هجرت ابنتي

لمحة نيوز

لم تخبريني بهذا؟
صرخت فيه
لا شأن لك!
لكن ياسر لم ينتهِ بعد.
فتح ملفًا أخيرًا.
هذه المرة كان تسجيلًا صوتيًا حديثًا جدًا.
صوت ريم داخل السيارة قبل دخولها المنزل بدقائق.
واضح أنها لم تنتبه لهاتفها المفتوح أثناء المكالمة.
كانت تضحك وتقول
أول ما أحصل على الوصاية سأبيع البيت. والولد أصلًا لن يعرف يدير دولارًا واحدًا. شخص مثله يحتاج من يقرّر عنه.
ثم ضحكت ضحكة طويلة باردة.
انطفأت الشاشة.
وساد الصمت من جديد.
المحامي سامر كان أول من تكلم.
نظر إلى محاميها وقال بحزم
انتهت الجلسة هنا. هذه التسجيلات تثبت نية الاستغلال والتخلي المتعمّد والإهمال النفسي. وإذا وصل الأمر للمحكمة فالوضع لن يكون في صالح موكلتك أبدًا.
تراجعت ريم خطوة.
ثم خطوتين.
ولأول مرة منذ دخلت البيت بدا عليها الخوف.
نظرت إلى ياسر محاولة استعطافه
حبيبي أنا أمك مهما حدث.
رفع عينيه إليها بهدوء.
ذلك الهدوء الذي كان دائمًا أخطر من الصراخ.
وقال
الأم لا تعود عندما تسمع صوت المال فقط.
شهقت ريم وكأن الكلمات صفعتها.
ثم التفت ياسر نحوي.
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
وقال
جدتي هل يمكن أن تُحضّري الأرز الآن؟ أشعر بالتوتر.
انفجرت بالبكاء.
بكاء أحد عشر عامًا كاملة.
اقتربت منه وضممته بقوة، بينما كان يربت على كتفي بتوتر خفيف، كعادته حين لا يعرف كيف يتعامل مع الدموع.
أما ريم
فحملت حقيبتها بسرعة.
وحاولت أن تبدو قوية وهي تغادر.
لكن قبل أن تصل إلى الباب، قال
ياسر دون أن ينظر إليها
بالمناسبة أغلقتُ كل الحسابات التي حاولتِ الوصول إليها صباح اليوم.
تجمّدت مكانها.
ثم أكمل بهدوء
وأرسلت نسخة من التسجيلات إلى بريدي وبريد المحامي تلقائيًا تحسبًا لأي شيء.
نظرت إليه بصدمة حقيقية.
لأول مرة أدركت أن ذلك الطفل الذي تركته خلف باب غرفتي
لم يعد طفلًا.
خرجت من البيت دون كلمة.
واختفت السيارة البيضاء من الشارع.
أما أنا، فدخلت المطبخ ويداي ترتجفان، وبدأت أعدّ الأرز.
وياسر جلس قرب النافذة، يراقب الحديقة الصغيرة بصمته المعتاد.
ثم قال فجأة
جدتي؟
نعم يا روحي؟
هل ما زلتِ متعبة من غسل الملابس؟
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت
لا يا حبيبي انتهى ذلك التعب منذ اليوم الذي اخترتَ فيه أن تبقى معي مرّت ثلاثة أسابيع بعد رحيل ريم.
ظننت أن الأمر انتهى.
لكن الحقيقة كانت البداية فقط.
في صباح هادئ، بينما كنت أرتب المطبخ، دخل ياسر وهو يحمل جهازه اللوحي، وعلامات التوتر واضحة عليه.
قال دون مقدمات
جدتي هناك شيء غريب.
توقفت يدي فورًا.
ياسر لا يقول غريب بسهولة.
اقترب ووضع الشاشة أمامي.
كانت هناك عشرات الرسائل الإلكترونية.
صحفيون.
مدوّنات.
قنوات تلفزيونية.
وحتى شركات استثمار.
كلهم يتحدثون عن الفتى العبقري المصاب بالتوحّد الذي هزم والدته في قضية الملايين.
شعرت بانقباض في صدري.
كيف عرفوا؟
هز كتفيه بتوتر.
ثم فتح فيديو قصيرًا منشورًا على إحدى الصفحات.
كان تسجيلًا من كاميرا مراقبة خارج المنزل يُظهر
لحظة وصول ريم مع المحامي.
أحد الجيران سرّب المقطع.
وخلال أيام، انتشرت القصة كلها.
أغلقت فمي بيدي.
أما ياسر، فبدأ يتنفس بسرعة.
عرفت العلامات فورًا.
الضوضاء.
الضغط.
الناس.
كلها أشياء تخنقه.
أطفأت الهاتف فورًا وقلت بهدوء
لا تنظر لهم يا حبيبي.
لكنه همس
لكنهم ينظرون لي.
وفي تلك الليلة لم ينم.
ظل يمشي في الغرفة ساعات، يضع يديه على أذنيه كلما وصل إشعار جديد للهاتف.
حتى الفجر.
ثم حدث الأسوأ.
في اليوم التالي، وقفت أمام المنزل ثلاث سيارات لقنوات إعلامية.
أشخاص يحملون كاميرات.
وآخرون ينادون باسمه.
ياسر! فقط تصريح صغير!
هل صحيح أن والدتك حاولت سرقتك؟
كيف ربحت الملايين؟
ارتجفت يداي.
كنت على وشك إغلاق الباب، لكن ياسر سبقني.
وقف خلفي بهدوء.
ثم قال
لا تخافي.
نظر إلى الكاميرات للحظة قصيرة فقط، ثم عاد إلى الداخل.
ظننت أنه انهار.
لكنه بعد ساعة خرج مرتديًا قميصه الرمادي وسماعاته الكبيرة.
وفي يده ورقة مطوية.
تقدّم نحو الباب الخارجي ببطء، بينما الصحفيون يقتربون أكثر.
شعرت بالرعب.
لكن ياسر فتح الباب بنفسه.
ثم رفع الورقة أمام الكاميرات.
كانت مكتوبة بخط واضح
أنا لست قصة شفقة.
ساد الصمت.
ثم قلب الورقة للجهة الأخرى.
التوحّد ليس مأساة القسوة هي المأساة.
توقفت الأسئلة فجأة.
حتى الكاميرات انخفضت قليلًا.
أما ياسر، فأخرج من جيبه ورقة ثالثة.
إذا أردتم مساعدتي ساعدوا الأطفال الذين تخلّت عنهم عائلاتهم.
ثم عاد للداخل وأغلق
الباب بهدوء.
وقفت أنظر إليه وكأنني أراه للمرة الأولى.
ذلك الطفل الذي كان يختبئ تحت الطاولة خوفًا من الأصوات
أصبح يواجه العالم كله وحده.
بعد يومين، انفجر الإنترنت برسائله.
مؤسسات دعمت التطبيق.
عائلات بدأت تروي قصص أطفالها.
ومدرسة كاملة في عمّان أعلنت افتتاح برنامج خاص للأطفال المصابين بالتوحّد باستخدام تطبيق ياسر.
لكن أكثر شيء أبكاني
كان الظرف الصغير الذي وصل بعد أسبوع.
فتحتُه بيدي المرتجفتين.
وفي داخله شيك بمبلغ كبير جدًا، ورسالة قصيرة من ياسر.
لإنشاء مغسلة حديثة باسم جدتي أمينة حتى لا تضطر أي امرأة لتدمير يديها كي تُطعم طفلًا تخلى عنه الجميع.
جلست أبكي طويلًا.
لكن المفاجأة الحقيقية
كانت حين رنّ جرس الباب تلك الليلة.
فتحت الباب ببطء.
وتجمّد الدم في عروقي.
لأن الواقف أمامي
لم يكن ريم.
بل والد ياسر نفسه تسمّرت يداي على مقبض الباب.
أحد عشر عامًا
أحد عشر عامًا كاملة لم أرَ فيها ذلك الرجل.
كان واقفًا بشعرٍ امتلأ بالشيب، ومعطف داكن، ونظرة متعبة لا تشبه غروره القديم.
سليم.
والد ياسر.
الرجل الذي اختفى في اللحظة نفسها التي اكتشف فيها أن ابنه مختلف.
نظر إليّ بصمت طويل، ثم قال بصوت خافت
أمينة هل يمكنني رؤية ابني؟
شعرت بالغضب يشتعل في صدري فورًا.
الآن تذكّرت أن لك ابنًا؟
خفض عينيه.
ولأول مرة في حياتي رأيته عاجزًا عن الرد.
قبل أن أتكلم مجددًا، جاء صوت ياسر من خلفي
دعيه يدخل.
التفتُّ بسرعة.
كان واقفًا
في آخر الممر، يحمل جهازه اللوحي بيد، والأخرى داخل جيبه، كعادته عندما يتوتر.
دخل سليم ببطء.
عيناه كانتا تتحركان في البيت وكأنه يرى حياة كاملة فاتته.
توقفتا
تم نسخ الرابط