الست إلى كانت بتنضف حمامات بقلم زيزي
الست اللي كانت بتنضف حمامات مدرسة ابني طلعت مراتي.
ومعرفتهاش.
من عشر سنين، سيبتها على سرير المستشفى بعد ما ولدت توأمنا.
وقتها قلت لكل الناس إنها لبستني في الحمل. وإني كنت صغير على المسؤولية. واختفيت.
وبدل ما أواجه نفسي اتجوزت واحدة غنية.
عيشة نضيفة. عربيات فخمة. فيلا كبيرة. وبيزنس ناجح.
بس الدنيا دايمًا بتستنى اللحظة المناسبة عشان ترد.
في يوم بعد الضهر، ابني كريم رجع من المدرسة متضايق جدًا.
قال وهو بيرمي الشنطة يا بابا، الولاد النهارده كانوا بيهزروا على الست اللي بتنضف المدرسة.
هززت دماغي من غير اهتمام.
لحد ما قال كانت بتعيط وهي بتمسح الأرض.
ساعتها حسيت بحاجة غريبة جوايا.
تاني يوم الصبح، رحت المدرسة أشتكي من طريقة معاملة العمال هناك.
وهناك شفتها.
واطية على الأرض. لابسة جوانتي قديم. وبتنضف الطين من على السلم.
قلبي وقف.
ندى.
الست اللي هربت منها.
أم عيالي.
وشها كان مرهق. وجسمها خس. والسنين باينة عليها.
بس عينيها استحالة أنساهم.
رفعت وشها بالراحة.
والجردل وقع من إيدها.
فضلنا ثواني ساكتين.
بعدها همست بصوت مكسور أخيرًا افتكرت تيجي.
رجلي كانت هتخوني.
مشت قدامي لحد ورا المبنى.
وهناك قالتلي الحقيقة اللي كسرتني.
بعد ما هربت منها، حصلت لها مضاعفات وقت الولادة.
وفقدت واحد من التوأم.
أما الطفل التاني فعاش.
لكن لأنها ماكنش معاها فلوس، اشتغلت في
ماكنتش قادر آخد نفسي.
وفجأة شارت ناحية ملعب الكورة.
ولد مراهق كان بيجري وسط الفريق.
قالت وهي بتبصله بفخر ووجع ده ابنك.
الولد لف ناحية صوتنا
ودنيتي كلها اتهدت.
نفس ملامحي. نفس العينين. حتى طريقة الجري شبهى.
قبل ما أنطق، المدير جري علينا وهو ماسك ظرف.
يا أستاذة ندى! قالها بفرحة ناس المنحة وصلوا!
ندى اتجمدت.
المدير ابتسم وقال ابنك بقى الأول على مستوى الجمهورية كلها.
بصيت للولد تاني
واكتشفت إن الابن اللي هربت منه بقى راجل أحسن مني ألف مرة.
وفجأة عربية سوداء فخمة وقفت قدام المدرسة.
مراتي ياسمين نزلت منها.
بصت لندى بصت للولد وبعدين بصتلي أنا.
وسألت السؤال اللي كنت خايف منه طول عمري
ليه الولد ده شبهك أوي كده يا حسام؟اتجمدت مكاني.
ياسمين كانت باصة بيني وبين الولد، وعينيها مليانة شك.
أما ندى فكانت واقفة ساكتة، ماسكة طرف الإيشارب بإيد مرتعشة.
حسام الصغير قرب مننا وهو لسه لابس هدوم التمرين.
وقال بابتسامة بريئة ماما هو الأستاذ ده يعرفنا؟
الكلمة خبطت في صدري.
ماما.
أنا ضيعت سنين كاملة وهو كبر من غير ما يسمع كلمة بابا مني ولو مرة.
ندى بلعت ريقها وقالت بهدوء ادخل يا حبيبي عند المدير وأنا جاية.
الولد هز راسه ومشي.
لكن قبل ما يدخل، بصلي مرة طويلة. نظرة غريبة كأنه حاسس بحاجة.
ياسمين قربت مني وقالت بصوت واطي
لساني اتربط.
ندى هي اللي ردت أنا مراته الأولى.
الهواء وقف حوالينا.
ياسمين بصتلي بصدمة مراته إيه؟!
غمضت عيني للحظة. أول مرة أحس إني محاصر بالحقيقة بالشكل ده.
ندى كملت إحنا كنا متجوزين رسمي والجواز لسه موجود وقتها لما سابني في المستشفى واختفى.
ياسمين رجعت خطوة لورا كأن حد ضربها.
إنت قولتلي إنك أول مرة تتجوز!
ماكنتش قادر أبصلها.
المدير كان واقف متوتر، وحاول يمشي، لكن ياسمين وقفته لا محدش هيمشي. أنا عايزة أفهم.
ندى ضحكت ضحكة باهتة كلها تعب تفهمي إيه؟ إن جوزك خاف من المسؤولية وهرب؟ ولا إنه ساب مراته وعياله من غير جنيه؟
ياسمين بصتلي والدموع بدأت تلمع في عينيها الكلام ده حقيقي؟
ولأول مرة من سنين ماعرفتش أهرب.
هزيت راسي ببطء.
في اللحظة دي، باب مكتب المدير اتفتح.
وابني خرج وهو ماسك ورق المنحة وفرحان.
ماما! اتقبلت!
كان بيضحك من قلبه قبل ما يلاحظ التوتر.
بصلنا باستغراب.
وبعدين عينيه وقفت عليّا.
هو في حاجة؟
ندى سكتت.
أما ياسمين، فمسحت دموعها بسرعة وقالت الولد ده اسمه إيه؟
رد بثقة حسام حسام السيوفي.
قلبي وقع.
ندى كانت مسمّيه على اسمي.
بعد كل اللي عملته فيها لسه شايلة اسمي لابني.
ياسمين بصتلي بوجع وهمست حتى ابنه سماه عليه
الصمت كان قاتل.
لكن اللي كسر كل حاجة إن حسام الصغير قرب مني فجأة وقال
حضرتك إحنا اتقابلنا قبل كده؟
ندى شهقت
لكن الولد كمل وهو مركز في وشي أصل ماما كانت دايمًا تقول إن بابا كان شبهك جدًا.
وفي اللحظة دي
ياسمين بصتلي نظرة عمري ما هنساها.
وقالت إنت ما سبتش مراتك بس يا حسام إنت سبت ابنك كمان الكلمة ضربتني أقوى من أي إهانة سمعتها في حياتي.
الولد كان واقف قدامي، ضهره مفرود وعينيه مليانة وجع أكبر من سنه.
ندى قربت منه بسرعة حسام، مينفعش تقول كده.
لكنّه هز راسه بعناد.
ليه؟ هو سابنا بإرادته، صح؟
الصمت كان كافي يجاوبه.
الراجل بتاع المنحة بص للموقف كله بتوتر وقال إحنا ممكن نأجل الإجراءات لحد ما الأمور تهدى.
لكن حسام الصغير فجأة قال لا.
كلنا بصيناله.
رفع الملف من على الأرض، ومسح التراب عنه، وقال بثبات أنا تعبت عشان أوصل لهنا ومش هضيع الفرصة دي.
ندى كانت بتعيط بصمت.
أما ياسمين، فكانت واقفة بعيد، حاطة إيدها على بقها كأنها أول مرة تشوفني على حقيقتي.
الولد بص للراجل وقال لو لازم توقيع الأب يبقى يوقّع.
وبعدين لف ناحيتي مباشرة.
بس بعد ما يجاوب على سؤال واحد.
حسيت نفسي باختنق.
ليه سبتنا؟
السؤال كان بسيط لكن مفيش إجابة تكفيه.
بلعت ريقي بصعوبة وقلت كنت جبان.
ندى غمضت عينيها بألم.
أما حسام الصغير، ففضل باصصلي شوية كأنه بيقارن بين صورة الأب اللي كان بيتخيله طول عمره، وبين الراجل اللي واقف قدامه دلوقتي.
وبعدين قال ماما كانت بتقول إن الإنسان ممكن يغلط بس
الكلام قطعني حتت.
الراجل بتاع المنحة مدلي الورق بهدوء اتفضل يا أستاذ.
إيدي كانت بتترعش وأنا