كنت مجرد شغاله
وافتكرت الفلوس والحراسة تحمي.
ليان بدأت تعيط أخيرًا أول عياط بصوت عالي أسمعه منها من يوم دخلت القصر.
وجريت عليه فجأة حضنته بكل قوتها.
بابا متسبناش معاها تاني.
الجملة نزلت كسكينة.
وعمر حضنها بقوة كأنه بيحاول يعوض سنين كاملة في ثانية.
أما نادين فكانت بتبصلهم بنظرة مليانة حقد وجنون.
وبعدين بصتلي أنا.
والابتسامة اللي ظهرت على وشها خلت الدم يجمد في عروقي.
ابتسامة واحدة عارفة إنها لو غرقت هتغرق الكل معاها.
همست طيب ماحدش قالك يا عمر هي جت القصر ده إزاي أصلًا؟
عمر سكت.
وأنا حسيت قلبي وقف.
نادين ضحكت وهي بتمسح الدم من شفايفها قوليلهم يا مريم قوليلهم مين اللي بعتك هنا.
اتلخبطت أنا مكتب توظيف.
كدابة.
الكلمة خرجت منها بسرعة.
وبعدين طلعت ورقة من وسط الملفات اللي كانت في إيدها ولوّحت بيها تحب تعرف إن الشغالة البريئة دي كان معاها ملف كامل عن البيت قبل ما تدخل؟
عمر أخد الورقة بعنف.
أما أنا فوقفت مصدومة.
لأني أول مرة أشوف الورقة دي أصلًا.
كانت صور
صوري أنا.
صور ليا وأنا داخلة الملجأ وصور وأنا في شغلانات قديمة وصورة لأمي وأبويا قبل الحريقة!
إيدي اترعشت.
إزاي؟!
عمر رفع عينه ببطء ليا إيه ده؟
حاولت أتكلم ماعرفتش.
نادين قربت منه وهمست بانتصار فاكر سارة ماتت إزاي؟ فاكر مين كان بيشتغل وقتها في المستشفى اللي ماتت فيه؟
الدنيا لفت بيا.
لأن الاسم اللي قالته بعدها خلّى رجلي تضعف.
أم مريم.
شهقت تلقائي.
لا مستحيل.
نادين ضحكت بجنون أمها كانت الممرضة الخاصة بسارة قبل موتها بأيام.
عمر بصلي نظرة صعبة تتقري.
شك غضب وخوف على
وأنا كنت حاسة إني بغرق.
لأن عمري ما عرفت أي حاجة عن شغل أمي قبل ما تموت.
كل اللي فاكره الحريقة.
الحريقة اللي أكلت كل حاجة.
لكن قبل ما أي حد ينطق
صوت رصاصة دوّى فجأة في القصر!
الكل صرخ.
والحرس جريوا ناحية الصوت.
أما عمر فشد العيال وراه فورًا.
وفي آخر الطرقة كان واحد من رجال الأمن واقع على الأرض ونازف.
والأخطر؟
خزنة المكتب كانت مفتوحة.
والملف الأسود اللي جوّاها اختفى.
عمر رفع عينه ببطء ناحية نادين.
لكن نادين نفسها كانت باصة للباب المفتوح بصدمة حقيقية.
يعني اللي سرق الملف
ماكانش هي.
وفي اللحظة دي تحديدًا
رن تليفون عمر.
رد بصمت وفجأة ملامحه اتحولت لجحيم.
الصوت اللي جاله من الناحية التانية قال جملة واحدة
لو عايز تعرف مراتك الأولى ماتت إزاي بجد ابعد مريم عن ولادك فورًا.
يتبععمر فضّل ماسك التليفون ثواني طويلة لدرجة إننا سمعنا صوت نفس الراجل اللي على الخط وهو بيضحك بخفة مرعبة.
وبعدين المكالمة اتقفلت.
القصر كله كان واقف على حافة كارثة.
الحرس بيدوروا على اللي ضرب النار، نادين مبهوتة، وأنا واقفة حاسة إن الأرض بتسحبني لتحت.
لكن أكتر حد كان مرعب وقتها كان عمر المنصوري.
لأنه لأول مرة يبقى مش عارف يصدق مين.
مراته كدابة؟ ولا الشغالة اللي ولاده متعلقين بيها؟ ولا الماضي كله متبني على كذبة أكبر؟
في نفس الليلة، عمر نقل ليان وآدم لجناحه بنفسه.
رفض يسيبهم دقيقة لوحدهم.
أما أنا فطلب أشوفني في المكتب.
دخلت وأنا جسمي كله بيرتعش.
عمر كان واقف عند الإزاز، ضهره ليا، والسيجارة بين صوابعه بتولع وتطفي.
قال من غير
هزيت راسي ببطء. ولا حاجة تقريبًا ماتت وأنا صغيرة.
لف وبصلي مباشرة وأبوكِ؟
كان كهربائي مات في الحريقة.
سكت شوية، وبعدين رمى قدامي ملف قديم.
الحريقة دي ماكنتش حادث.
الدم اتسحب من وشي.
فتح الملف وصور قديمة ظهرت.
بيت محروق. تقرير دفاع مدني. وأسماء.
اسم أبويا واسم أمي واسم ثالث خلّى قلبي يقف.
سارة المنصوري.
بصيتله بعدم فهم.
عمر قال بصوت متكسر لأول مرة أمك كانت ممرضة مراتي وأبوكِ كان شغال في شركة تبعي. الليلة اللي ماتوا فيها كانت سارة معاهم.
شهقت يعني ماما ماتت مع مراتك؟!
هز راسه. بس جثة سارة عمرها ما اتلاقت.
الدنيا لفت بيا.
يعني إيه؟!
قرب الملف ناحيتي أكتر وقال في حد لعب بينا كلنا.
وفجأة كل حاجة بدأت تركب.
الحريقة. اختفاء سارة. دخولي القصر بالصدفة. الملف اللي اتسرق. وتهديد التليفون.
في حد من سنين بيراقب العيلة دي ومستني اللحظة المناسبة.
بعدها بساعات، الحرس مسكوا الراجل اللي سرق الملف.
المفاجأة؟
كان السواق القديم للقصر.
راجل عنده ستين سنة، اسمه حسن، اشتغل عند المنصوري من قبل حتى ما عمر يتجوز.
ولما عمر هدده بالشرطة حسن انهار.
وقعد يعيط زي الأطفال.
وقال الحقيقة اللي قلبت حياة الكل.
من سنين سارة كانت عايزة تسيب القصر.
اكتشفت إن في ناس من شركاء عمر بيستخدموا شركاته في شغل قذر من وراه، ولما حاولت تقوله، حد سبقها.
عملوا حريقة العربية وهي راجعة.
أمّي وأبويا كانوا معاها بالصدفة.
لكن سارة عاشت.
اتحرقت واتشوّهت واتخبّت سنين كاملة بعيد عن الكل، لأنها كانت شاهدة على ناس كبار جدًا.
أما حسن فكان بيبعتلها أخبار ولادها سرًا طول الوقت.
ليان وآدم
أمهم كانت عايشة طول السنين دي.
نادين انهارت تمامًا لما الحقيقة ظهرت.
طلع إنها كانت عارفة جزء من السر، واستغلت خوف سارة واختفائها عشان تدخل حياة عمر وتتجوزه.
لكنها ما قتلتش سارة هي بس كانت خايفة ترجع.
عمر طلقها في هدوء مرعب، ومنعها تقرب من العيال نهائي.
أما أنا
فكنت قاعدة في أوضة الأطفال، وآدم نايم على رجلي، وليان متعلقة في دراعي، وأنا مش قادرة أستوعب إن حياتي كلها كانت مربوطة بالعيلة دي من قبل حتى ما أعرفهم.
وفجأة
باب الأوضة اتفتح.
عمر دخل بهدوء.
وقال في حد عايز يشوفك.
قمت بتوتر ولما خرجت للممر، شفت ست واقفة بعيد.
وشها فيه آثار حروق خفيفة لكن عينيها
نفس عيون ليان بالظبط.
إيديا غطت بقي وأنا ببص لها بصدمة.
الست دموعها نزلت وهي تبص عليا إنتِ بنت نعمات؟
هزيت راسي ببطء.
فحضنتني فجأة وانهارت في العياط.
أمك ماتت وهي بتنقذني.
انفجرت دموعي أنا كمان.
أما عمر فكان واقف بعيد، باصص للمشهد بعين مليانة وجع وراحة في نفس الوقت.
بعد شهور
القصر اتغير.
الضحك بقى يتسمع فيه لأول مرة.
ليان رجعت ترسم. وآدم بطل يخاف من أي صوت عالي.
وسارة بدأت تتعالج وتحاول ترجع تعيش تاني.
أما أنا فبقيت أول مرة في حياتي أحس إن ليا مكان أنتمي له.
وفي يوم، كنت قاعدة في الجنينة بساعد آدم يبني بيت بالمكعبات، لما عمر قعد جنبي فجأة.
وقال بهدوء إنتِ أنقذتي ولادي.
ابتسمت بخجل هما اللي أنقذوني.
بصلي وقت طويل وبعدين قال مريم القصر ده عمره ما كان بيت. سكت لحظة. لحد ما دخلتيه.
ورغم
لأن البنت اليتيمة اللي محدش كان شايفها بقت أخيرًا أغلى حد في البيت اللي الكل كان بيترعب منه.