لارضاء امي

لمحة نيوز

مرتين وبعدين توقف.
ثانية صمت.
وبعدين
صوت الباب الحديد اللي تحت السلم اتفتح لوحده.
من غير مفتاح.
من غير صوت كسر.
كأنه كان مستني اللحظة دي بس.
سارة همست
هو ما بقاش تحت السلم
بلعت ريقي.
يبقى فين؟
ما لحقتش أسمع ردها.
لأن الهوا في البيت كله اتغير فجأة.
ريحة رطوبة قديمة نفس الريحة اللي كانت في الممر.
والأنوار اللي فوق السفرة بدأت ترمش.
مرة.
مرتين.
وبعدين ثبتت على نور ضعيف جدًا
وفيه ظل جديد ظهر على الحيطة.
مش ظلي أنا.
ولا ظل سارة.
ولا ظل أمي.
ده كان ظل رابع
قاعد على الكرسي المقابل ليا على السفرة.
ببطء شديد رفعت عيني.
الكرسي كان فاضي.
لكن الصوت جه من نفس المكان
إنت فاكر إنك خرجت؟
الكرسي بدأ يبان عليه أثر جسم بيضغطه كأن حد قاعد فعلاً بس مش ظاهر.
وأمي قالت فجأة بصوت منخفض جدًا
مش قلتلك متفتحوش الباب
سارة التفتت لها بسرعة
إنتي اللي فتحتيه أول مرة
الصمت وقع بيننا زي حجر.
أمي بصتلي لأول مرة من بداية القصة بصراحة كاملة.
وقالت
كل مرة كنت أنت بتختار كنت أنا بس بسهّل الطريق.
الأنوار طفت.
مرة واحدة.
وسمعت صوت الكرسي بيتسحب على الأرض.
خطوة.
ورايها خطوة تانية.
جايين ناحيتي.
سارة مسكت إيدي جامد وقالت
ما تبصش عليه لو شوفته هيبقى مكانك.
بس كان متأخر.
لأن النفس اللي ورايا كان قريب جدًا
قريب لدرجة إني حسيت بدفء على رقبتي.
وصوتي أنا
همس في ودني للمرة الأخيرة
دلوقتي دورك الحقيقي بدأ.
والنور رجع
بس الكرسي قدامي كان متقلب.
وفوقه
خاتم سارة التاني.
بس المرة دي
كان ناقص إصبع الثانية الأخيرة كانت أطول من العمر نفسه
حسيت كأن الزمن اتكسر حواليا، وكل حاجة واقفة بين نبضة قلب ونبضة قلب.
إيدي كانت لسه في إيد سارة
بس صوته من الجهة التانية كان بيشدني كأن فيه حبل مربوط بروحي.
لو ما دخلتش أنا هموت مكانك
وإنت هتفضل عايش
فاكر إنك نجوت
الصوت كان صوتي فعلًا لكن فيه كسر غريب في نهايته كأن الألم سبق الجملة.
أمي وقفت فجأة وقالت لأول مرة بصوت مش ثابت
البيت اختار خلاص
سارة صرخت
لا! هو لسه يقدر يختار نفسه!
وفي اللحظة دي
حصل اللي ما حدش كان مستنيه.
أنا ما دخلتش.
لكن ما خرجتش.
أنا وقفت في النص.
ورجلي واحدة جوا الباب وواحدة بره.
والباب قفل فجأة
مش على جسمي
على الاختيار نفسه.
سمعت صوت تكّة عالية
وبعدها صمت تام.
فتحت عيني
لقيت نفسي قاعد على السفرة.
نفس المكان.
نفس المرق البارد.
نفس أمي في الصدر.
ونفس سارة قدامي
بس مبتسمة.
ابتسامة مش مفهومة.
أمي بصّتلي وقالت بهدوء
كويس إنك اعتذرت في الوقت المناسب.
سارة مدت إيدها لمعلقة الأكل وقالت عادي جدًا
اتأخرت شوية النهارده يا عباس بس حصل خير.
اتجمدت.
مش قادر أفهم.
قلت بصوت مبحوح
أنا كنت فين؟
أمي ردت بسرعة
مافيش حاجة حصلت.
لكن عينيها ما كانتش بتبصلي.
كانت بتبص ورايا.
ببطء لفّيت راسي.
لقيت الباب اللي تحت السلم
مقفول من بره بسلسلة صدئة.
وعليه خدوش جديدة.
كتبت بنفس الخط الأزرق القديم
عباس
سارة قامت فجأة قربت مني وهمست في ودني بهدوء مرعب
البيت رجّعك بس مش كل حاجة بترجع زي ما كانت.
وبعدها رفعت إيديها قدامي
كانت لابسة نفس الخاتم اللي كان مرمي في الغرفة.
بس بإصبع إضافي
خاتم تاني.
نفسه بالظبط.
وقالت بابتسامة صغيرة
المرة الجاية متتأخرش في الاختيار.
وفجأة
سمعت من تحت السلم
خبط خفيف جدًا
ثم صوتي أنا من جوه الظلام
افتح أنا لسه واقف هناالبيت سكت فجأة سكوت تقيل كأن حد كتم أنفاسه من جوّه الجدران نفسها.
بصيت على الخاتم اللي فوق الكرسي الفراغ اللي جواه كان واضح، مش مجرد معدن ناقص ده كان مكان اتشال منه حاجة كانت موجودة.
سارة شدّت إيدي أكتر وقالت بصوت منخفض
هو بدأ ياخد حاجات مش بتاعة الجسد
بس ده بدأ ياخد من الحقيقة نفسها.
أمي وقفت بعيد شوية عند باب الصالة، وكأنها عارفة إن الوقوف جنبنا دلوقتي خطر.
وقالت بهدوء
هو ما بيكسرش الناس مرة واحدة هو بيبدّلهم.
ساعتها الكرسي اتحرك تاني.
بس المرة دي ما اتحركش لوحده.
اتسحب للخلف ببطء، كأن حد قام ورايح في اتجاه الممر.
وصوت خطوات خفيفة لكن أكيدة.
خطوة خطوة لحد ما وقف ورايا بالظبط.
نفَس دافئ لمس رقبتي.
أنا مش جاي آخذك
الصوت كان هادي جدًا عكس اللي جواه.
أنا جاي أرجّعك لنفسك.
سارة صرخت فجأة
كذب! ما تصدقوش!
لكن جسمي ماكانش سامعها.
كنت حاسس إن فيه حاجة جوايا بتنجذب للصوت ده كأن فيه جزء مني متعود عليه.
أمي قالت بسرعة لأول مرة بانفعال
لو بصيت له دلوقتي هتتبدل بالكامل!
وفي اللحظة دي
حصل انقسام غريب في إحساسي.
نص مني كان عايز يلتفت.
ونص تاني كان مرعوب لدرجة الشلل.
وبين الاتنين
سمعت صوت الباب تحت السلم بيتقفل لوحده.
تكّة.
كأن حد أعلن إن اللعبة اتقفلت.
والصوت ورايا همس تاني
إنت اتقسمت من زمان يا عباس أنا بس بجمعك.
سارة بدأت تبكي بصمت، ووشها بقى أبيض جدًا، وقالت
لو جمعك هيمسحني أنا.
أمي غمضت عينيها وقالت
وده الهدف من الأول.
سكون.
وبعدين
إيدي بدأت تتحرك لوحدها.
ببطء.
ناحية وشي.
سارة مسكتها بكل قوتها
ما تعملش كده!
لكن في نفس اللحظة
إيدي التانية بدأت تتحرك كأنها مش ملكي.
الاتنين بيتخانقوا جوا نفس الجسد.
والصوت ورايا قال آخر جملة
اختر نفسك بس المرة دي بجد.
البيت كله بدأ يهتز.
والخاتم اللي على الكرسي وقع على الأرض وبدأ يدحرج ناحية الباب تحت السلم لوحده.
وأول ما وصل للعتبة
الباب اتفتح تاني.
بس المرة دي
ماكانش فيه ظلام.
كان فيه نور أبيض قوي جدًا.
ونفس الصوت اللي ورايا
قال بهدوء مرعب
تعالى النسخة الكاملة مستنياك النور الأبيض كان بيزحف من تحت السلم
كأنه بيبلع البيت مش بينوره.
كل حاجة بقت ساكتة حتى صوت أمي اختفى، وسارة اتجمدت في مكانها وهي ماسكة إيدي كأنها آخر خيط في الواقع.
الصوت ورايا اتكرر للمرة الأخيرة
تعالى النسخة الكاملة مستنياك.
بس المرة دي ماكانش فيه أمر. كان فيه يقين.
الكرسي اتحرك لوحده خطوة لقدّام، وأنا حسّيت إني أنا اللي بتحرك معاه.
سارة صرخت
لو دخلت النور ده مش هترجع لينا!
لفّيت ناحيتها لأول مرة من بداية كل ده أشوفها بوضوح حقيقي.
مش كخوف لكن كحقيقة.
قلت بصوت هادي
أنا أصلًا مش راجع من زمان أنا كنت ماشي جوا حاجة أكبر مني.
أمي كانت واقفة عند الباب، ووشها لأول مرة فيه تعبير واحد بس تعب.
قالت بهدوء
أنا حاولت أعملك نسخة تقدر تعيش في الدنيا مش في الذنب.
سكتت لحظة.
بس البيت ما بيقبلش النصوص.
البيت اهتز مرة واحدة.
والنور زاد.
سارة مسكت في إيدي بعنف وقالت وهي بتبكي
اختارني اختار حياتنا متسيبنيش!
في اللحظة دي
حسّيت لأول مرة إني شايفها مش كزوجتي بس
لكن كحقيقة كانت بتتسرق مني كل مرة أضعف فيها.
والصوت ورايا همس
لو اختارتها هتفضل ناقص.
ولو اختارتنا هتفضل كامل بس مش هو.
وقفت بين الاتنين.
وبعدين
شديت إيدي بهدوء من إيد سارة.
مش بقوة بس بقرار.
سارة اتجمدت.
وأمي أغمضت عينيها.
وسمعت صوتها آخر مرة
متندمش لما تبقى فاهم كل حاجة.
مشيت ناحية السلم.
النور ابتلع كل خطوة.
ولما وصلت للباب
لقيت نفسي واقف قدام نفس السفرة.
نفس البيت.
نفس الليلة.
لكن المرة دي
أنا قاعد.
وبصّيت لنفسي اللي داخل من الممر.
النسختين بصوا لبعض.
والصوت جه من كل الاتجاهات
دلوقتي لازم واحد فيكم يمشي.
ابتسمت أنا أو هو مش مهم.
وقلت
المرة دي مفيش اختيار غلط
في اختيار واحد بس.
وقمت من الكرسي.
وخليت أنا التاني يقعد مكاني.
والنور قفل ببطء.
مش كفناء
لكن كاكتمال.
سكون.
البيت
رجع طبيعي.
السفرة عليها مرق بامية بارد.
أمي قاعدة في مكانها.
سارة قدامي بتبصلي كأني أول مرة أشوفها.
ابتسمت وقالت بهدوء
اتأخرت شوية النهارده يا عباس.
وبس.
بس وإنت تقرأ الجملة دي
في خبط خفيف جدًا تحت السلم
مرة واحدة بس.
وبعدين سكت للأبد.

تم نسخ الرابط