قال زوجي

لمحة نيوز

تجتاح جسدي.
ماذا؟
اقترب خطوة وقال
كانت هناك امرأة أصرت أن تختفي الطفلة من حياتك تمامًا.
بدأت أنفاسي تتسارع.
ثم همست
من؟
لكن قبل أن يجيب
صدر صوت خطوات صغيرة من الممر الداخلي.
التفتّ تلقائيًا.
وخرجت طفلة صغيرة
في حدود السنتين.
شعرها الأسود ناعم ومجعد قليلًا.
وترتدي فستانًا أبيض بسيطًا.
كانت تحمل دمية قماشية بين ذراعيها.
ثم رفعت رأسها نحوي.
وفي اللحظة التي رأيت فيها عينيها
انهار شيء داخلي بالكامل.
عيناي.
كانت تحمل عينَي بالكامل.
وقفت مشلولة في مكاني.
أما الطفلة
فحدقت بي بفضول بريء.
ثم سألت بصوت ناعم
أنتِ ماما؟
اختنق نفسي فورًا.
وضعت يدي على فمي كي لا أنهار.
لكن الدموع انفجرت رغمًا عني.
ركعت على الأرض ببطء وأنا أرتجف.
ثم فتحت ذراعي لها دون كلمة.
ترددت الطفلة للحظة
قبل أن تمشي نحوي بخطوات صغيرة مترددة.
وحين ارتمت داخل حضني
شعرت أن قلبي عاد للحياة بعد موت طويل.
بكيت بشكل لم أبكِه في حياتي.
أما هي
فمسحت دموعي الصغيرة بكفها وقالت ببراءة
ليش تبكين؟
لم أستطع الإجابة.
رفعت رأسي نحو الدكتور سامر والدموع تخنق صوتي
من
أخذها مني؟
خفض عينيه للحظة.
ثم قال الاسم الذي جعل العالم ينهار مجددًا
أمينة.
عمتي أمينة شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
عمتي أمينة؟
المرأة التي احتضنتني يوم دفنوا طفلتي؟
المرأة التي كانت تمسح دموعي كل ليلة؟
همست بصوت مكسور
لماذا؟
تنهد الدكتور سامر طويلًا.
ثم قال
بعد وفاة والدك، كانت هناك مشاكل كبيرة على الميراث. وعندما حملتِ كتب والدك الراحل جزءًا كبيرًا من أملاكه باسم حفيدته القادمة.
تجمد الدم في عروقي.
وأكمل
عمّتك خافت أن تنتقل الثروة كلها لكِ ولطفلتك بينما تبقى ابنتها تالا بلا شيء تقريبًا.
شهقت بصعوبة.
لا
لا يمكن أن يصل الطمع لهذا الحد.
لكن الدكتور سامر أكمل بألم
هي لم تكن تنوي خطف الطفلة في البداية فقط أرادت إبعادها مؤقتًا حتى تُغيَّر الوصية. لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
ضممت ابنتي بقوة أكبر.
أما الصغيرة
فكانت تلهو بخصلات شعري ببراءة كاملة.
غير مدركة أن حياتها كلها سُرقت مني.
همست
ومن ربّاها طوال هذه المدة؟
أجاب
زوجان لم يُرزقا بأطفال. كانا يعتقدان أنها طفلة متخلى عنها بشكل قانوني. وعندما اكتشفا الحقيقة
منذ أشهر عادا بها إلى الأردن وهددوا بفضح الجميع.
في تلك اللحظة
رن هاتف الدكتور سامر.
نظر إلى الشاشة وشحب وجهه فورًا.
ثم قال بقلق
لقد عرفوا أنك هنا.
وقبل أن أسأله ماذا يقصد
سمعنا صوت سيارات تتوقف بعنف خارج المنزل.
ثم صوت صراخ.
وبعدها
طرقٌ قوي على الباب.
ضممت طفلتي إلى صدري بخوف.
لكن الباب انفتح فجأة.
ودخلت عمتي أمينة.
كانت تبكي بشكل هستيري.
وخلفها يزن وتالا.
نظرت عمتي إليّ وإلى الطفلة بين ذراعيّ.
ثم انهارت على ركبتيها فورًا.
وقالت بصوت مخنوق
سامحيني يا ليان والله ما كنت أريد أذيتك.
لكنني نظرت إليها بجمود مرعب.
ذلك النوع من الجمود الذي يأتي بعد ألم أكبر من قدرة القلب على الاحتمال.
صرخت وهي تبكي
كنت خائفة! بعد وفاة أخيكِ لم يبقَ لنا شيء كنت أرى تالا تُحرم من كل شيء بينما الجميع يتحدث عن طفلتك القادمة وكأنها الوريثة الوحيدة!
قالت تالا وهي تبكي بصدمة
أمي أنتِ قلتِ إن الطفلة ماتت فعلًا!
رفعت أمينة رأسها نحو ابنتها بانهيار
أنا فعلت كل شيء وحدي أقسم أن تالا لا ذنب لها.
ثم نظرت نحوي مجددًا
كنت أنوي إعادتها لاحقًا
لكنكِ انهرتِ بعد الولادة ثم خفتُ من الفضيحة وكلما مر الوقت صار الاعتراف أصعب.
ساد صمت ثقيل.
ثم اقترب يزن مني ببطء.
وعيناه مليئتان بالدموع.
وقال
لهذا أخفيت الحقيقة عندما عرفتها كنت أخاف أن أخسركِ مرة ثانية.
لكنني هذه المرة
لم أصرخ.
لم أنهَر.
كل ما فعلته
أنني نظرت إلى ابنتي الصغيرة.
كانت نائمة فوق كتفي بسلام.
وكأنها تعبت أخيرًا من التنقل بين أسرار الكبار.
مرّت أسابيع بعد تلك الليلة.
تم فتح تحقيق رسمي.
واعترفت عمتي بكل شيء.
أما الزوجان اللذان ربّيا ابنتي
فطلبا فقط أن يُسمح لهما بزيارتها أحيانًا، لأنها أصبحت قطعة من قلبيهما أيضًا.
وافقت.
لأنني أدركت أن ابنتي لم تُحرَم من الحب يومًا
حتى وهي بعيدة عني.
وفي أول ليلة عادت فيها إلى بيتنا
رفضت النوم في غرفتها الجديدة.
وأصرت أن تنام بجانبي.
كانت أصابعها الصغيرة متشبثة بثوبي طوال الليل.
وكأنها تخاف أن أختفي مجددًا.
أما أنا
فبقيت مستيقظة حتى الفجر أتأمل وجهها.
أحفظ ملامحها.
وأعوّض عامين كاملين من الغياب.
وقبل أن تنام تمامًا
فتحت عينيها الصغيرة وهمست بنعاس
ماما
ثم
ابتسمت.
وفي تلك اللحظة
بعد كل الخسارات، والأسرار، والوجع
عرفت أن الله ربما يؤخر الأشياء الجميلة أحيانًا
لكنه لا ينساها أبدًا.

تم نسخ الرابط