لارضاء امي
المحتويات
ببطء.
وملامحه
خلتني أنسى اسمي لحظة.
نفس عيني.
نفس شكل فمي.
لكن أكبر بسنين ومكسور من جوه بطريقة مش بشرية.
قال بصوت هادي جدًا
أمك عمرها ما كانت مجرد أم يا عباس
التفتنا كلنا ناحية الصوت.
وكانت أمي واقفة عند مدخل الممر.
بس المرة دي مفيش دموع.
مفيش ضعف.
كان في حاجة تانية حاجة أشبه بالراحة.
قالت بهدوء مخيف
البيت ده مش بيتنا ده عهد.
سارة اقتربت مني وقالت بسرعة
اللي حصل امبارح كان اختبار مش أول مرة.
أنا مش أول واحدة يا عباس
أنا الرابعة.
قبل ما أستوعب الجملة
الضوء في الغرفة بدأ يضعف.
والرجل القديم قال جملته الأخيرة
لو خرجت من هنا دلوقتي هتعيش طول عمرك فاكر الحقيقة
ولو كملت هتعرف ليه أمك كانت بتختار كل مرة واحدة جديدة ليك.
سكون تام.
حتى نفسي وقف.
وأمي قالت آخر كلمة وهي بتختفي في الظلام خطوة خطوة
اختار بسرعة يا عباس قبل ما البيت يختارك بدل ما أنت تختاره وقفت قدام الباب اللي عليه اسمي
والهواء اللي طالع منه كان بارد بشكل مش طبيعي، كأنه خارج من مكان مش في الزمن ده أصلًا.
سارة مسكت دراعي بقوة وقالت وهي بتهمس
لو دخلت مش هترجع نفس الشخص.
وأمي من ورايا قالت بهدوء غريب
هو أصلاً مش بيختار يرجع هو بيكمل اللي بدأه.
الرجل اللي شبهّي كان بيصرخ، لكن صوته بدأ يضعف كأن البيت بيشده لجوا بالعافية.
ما تسمعهمش يا
وفجأة
الباب اتفتح أكتر.
وظهر جواه مش ممر ولا غرفة
كان بيت تاني.
نفس البيت بالظبط.
نفس السفرة.
نفس الديوان.
نفس اللحظة اللي بدأت فيها القصة.
لكن فيه فرق واحد مرعب
كنت أنا قاعد على السفرة.
بنفس ملامحي بس ببرود غريب وأنا بقول الجملة دي لأمي
اعتذري لأمي.
سارة اللي جوا المشهد رفعت عينيها في صمت
وكأنها شايفةني أنا اللي واقف بره.
سارة اللي جنبي همست
شايف؟ دي مش ذكرى دي حلقة بتتكرر.
أمي قالت من ورايا
كل مرة تختار فيها الغلط البيت بيعيد التشغيل.
رجلي بدأت تقرب لوحدها ناحية الباب.
مش بإرادتي.
كأن في حاجة بتسحبني لجوا
كل خطوة كانت بتخلّي قلبي يدق أسرع، بس مش خوف إحساس إن في حاجة جوايا عارفة المكان ده.
وفجأة
الصوت اللي جوا المشهد رفع عينه وقال وهو بيبصلي مباشرة
أخيرًا جيت علشان تكمل مكاني.
سارة صرخت
لو دخلت هتنسى أنا مين!
وأمي قالت آخر جملة بصوت هادي جدًا
هو أصلاً نسي من أول مرة.
البيت كله اتزلزل.
والباب ابتدى يقفل تاني ببطء لكن المرة دي مش بيقفل على الغرفة
كان بيقفل على النسخة اللي أنا فيها دلوقتي.
سارة شدّتني بعنف وقالت
اختار يا عباس! المرة دي اختار نفسك بجد!
في اللحظة دي
بقيت واقف بين عالمين.
واحد فيه راجل شبهّي بيعيش حياتي بدل مني
وواحد فيه بيت بيبلع كل
والباب بدأ يقفل على اسمي.
وأول حرف من اسمي على الخشب بدأ يختفي
كأن وجودي نفسه بيتمسح.
وسمعت صوت واحد أخير مش من البيت ولا من أمي
صوتي أنا جاي من الجهة التانية
متسيبنيش مكانك
أنا مش أنت أنا نتيجة اختيارك.
والباب وصل لنقطة الإغلاق
وفاضل ثانية واحدةوقفت مكاني، كأن الأرض اتسحبت من تحتي.
البيت نفسه بدأ يغيّر شكله.
الجدران اللي كنت حافظها طفلاً، اتشقّت كأنها بتتنفس لأول مرة، والممر اللي دخلت منه اتقفل ببطء وراه، كأن حد بيسحب الباب بإيد غير مرئية.
سارة مسكت إيدي بسرعة لأول مرة من غير خوف، وقالت بصوت منخفض
مفيش وقت تفكر لو البيت اختارك هتفضل هنا للأبد.
الرجل القديم اقترب خطوة ثم خطوة.
ولما النور الخافت لمس ملامحه أكتر
اكتشفت الحقيقة اللي خلت رجلي تتجمد أكتر من أي صدمة قبل كده
كان أنا.
بس مش أنا الحالي
أنا لو كملت نفس الطريق بعد عشرين سنة.
عيون مرهقة وشقوق في الوجه ودموع متحجرة كأنها ما نزلتش من سنين.
قال لي بهدوء
أنا اللي اخترت أمي عليك زي ما أنت اخترتها على سارة.
سكت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة مكسورة
والبيت بيعيد نفسه كل مرة نفس القصة نفس الاختيار نفس النهاية.
أمي كانت واقفة بيننا، لكن ظلها كان أطول من جسمها وبيتحرك لوحده.
قالت ببرود
أنا ما كنتش بختار زوجة ليك يا عباس
أنا
سارة رجعت خطوة ورا، وقالت فجأة
هو مش بيت ده قفل.
كل مرة بتكسر فيه قلب بيتفتح باب جديد تحته.
وفجأة
الصناديق اللي في أول الممر بدأت تتحرك لوحدها.
تتكسر.
وتطلع منها أصوات همس أصوات نساء أصوات بكاء مكتوم.
واحدة منهم نادت اسمي.
ثم الثانية.
ثم عشرات.
الرجل اللي يشبهني صرخ فجأة لأول مرة
اقفل الباب يا عباس! قبل ما الدور عليك!
لكن الوقت كان فات.
الخدوش اللي على الجدار بدأت تكبر وتتحول لباب جديد باب رابع
والمرادي مكتوب عليه اسمي أنا.
أمي اقتربت مني وهمست في ودني
لو دخلت الباب ده هتفهم ليه أنا عملت كل ده
ولو ما دخلتش هتفضل طول عمرك تظن إنك ضحية.
سارة صرخت
ما تسمعهاش!
لكن الأرض بدأت تنفتح تحتنا.
والبيت كله قال بصوت واحد، صوت مش بشر
الاختيار الأخير يا عباس
إما تبقى الوريث
أو تبقى الضحية الجديدة.
والباب اللي عليه اسمي
اتفتح لوحده ببطء شديد كأنه مستني خطوتي الأولى تجمدت مكاني والخبط تحت السلم بقى أوضح.
مش خبط عشوائي ده كان إيقاع منتظم، كأنه حد فاهم إن في حد فوقه بيسمعه.
افتح أنا لسه واقف هنا
الصوت نفسه نفس الطبقة نفس النفس اللي بيطلع قبل الكلمة الأخيرة.
سارة كانت واقفة جنبي، بس ملامحها بدأت تتغير حاجة بسيطة جدًا مش في الشكل في الهدوء.
هدوء مش طبيعي لواحد عارف إن في نسخة تانية من
أمي قامت من مكانها، وقالت وهي بتعدّل طرف طرحتها
متردش عليه.
لكن المرة دي ماكانش في جزم في صوتها.
الخبط زاد.
مرة
متابعة القراءة