة اتأجلت للحكم.
بس قبل ما نخرج
عادل لفلي وقال بصوت واطي إنتي فاكرة إنك كده خلصتي؟
وقبل ما أرد
أمي قالت نفس الجملة تقريبًا بس بصوت مكسور إنتي كده بوظتي كل حاجة حتى نفسك.
خرجنا من القاعة، وأنا واقفة في الممر الطويل.
مابين طرفين كانوا يومًا بيكسروني.
لكن الغريب
إني المرة دي ما كنتش واقفة مكسورة.
كنت واقفة بس.
وفي نفس اليوم بالليل
الأخصائية دخلت عليّ وقالت جملة ما توقعتهاش في طلب حماية إضافية لأن في تهديدات وصلت للدار.
رفعت عيني لها بسرعة.
من مين؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت مش من عادل لوحده.
وقتها بس حسيت إن اللي كنت فاكرة إنه شخص واحد
كان شبكة أكبر بكتير.
وأول مرة من بداية الحكاية
الخوف رجع.
بس المرة دي
كان
الأبواب اتقفلت، الكاميرات اتراجعت، والستائر اتسحبت على كل الشبابيك. مفيش حد كان بيقول تفاصيل، بس كل حاجة كانت بتقول إن فيه خطر حقيقي قريب.
الأخصائية دخلت عليّ بسرعة وقالت هننقلكِ مكان تاني دلوقتي مش هنا.
وأنا واقفة في نص الأوضة، حسيت إن حياتي بترحل مني تاني، بس المرة دي مش ناحية الألم ناحية المجهول.
العربية كانت ماشية بسرعة على طريق طويل خارج المدينة.
مفيش كلام جواها.
بس كل ما نبعد، كل ما صدري يخف شوية.
لحد ما وصلنا لمكان مختلف تمامًا.
بيت بسيط، في منطقة هادية، فيه حراسة خفيفة بس واضح إنه مكان حماية، مش سجن.
الأخصائية قالت هنا هتكملي لحد الحكم النهائي ومفيش حد يقدر يقرب منك.
أول ليلة هناك، ما نمتش.
بس للمرة الأولى مكنتش بخاف.
كنت بفكر.
في عادل في أمي في كل سنة عدت وأنا ساكتة.
وفجأة،
كان فيه رسالة واحدة جديدة من رقم مجهول.
محتواها كان سطر واحد بس
اللي بدأ مش هينتهي بسهولة.
بس المرة دي
ما ارتجفتش.
قمت من مكاني، وقعدت قدام الشباك.
وبصيت للسماء.
وقلت لنفسي بصوت واطي أنا خلصت الخوف.
بعد أسبوعين
صدر الحكم.
عادل اتحكم عليه بالسجن لسنوات طويلة بعد ثبوت كل التهم. وأمي اتحولت للتحقيق في الإهمال والمساعدة في التغطية، واتفتحت ليها إجراءات قانونية منفصلة.
مش انتصار كامل بس بداية عدالة.
بعد الجلسة، وأنا خارجة من المحكمة، حسيت إن رجلي لأول مرة ماشية لوحدها من غير ما حد يجرّني.
الأخصائية وقفت جنبي وقالت إنتي ناوية تعملي إيه دلوقتي؟
سكت لحظة.
وبعدين ابتسمت.
مش ابتسامة فرح بس ابتسامة فهم.
وقلت أبدأ من غير ما أختفي.
ومشيت.
مش راجعة لنفس البيت ولا لنفس الخوف ولا لنفس النسخة اللي
دي المرة الأولى اللي حياتي كانت فيها ملكي.
حتى لو كانت لسه بتتعلم تمشي.