وصلتني حوالة
في شهري السابع من الحمل، قاعدة لوحدي في شقتنا الصغيرة في الكرادة. رجلي متورّمة من التعب، وبطني تقيلة كأنها شايلة الدنيا كلها، ومع ذلك كنت بحاول أتماسك.
حساباتنا البنكية شبه فاضية والديون بتزيد كل يوم.
وجوزي حيدر طول الوقت كان بيقولي نفس الجملة الشغل واقف الشركة في أزمة لازم نوفر.
كنت بصدّقه.
أو يمكن كنت بختار أصدّقه عشان أعدّي الأيام.
في ليلة هادية، المطر كان بيخبط على شباك المطبخ، وأنا قاعدة أعمل لنفسي شاي بابونج يمكن يهدّي الألم.
فجأة، الموبايل اهتز.
إشعار من البنك
تم استلام حوالة مالية 52000000 دينار عراقي.
ثواني وسكتّ.
بصيت للشاشة وأنا فاكرة إنه أخيرًا بعت فلوس تجهيز البيبي.
لكن اللي كسرني مش الرقم
كانت الرسالة المرفقة
لحفل استقبال نور وطفلنا أحبك.
طفلنا؟
نور؟
أحبك؟
حسيت الدم وقف في عروقي.
طفلتي حركت في بطني حركة خفيفة وكأنها هي كمان حست إن في حاجة اتكسرت جوايا.
ما صرختش.
ما عيطتش.
بس صورت الشاشة.
وبدأت أجمع الحقيقة واحدة واحدة بهدوء غريب، كأنني بلمّ شظايا زجاج وأنا حافية.
بعدها بساعات، رجع حيدر البيت كأنه راجع من اجتماع شغل مرهق.
قال بابتسامة عادية لسه صاحيه؟
نظرت له بهدوء ما قدرت أنام.
كان بيكذب براحة شديدة بيحكي عن ضغط الشغل والأزمات، وأنا جوايا كل كلمة بتتحول لطعنة.
لكن الليلة
ما واجهتوش.
سكتت وبدأت أراقب.
في الصباح، لقيت موبايله مهمل على الطاولة.
رسالة ظهرت
حبيبي، حولت الفلوس للحساب الغلط مراتك ما لاحظتش؟
وبعدها رسالة تانية
متنساش القاعة الليلة وأمك هتخلص موضوع توقيع الشقة بعد الولادة.
ساعتها بس فهمت.
دي مش خيانة عاطفية وبس
دي خطة.
واستغلال.
ومحاولة سحب حياتي من تحت رجلي وأنا حامل.
مريم ما صرختش
لكن قررت تبدأ تسكت بشكل مختلف.
جمعت كل المستندات القديمة
فواتير، تحويلات، أوراق باسمها، حاجات كانت فاكرة إنها مساعدات بسيطة طلعت جزء من لعبة أكبر.
وروحت لصديقتها سارة المحامية.
بعد ما شافت كل حاجة، قالت لها بهدوء ده مش سوء تفاهم ده استغلال مالي واضح.
وبدأ أول قرار إيقاف صلاحيات الحساب.
تغيير الباسورد.
وإلغاء البطاقة الإضافية.
ولأول مرة، حيدر حس إن الأرض بتتحرك تحته.
رجع يصرخ إنتي بتعملي إيه؟ إحنا زوجين!
لكن مريم ردّت بهدوء مخيف عارف عشان كده استغربت أكتر.
وسكت.
لأول مرة، هو اللي ما لقاش رد.
وفي اللحظة دي، مريم ما كانتش بتنهار
كانت بتبدأ تفيق.
لكن اللي جاية في الأيام اللي بعدها
كان هيكشف إن اللي كانت فاكرة إنه خيانة واحدة
كان أكبر بكتير مما تتخيل
في الأيام اللي بعدها، البيت ما بقاش زي الأول.
مش لأن الصوت عالي بالعكس، كان هادي بشكل مخيف.
مريم كانت عايشة
حيدر كان بيتكلم كتير، يبرر أكتر من اللازم، يحاول يرجّع النسخة القديمة من العلاقة اللي كانت بتصدق بسرعة وتسامح أسرع.
لكن مريم كانت بتسمع من غير ما ترد زي الأول.
وفي صباح يوم، سارة اتصلت بيها تاني بصوت مختلف.
مريم في حاجة لازم تشوفيها بنفسك.
إيه؟
مش هينفع أقول في التليفون.
في مكتب سارة، كان فيه ظرف كبير على الطاولة.
سارة فتحته بهدوء، وطلعت أوراق رسمية.
قالت دي مستندات من السجل العقاري تخص الشقة.
مريم بصّت لها باستغراب شقتي؟
سارة هزّت رأسها في محاولة لنقل جزء من الملكية أو إعادة تسجيلها حصلت إجراءات اتقدمت باسمك، بس توقيعك مش واضح إنه منك.
سكتت لحظة، وبعدين قالت وفي اسم حماتك داخل الموضوع بشكل مباشر.
الهواء اتقل فجأة في صدر مريم.
يعني كانوا بيعملوا إيه؟
سارة ردت بهدوء ترتيب قانوني يخلي حيدر يقدر يتحكم في الأصول بعد الولادة وكأنك غير قادرة مؤقتًا.
الكلمة دي بالذات كانت كفاية تهزها من جوا.
غير قادرة.
مش أم مش زوجة مش صاحبة بيت.
غير قادرة.
مريم رجعت البيت وهي ساكتة أكتر من الأول.
لكن أول ما دخلت، لقت حماتها قاعدة في الصالة كأنها مستنياها.
ابتسامة هادية نفس الابتسامة القديمة.
حمد لله على السلامة يا بنتي.
مريم ما ردتش بسرعة.
حماتها كملت عارفة
مريم بصّت لها بثبات تقصدي إيه ب كل حاجة؟
سكتت حماتها لحظة، ثم قالت بهدوء محسوب الورق بس ترتيبات بسيطة عشان مصلحتكم.
مريم ابتسمت لأول مرة من غير دفء مصلحتي ولا مصلحتكم؟
الصمت وقع في المكان.
وفي نفس اللحظة دخل حيدر.
وقف لما شاف التوتر.
في إيه؟
لكن مريم ما بصتش له.
كانت عينيها على حماتها.
وقالت بصوت ثابت أنا عايزة نسخة من كل ورقة اتقدمت باسمي وكل توقيع اتعمل عني.
حيدر اتجمد إنتي بتقولي إيه؟
مريم ردت أخيرًا ونظرت له اللي بيحصل مش سوء تفاهم يا حيدر ده ترتيب حياة كاملة من ورايا.
حماتها حاولت تتدخل إحنا عيلة واحدة
لكن مريم قاطعتها العيلة مش لما حد ياخد قرار بدل التاني.
وسكتت ثانية، ثم أضافت العيلة لما الناس تصارح بعض.
في اللحظة دي، لأول مرة، ملامح حيدر اتكسرت.
مش غضب
ارتباك.
كأنه بدأ يفهم إن السيطرة اللي كان فاكرها مضمونة بدأت تفلت.
ومريم كانت واقفة لأول مرة من غير خوف.
لكن اللي محدش كان يعرفه لسه
إن في ملف تالت اتفتح في نفس اليوم عند سارة.
ملف كان كفيل يقلب كل اللي حصل قبل كده ويكشف الحقيقة الكاملة اللي محدش كان حاسب حسابها.
لو عايزة أكمل الجزء اللي هيكشف الحقيقة الكاملة والمفاجأة الأخيرة،
مريم إنتي