جوزي ارسل
جوزي حوّللي خمسة عشر مليون دينار عراقي بالغلط
في البداية فرحت من قلبي، لكن لما قريت الرسالة المكتوبة تحت التحويل، حسّيت إن الدنيا كلها وقعت فوق راسي
كانت الساعة داخلة على اتناشر بالليل، وليان قاعدة وحدها في مطبخ شقتها ببغداد، حاطة إيدها على بطنها المنتفخ في شهرها السابع، ومستنية غليان شاي القرفة وهي تحاول تهدي وجع ضهرها.
برا، المطر كان ينزل بقوة، والهوا البارد يصفّر بين الشبابيك، والبيت كله ساكت بشكل يخوف.
وفجأة
رنّ موبايلها بإشعار من البنك.
تم إضافة مبلغ 15000000 دينار عراقي إلى حسابكم.
اتسعت عيونها بذهول، وقلبها دق بسرعة.
أخيرًا
أخيرًا حيدر افتكر إنها حامل، وإن البيبي قرب ييجي، وإنهم محتاجين يجهزوا أوضة الطفلة ويدفعوا مصاريف المستشفى.
من شهور وهو كل يوم يتحجج الشغل تعبان يا ليان
الشركة خسرانة
اصبري شويّة
مو كلشي لازم ينشرى هسه
وكانت تصدقه رغم تعبها، رغم إنها باعت ذهبها قبل شهر حتى تكمل مصاريف البيت.
لكن فرحتها ما كملت حتى ثواني
لأن عينها نزلت على الملاحظة الصغيرة المكتوبة أسفل التحويل.
إلج يا زهراء حبيبتي حتى تكمّلون تجهيزات الشقة الجديدة. زوجج يحبج.
تجمّد الدم بعروقها.
حست كأن طفلتها ببطنها تحركت فجأة من الخوف، وكأن جسمها كله صار بارد.
زوجها متزوج عليها؟!
مو علاقة عابرة
مو خيانة مؤقتة
لا.
زوجة ثانية كاملة وشقة وتجهيزات
إيدها بدأت ترجف، لكن ليان ما كانت من النوع اللي ينهار بسرعة.
بلعت صدمتها بصعوبة، ومسكت الموبايل بسرعة وصورت التحويل، وبعدها أرسلته لإيميلها وخزّنته بأكثر من مكان.
وبعدين قعدت تنتظره.
رجع حيدر بعد ساعة تقريبًا، يفتح الباب بهدوء وهو يظن إنها نايمة.
كان لابس قميص جديد، وتفوح منه ريحة عطر نسائي ثقيل ما تعرفه.
أول ما شافها قاعدة بالصالة، رفع حاجبه باستغراب لهسه ما نمتي؟
قالتها بهدوء غريب كنت مستنيتك.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وهو يرمي مفاتيحه الشغل ذبحني اليوم والله الدنيا فوق راسي.
نظرت له طويلًا.
لنفس الرجل اللي كانت تدافع عنه قدام أهلها، وتقول حيدر يحبني بس الظروف ضاغطته.
ثم سألت شلون الشغل؟
تنهد وهو يمثل التعب خسائر ومصاريف حتى راتبي متأخر.
كادت تضحك بمرارة.
الرجل الذي يشتكي من الفقر كان يجهّز شقة لزوجته الثانية!
لكنها تماسكت وقالت فقط روح ارتاح.
استغرب جدًا من هدوئها.
كان متوقع صراخ، أو شكوى، أو حتى دموع
لكن ليان سكتت.
وفي اليوم التالي، بينما كان داخل الحمّام، أضاء هاتفه فوق السرير برسالة جديدة.
نظرت له ثواني
ثم أخذته.
كانت الرسالة من رقم محفوظ باسم زهراء .
حبيبي، للحظة خفت مرتك تعرف إنك حوّلت الفلوس إلها بالغلط بس يمكن ربك يحبني، لأن أمك كلّمتني اليوم وقالت إن ليان راح توقّع على التنازل عن بيت الكرخ بعد الولادة بسهولة
شهقت
وبالمناسبة، لا تنسى نروح نشوف الأثاث بكرة، لأن ما بقى شي على نقلنا للشقة الجديدة.
رفعت ليان رأسها ببطء
وهنا فقط فهمت الحقيقة كاملة.
الموضوع ما كان زواجًا سرّيًا فقط
بل خطة كاملة كانوا يرتبونها من شهور، حتى يأخذوا بيتها وحق طفلتها، ويرموها بعد الولادة وكأنها ما كانت يومًا زوجته الأولى!داخل الملف كانت هناك أوراق قديمة مختومة من المحكمة، وعقد بيع يحمل اسمها الكامل
ليان عبد الكريم السامرائي.
تسارعت أنفاسها وهي تقلّب الصفحات.
والدها قبل وفاته بشهور، كان قد اشترى البيت وسجّله باسمها هي، وليس باسم زوجها، لكنه أخفى الأمر حتى لا يتحكم حيدر بالعقار بعد الزواج.
وكان هناك أيضًا توكيل قانوني احتفظ به عند محامٍ قديم صديق للعائلة.
يعني كل السنين التي كان حيدر يتصرف فيها كأنه صاحب البيت
كانت مجرد كذبة.
مسحت ليان دموعها بسرعة، ثم التقطت هاتفها واتصلت برقم المحامي المكتوب على البطاقة داخل الملف.
رد رجل مسن بصوت هادئ أستاذ جاسم معك.
قالت بصوت مرتجف عمي آني بنت المرحوم عبد الكريم.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال الرجل بسرعة وكأنه فهم كل شيء أخيرًا فتحتي الملف؟
شهقت بخفة حضرتك كنت تعرف؟
تنهد الرجل أبوچ كان خايف من هاليوم.
وفي الخارج، كانت أصوات حيدر وأمه ترتفع بالصالة.
الحماة تقول بغضب لازم توقع اليوم قبل لا أحد يعرف!
أما حيدر
لكن ليان لم تعد تسمعهم جيدًا
لأن كلمات المحامي كانت أخطر مما تتخيل.
قال بصوت منخفض أبوچ ما سجّل البيت باسمچ فقط أكو شيء ثاني لازم تعرفيه.
قبضت على الهاتف بقوة شنو؟
قال الشركة اللي يشتغل بيها زوجچ أصلًا شريك بيها أبوچ قبل وفاته. وبعد موته، انتقلت حصته إلچ قانونيًا.
شعرت وكأن الأرض تميد تحتها.
حيدر الذي كان يبكي كل يوم من الخسائر
كان يصرف من أرباح شركة جزء منها ملك لها أصلًا!
وفجأة دوّى طرق عنيف على باب الغرفة.
ليان افتحي الباب!
كان صوت حيدر هذه المرة مختلفًا مخيفًا.
قالت الحماة من الخارج لا تعاندين! الموضوع مو بصفچ!
لكن ليان رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى بطنها المنتفخ.
ثم همست لأول مرة منذ اكتشاف الحقيقة لا الموضوع صار كله بصفي.
وفي اللحظة نفسها
وصلتها رسالة جديدة من رقم غريب.
فتحتها بحذر، فتجمّد الدم بعروقها.
كانت صورة لحيدر
لكن ليس مع زهراء.
بل مع امرأة ثالثة تمامًا، داخل فندق فاخر، وتحت الصورة رسالة قصيرة
إذا تريدين تعرفين الحقيقة الكاملة عن زوجچ لا تثقين بأحد داخل البيت ليان ما صرخت.
ولا حتى دمعت.
قفلت شاشة الموبايل بهدوء، ورجعته مكانه قبل ما يطلع حيدر من الحمّام بثواني.
طلع وهو ينشف شعره بالمنشفة، وبمجرد ما شافها قاعدة بنفس هدوئها، ارتاح.
الرجال أحيانًا ما يخافون من غضب المرأة
قد ما يخافون
قال وهو يلبس ساعته عندي مشوار مهم اليوم، يمكن أتأخر.
رفعت عيونها له وسألته بنبرة