تظاهر المليونير
تظاهر الملياردير بالنوم وترك على مكتبه رزم فلوس وقطع ذهب، ليختبر ابن الخادمة الفقير ويثبت لنفسه أن الفقر يجعل الإنسان يسرق، لكنه لم يكن يعرف أن ما سيفعله الطفل بدل السرقة سيكسر قلبه ويجعله يبكي أمام خدمه لأول مرة في حياته.
كان اسمه شريف المنشاوي، رجل أعمال معروف في القاهرة بلقب إمبراطور العقارات، يملك شركات ومولات وسيارات فاخرة وقصرًا كبيرًا في التجمع، لكن رغم كل هذا المال، كان يعيش بقلب جاف لا يثق في أحد، كأن كل إنسان يقترب منه يحمل سكينًا مخفيًا وراء ابتسامته.
تعرض شريف للخيانة كثيرًا، شركاء سرقوه، أقارب استغلوه، موظفون وقعوا باسمه، حتى صار يرى الناس من ثقب واحد اسمه الشك، وكان يقول دائمًا إن كل فقير يحترمك فقط إلى أن يجد فرصة ليمد يده إلى مالك.
في قصره كانت تعمل امرأة بسيطة اسمها أم هالة، تنظف البيت منذ سنوات، صامتة، أمينة، لا ترفع عينها في شيء ليس لها، وكانت أحيانًا تصطحب ابنها الصغير زياد، طفل في العاشرة، يساعدها في الحديقة أو ينظف السيارات مقابل مبلغ بسيط يشتري به كراسات المدرسة.
كان زياد نحيفًا، هادئًا، يرتدي قميصًا قديمًا أكبر من مقاسه، لكنه كان شديد الأدب، يقول حاضر يا فندم لكل من يكلمه، ويضع عينيه في الأرض كأنه يخاف أن يُتهم حتى قبل أن يفعل شيئًا.
عرف شريف من مديرة المنزل أن والد زياد مريض ويحتاج عملية عاجلة، وأن أم هالة تبيع ما تملك وتحاول جمع المبلغ، فابتسم بسخرية وقال في نفسه دلوقتي بس هنعرف معدنهم الحقيقي الفقر لما يزن على صاحبه يخليه يبيع ضميره.
وفي مساء هادئ، استدعى زياد إلى مكتبه الخاص، وكان المكتب يشبه غرفة ملكية، خشب داكن،
هز زياد رأسه وقال حاضر يا شريف بيه، ثم دخل وهو يحمل قطعة قماش ودلو صغير، لكنه توقف عندما رأى المشهد أمامه حقيبة مفتوحة على الطاولة مليئة برزم فلوس، وبجانبها أساور ذهب وساعة مرصعة تلمع تحت الضوء.
كان شريف ممددًا على الكنبة، مغمض العينين، يتظاهر بالنوم، لكنه من خلف جفنيه كان يراقب كل حركة، ينتظر أن تمتد يد الطفل إلى المال، ينتظر أن يثبت لنفسه أن قلبه القاسي كان على حق.
اقترب زياد من المكتب ببطء، نظر إلى الحقيبة، ثم إلى الرجل النائم، ثم ابتلع ريقه، وظهرت على وجهه حيرة طفل يعرف أن المال أمامه يكفي لإنقاذ أبيه من الموت.
مد يده فعلًا لكن ليس نحو المال.
مدها نحو الحقيبة وأغلقها بهدوء.
ثم أخذ قطعة قماش وغطى الذهب حتى لا يبقى مكشوفًا، ونظر ناحية الباب بخوف، كأنه يخشى أن يدخل أحد غير أمين ويأخذ شيئًا فيُتهم هو به.
شعر شريف بشيء غريب، لكنه ظل مغمضًا عينيه، وقال في داخله إن الطفل ربما يحاول أن يخفي ما سيسرقه، فظل ينتظر اللحظة التي ستنكشف فيها الحقيقة.
لكن زياد فعل شيئًا لم يتوقعه أبدًا.
اقترب من الكنبة، ورأى أن الغطاء انزلق عن قدم شريف، فأحضره بهدوء وغطاه، ثم همس بصوت صغير ربنا يشفي بابا ويهدي قلبك يا شريف بيه.
تجمد شريف من الداخل.
ثم سمع صوت ورقة تتحرك، ففتح عينه قليلًا فرأى زياد يخرج كراسة صغيرة من جيبه، يكتب فيها شيئًا، ثم يضعها فوق المكتب بجوار الحقيبة المغلقة.
بعد دقائق انتهى الطفل من التنظيف، وقبل أن يخرج، التفت إلى المال مرة
خرج زياد من المكتب.
نهض شريف بسرعة، فتح الكراسة، فوجد صفحة مكتوب فيها بخط طفل مرتب يا شريف بيه، حضرتك ناسي فلوس كتير مفتوحة على المكتب، قفلت الشنطة عشان محدش ياخد حاجة ويتهمني، وآسف لو لمستها من غير إذن.
قرأ السطر مرة، ثم مرة أخرى، ثم رأى أسفل الورقة جملة جعلت يده ترتجف لو حضرتك تعرف دكتور كويس لبابا، دلني عليه بس، مش عايز فلوس، عايز بابا يعيش.
جلس شريف على الكرسي وكأن قدميه لم تعودا تحملانه، فالطفل الذي وضع أمامه الذهب والمال ليختبره لم يسرق، ولم يطلب، بل خاف على مال الرجل الذي شك فيه، ودعا له بدل أن يكرهه.
استدعى مديرة المنزل بصوت مبحوح، وسألها عن والد زياد، فأخبرته أن العملية تأخرت لأنهم لم يجمعوا إلا جزءًا صغيرًا من المبلغ، وأن أم هالة تخفي دموعها كل يوم حتى لا يعرف ابنها أن أباه قد لا ينجو.
في تلك اللحظة، لم يستطع شريف أن يتمالك نفسه، نهض من مكتبه، نادى على زياد وأمه، وعندما دخلا خائفين ظنًا أن الطفل أخطأ، وقف أمامهما صامتًا للحظات طويلة.
ثم فجأة، انحنى شريف أمام الطفل، أمسك يده الصغيرة المتشققة، وانفجر بالبكاء.
قال بصوت مكسور أنا آسف يا زياد أنا حطيتك في اختبار قذر، وكنت فاكر إني هكشف لص، لكن إنت كشفتلي أنا قد إيه بقيت قاسي وظالم.
شهقت أم هالة وبدأت تبكي، أما زياد فوقف مرتبكًا لا يفهم لماذا يبكي الرجل الكبير الذي يخافه الجميع.
قال شريف عملية أبوك على حسابي، ودراستك على حسابي، وأي حاجة تحتاجوها هتوصل لحد بابكم مش صدقة، ده دين في رقبتي، إنت رجعتلي حاجة أغلى من الفلوس.
لكن
الصاعقة الحقيقية جاءت عندما وصلت تقارير المستشفى في نفس الليلة، فقرأ شريف اسم والد زياد كاملًا، وتجمد مكانه حسن عبد اللطيف المنشاوي.
كان هذا اسم السائق القديم لعائلة شريف، الرجل الذي اختفى منذ خمسة عشر عامًا بعد حادث سيارة مات فيه والد شريف، واتُّهم وقتها بالخيانة والهروب، بينما كان شريف يظن أنه السبب في خراب عائلته.
نظر شريف إلى أم هالة بوجه شاحب وقال جوزك كان سواق أبويا؟.
ارتبكت المرأة، ثم قالت بصوت خائف أيوه بس هو عمره ما خان حد، هو اتسجن ظلم بعد الحادث، ولما خرج كان مكسور، وكان بيقول إن معاه دليل يثبت مين قتل والد حضرتك.
وقبل أن يكملوا الكلام، رن هاتف شريف برقم مجهول، ولما فتح الخط سمع صوتًا باردًا يقول ابعد عن الولد وأبوه يا شريف، الماضي لو اتفتح هتندم.
وقف شريف في مكتبه، والمال والذهب أمامه، والطفل الأمين خلفه، وفهم أن اختبارًا صغيرًا كشف باب جريمة قديمة دفنتها عائلته بالمال والخوف.
فهل كان والد زياد بريئًا من الحادث القديم؟ ومن اتصل بشريف ليهدده؟ وهل الطفل الذي رفض سرقة المال سيكون هو المفتاح لكشف قاتل والد الملياردير بعد كل هذه السنوات؟
والي عايز يعرف الباقي يكتب تمشريف وقف في مكانه، والهاتف ما زال في يده، وصوت التنفّس على الطرف الآخر اختفى فجأة كأن الخط اتقطع عمدًا لكن الجملة بقيت تتردد في رأسه
ابعد عن الولد وأبوه الماضي لو اتفتح هتندم.
نظر إلى الورقة اللي في إيده، ثم إلى اسم حسن عبد اللطيف المنشاوي الاسم كان بيضرب في ذاكرته زي مطرقة
خرج من المكتب بخطوات سريعة، كأنه