هجرت ابنتي
عند الحديقة الصغيرة.
ثم عند رفوف الكتب.
ثم عند صورة لياسر وهو صغير، يضع سماعاته الكبيرة ويبتسم ابتسامة خجولة.
ارتجف فكه قليلًا.
جلس في الصالة دون أن يقترب.
وكأن بينه وبين ابنه مسافة لا تُقاس بالأمتار.
قال أخيرًا
تابعت الأخبار وعرفت كل شيء.
رد ياسر بهدوء
متأخر جدًا.
أغمض سليم عينيه للحظة.
ثم قال
أعلم.
ساد الصمت.
كنت أريد طرده.
لكن شيئًا في وجهه لم يكن يشبه ريم.
لم تكن هناك طمع.
ولا نظرات حسابات.
بل شيء أثقل.
الندم.
أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا ووضعه على الطاولة.
كنت أكتب له كل سنة.
عبستُ بدهشة.
فتح ياسر الظرف بهدوء.
وفي داخله رسائل كثيرة.
كل رسالة بتاريخ مختلف.
رسائل عيد ميلاد.
رسائل اعتذار.
رسائل لم تُرسل أبدًا.
قرأ ياسر أول سطر فقط، ثم رفع عينيه إليه.
قال سليم بصوت مكسور
كنت جبانًا عندما شُخّص بالتوحّد خفت. ظننت أنني لن أستطيع فهمه أو أن أكون أبًا جيدًا له. وبدل أن أتعلم هربت.
عضضت شفتي بقوة.
لأن كلماته رغم قسوتها كانت صادقة.
اقترب سليم قليلًا.
لكن ليس كثيرًا.
كأنه يعرف أن ياسر لا يحب
وقال
لا أريد مالك. ولا بيتك. ولا أي شيء منك. فقط أردت أن أراك مرة واحدة قبل أن أموت.
ارتعشت أنفاسي.
أما ياسر، فظل ينظر إليه طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى ظننت أنه لن يرد.
ثم سأل فجأة
لماذا الرسائل لم تُرسل؟
ابتلع سليم ريقه.
لأنني كنت أكتبها ثم أخاف. كنت أظن أنك ستكرهني.
رد ياسر بهدوء مؤلم
كنت محقًا.
انخفض رأس الرجل فورًا.
وشعرت أنا بالاختناق.
لكن ياسر أكمل بعد لحظة
ومع ذلك قررت أن تأتي اليوم.
رفع سليم عينيه نحوه ببطء.
قال ياسر
هذا يعني أنك حاولت أخيرًا.
لأول مرة امتلأت عينا الرجل بالدموع.
مدّ يده بتردد فوق الطاولة.
ولم يطلب عناقًا.
ولم يقترب أكثر.
فقط ترك يده هناك كأنه يترك القرار لياسر.
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم حدث شيء لم أتوقعه أبدًا.
اقترب ياسر ببطء.
ووضع أطراف أصابعه على يد أبيه.
لم يكن عناقًا.
ولم يكن غفرانًا كاملًا.
لكنه كان بداية.
وأقسم أنني رأيت كتفي سليم يهتزان من البكاء المكتوم.
في تلك الليلة، جلس الثلاثة في الحديقة الصغيرة.
أنا أعدّ الشاي.
وسليم يحكي لياسر كيف كان
وياسر يصحح له معلومات التكنولوجيا كل دقيقتين بوجه جامد.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
لم أشعر أن بيتنا ينقصه شيء مرّت أشهر بعد تلك الليلة.
لم يتغير كل شيء فجأة لكن شيئًا واحدًا تغيّر ببطء شديد لم يعد ياسر وحيدًا في مواجهة العالم.
سليم لم يعد يعيش معنا، لكنه لم يعد غائبًا أيضًا. كان يزور كل أسبوع، يجلس على الطرف الآخر من الطاولة دون فرض نفسه، يتعلم كيف يتحدث مع ابنه دون أن يكسره أو يضغط عليه. أحيانًا كان يخطئ، وياسر كان يصحح بصراحة قاسية ثم يكتفي سليم بالابتسام وكأنه يستحق ذلك.
وفي أحد الأيام، وصل خبر لم نكن نتوقعه.
شركة دولية عرضت توسيع مشروع ياسر ليصبح منصة عالمية لدعم الأطفال المصابين بالتوحّد، في مدارس مختلفة حول العالم. لم يكن العرض مجرد مال، بل فريق كامل، ومراكز دعم، وبرامج تعليمية.
جلس ياسر أمام الشاشة طويلًا.
ثم قال بهدوء
أريد أن يكون في كل دولة مكان يشعر فيه الطفل أنه طبيعي.
سكت قليلًا، ثم أضاف
بدون أن يشرح نفسه أولًا.
نظرت إليه وأنا أشعر بفخر لا يُحتمل.
وافق على
لكن بشرط واحد
أن يكون مقرّه الأول في عمّان، في نفس البيت، وبنفس الحديقة الصغيرة.
ومرّت سنة أخرى.
أصبح اسم ياسر معروفًا في الأخبار لكن هذه المرة ليس ك قصة درامية، بل كعقل صنع شيئًا يخفف ألم آلاف الأطفال.
أما ريم
فلم تظهر مجددًا.
وصلتني مرة رسالة قصيرة فقط، لا تطلب مالًا، ولا حضانة.
بل تقول
كنت أبحث عن حياة سهلة ونسيت أنني تركت حياة حقيقية خلفي.
لم أجب.
لأن بعض الجراح لا تحتاج ردًا.
في عيد ميلاد ياسر السابع عشر، اجتمعنا في الحديقة نفسها.
كان سليم جالسًا بهدوء غير معتاد.
وأنا أعدّ الأرز كعادتي.
وياسر ينظر إلى السماء، يراقب طائرة تمرّ بصمت.
ثم قال فجأة
جدتي هل تعتقدين أنني كنت عبئًا يومًا؟
اقتربت منه وجلست بجانبه.
قلت بثقة لم أملكها من قبل إلا بسببه
أنت لم تكن عبئًا أنت كنت الطريق الذي لم أفهمه أولًا.
سكت.
ثم قال
وأنا الآن أفهم الطريق أيضًا.
ابتسم سليم من بعيد.
وقال بهدوء
وأنا متأخر لكنني وصلت.
ضحك ياسر بخفة.
ضحكة قصيرة، لكنها حقيقية.
وفي تلك اللحظة فقط أدركت أن كل ما مررنا به لم
حياة لم يُهزم فيها أحد.
بل تعلّم فيها الجميع كيف يحبون بشكل صحيح ولو متأخرًا.