جوزي قالي انه محبوس
فجأة سمعت صوت خطوات خفيفة فوق.
كريم نزل من الأوضة، عطشان غالبًا.
لما شافني واقفة في الضلمة، اتفاجئ شوية.
“إنتِ لسه صاحية؟”
“أهو”، قلت بهدوء.
سكت لحظة، وبعدين قال: “مالك؟”
سؤال بسيط… بس المرة دي حسّيته مختلف.
مش عايز إجابة سطحية.
“ولا حاجة”، رديت وأنا ببص له.
سكت تاني، وبعدين طلع كباية مية.
بس قبل ما يرجع يطلع، قال جملة كأنها عابرة: “أهم حاجة إن البيت يفضل هادي زي ما هو.”
الجملة دي وقفت جوايا لحظة أطول من اللازم.
هو طلع تاني، وسابني واقفة.
وأنا لأول مرة ما طمّنتش نفسي.
لأول مرة…
سألت نفسي سؤال بسيط جدًا: هو الهدوء ده راحته… ولا سجني أنا؟
في الصباح، لبست بهدوء، وخرجت قبله بشوية.
مش رايحة مكان معين.
بس رايحة أبدأ أفهم البيت ده من بره، مش من جواه بس.
ولما فتحت باب الشقة وخرجت، حسّيت إن الهواء مختلف.
مش أخف…
لكن أوسع.
وكأن في حاجة جوايا بتقول: “اللي جاي مش نهاية… ده بداية شكل جديد من حياتك.”مشيت في الشارع من غير هدف واضح، بس للمرة الأولى ماكنتش
كل خطوة كانت بتخفّف حاجة تقيلة جوايا.
وصلت لمقهى صغير قريب من البيت، قعدت في ركن هادي، وطلبت قهوة من غير ما أبص في الموبايل حتى.
المرة دي مش عايزة أصوات حد… عايزة صوتي أنا.
فتحت نوتة صغيرة كانت في شنطتي، وابتديت أكتب.
مش مشاعر… مش فضفضة…
لكن أسئلة.
إيه اللي أنا عايشاه فعلًا؟ إيه اللي بقيت أنا مسؤولة عنه ومش واخدة بالي؟ وإمتى بدأت أتنازل عن نفسي من غير ما أحس؟
كل سؤال كان بيبان بسيط… بس إجابته كانت تقيلة.
رجعت البيت بعد الظهر.
كريم كان موجود، قاعد على الكنبة، ماسك اللابتوب، وشكله طبيعي جدًا كأن مفيش حاجة اتغيّرت.
“إنتِ كنتي فين؟” سأل من غير ما يبصلي.
“خروجة بسيطة.”
هز راسه وكمّل شغله.
بس أنا لاحظت حاجة غريبة…
هو ما سألش أكتر.
ما حاولش يعرف.
كأنه متعود إن في حاجات أنا بعملها لوحدي ومش مهم يفهمها.
وقفت شوية في نص الصالة.
ولأول مرة، ما مشيتش على الروتين المعتاد.
ما دخلتش المطبخ أجهز أكل. ما بدأتش أعمل أي حاجة “متوقعة”.
قعدت قدامه.
“كريم…”
رفع عينه ببطء.
“إحنا عايشين صح ولا عايشين متعودين؟”
سكت.
السؤال كان بسيط… بس وقع تقيل.
“إيه الكلام ده دلوقتي؟” قال وهو بيحاول يبتسم.
“مش عارفة… بس حاسة إني كنت ماشية سنين وأنا مش شايفة الصورة كاملة.”
سكتنا شوية.
الصمت كان مختلف المرة دي… مش مريح ولا عادي.
كان مليان حاجات ما اتقالتش قبل كده.
كريم قفل اللابتوب ببطء.
“إنتِ عايزة إيه يا ليلى؟”
أول مرة يسأل السؤال بالشكل ده.
مش “إيه اللي مضايقك”… لكن “إنتِ عايزة إيه”.
وساعتها بس…
حسّيت إن القصة اللي كنت عايشاها لحد النهارده خلصت صفحة.
وبدأت صفحة تانية… ماحدش لسه عارف هيودّي لفين.قعدت ليلى ساكتة لحظة طويلة، مش لأنها مش عارفة تقول، لكن لأنها لأول مرة كانت بتسمع السؤال لنفسها بجد.
“أنا عايزة أفهم حياتي… من غير ما أبقى فيها مجرد حد بيكمّل الصورة.”
كريم ما ردّش بسرعة. كان باصص لها كأنه بيشوفها لأول مرة بشكل مختلف.
“يعني إيه؟” قال بهدوء.
“يعني ماينفعش أكمّل وأنا ماشية وأنا مش شايفة أنا فين أصلاً.
سكتوا تاني.
بس المرة دي، الصمت ما كانش خوف… كان مواجهة.
كريم قام بهدوء، قعد قدامها بدل الكنبة.
“أنا عمري ما كنت عايزك تحسي كده.”
“بس أنا حسّيت.”
الجملة دي كانت النهاية الحقيقية لأي نقاش دفاعي.
هو سكت.
وهي كملت بهدوء: “مش عايزة خناق… ولا قرارات مجنونة. أنا عايزة وقت أفهم نفسي الأول.”
مرّت ثواني طويلة.
وبعدين كريم هز راسه: “لو ده اللي محتاجاه… أنا هاحترمه.”
الجملة ما كانتش رومانسية… لكنها كانت صادقة.
الليلة دي، ماحدش نام وهو منتصر.
بس كل واحد نام وهو فاهم إن حاجة اتغيّرت.
بعد أيام، البيت كان أهدى من الأول… بس هدوء مختلف.
ليلى بدأت تخرج أكتر، تقعد مع نفسها، تكتب، تسأل، وتفكر من غير ما تبرر لأي حد.
وكريم بدأ يلاحظ إنها مش زي الأول… مش غايبة، لكن موجودة بشكل أعمق.
ومرة في مساء هادي، وهي راجعة من خروجة قصيرة، وقف عند الباب وقال: “إنتِ بقيتي أبعد… بس واضح إنك أقرب لنفسك.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“يمكن ده أول مرة أبقى قريبة بجد.”
ماكانش في وعد
ولا رجوع لنفس الشكل القديم.
بس كان في حاجة أهم…
بداية حياة مش مبنية على العادة، لكن على الاختيار.
والمرة دي…
ليلى ما كانتش ماشية ورا حد.
كانت ماشية ورا نفسها..