امضي زوجي

لمحة نيوز

من مكانها.
كانت واقفة كما هي، يدها ما زالت قريبة من الكوب الذي وضعته منذ ثوانٍ، وكأنها لو ابتعدت خطوة واحدة ستفقد ما تبقّى من شجاعتها.
نظر خالد حوله بسرعة، يبحث عن ضحكة تنقذه، أو أحد يقول إن الأمر مجرد سوء فهم. لكن لا أحد ضحك.
حتى نور كانت واقفة بصمت غير معتاد، وعيناها ثابتتان على ريم، كأنها تراها لأول مرة.
قال خالد أخيرًا بنبرة حادة حاول أن يغلفها بالسيطرة ريم لا تحولي المزاح إلى مشكلة أمام الناس.
ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيها. مشكلة؟
ثم رفعت نظرها إليه مباشرة.
سبعة عشر سنة يا خالد وأنت تقول إنها مزاح.
تحرك شيء في المجلس. أحد الأطفال في الصالة الخلفية سعل، فزاد الصمت ثِقَلًا.
خطت خطوة واحدة نحو الطاولة.
سبعة عشر سنة وأنت تذكر نور في كل مكان أمام أهلي، أمام أهلك، أمام أصدقائنا وحتى أمام بنتك.
ارتبك وجه خالد للحظة، ثم عاد إلى صلابته أنتِ تبالغين. أنا لم أقصد أي شيء.
هنا فقط التفتت دانة بالكامل نحو أبيها. كانت عيناها متسعتين، كأنها تحاول أن تفهم أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ المزحة.
قالت ريم بصوت أخفض لكنه أشد قسوة من قبل حتى بنتك بدأت تضحك على أمها بسببك.
سكتت لحظة، ثم أضافت هذا ليس مزاحًا. هذا تعليم.
ارتفع صوت خالد فجأة ريم، كفى!
لكن صوته
هذه المرة لم يعد يملأ المكان كما اعتاد.
كان هناك شيء تغيّر شيء لم يعد يخيفها.
اقتربت نور خطوة صغيرة، وكأنها تريد أن تتدخل، ثم توقفت. لأول مرة، لم تجد الجملة المناسبة.
أما والد خالد، الذي كان يجلس في المجلس القريب، فقد ظهر على الباب، يراقب الموقف بصمت ثقيل.
قالت ريم وهي لا تزال تنظر إلى خالد أنت لا تضحك أنت تقلل مني أمام الناس، ثم تطلب مني أبتسم.
ثم أشارت بيدها نحو الطاولة، نحو الضحكات القديمة، نحو السنوات كلها وأنا وافقت لأني كنت أظن أن هذا هو الصبر.
سكتت ثانية.
ثم جاءت الجملة التي لم يتوقعها أحد
لكن الصبر اللي يكسّر الإنسان مش فضيلة.
ساد صمت مختلف هذه المرة. ليس صمت دهشة فقط بل صمت بداية فهم.
تحرك خالد خطوة للأمام إذن ماذا تريدين؟ أن تدمري البيت؟ أمام ابنتك؟
التفتت ريم نحو دانة لأول مرة في تلك اللحظة.
كانت الطفلة تنظر بينهما، كأنها تقف على حافة شيء أكبر من عمرها.
انخفض صوت ريم، لكنه كان واضحًا جدًا أنا ما بدمرش البيت أنا بحاول أوقف اللي بيكسرني وأنا فيه.
ثم أخذت نفسًا طويلًا.
لأول مرة.
أخذت حقيبتها من على الكرسي القريب ببطء شديد.
لم يكن قرارًا سريعًا، بل قرارًا تأخر سبعة عشر عامًا.
قال خالد بصوت أخفض هذه المرة أنتِ لا تقصدين ما تفعلينه
لكنها كانت قد التفتت
بالفعل نحو الباب.
وقبل أن تخرج، توقفت لحظة واحدة فقط، ونظرت إليه نظرة طويلة.
نظرة لم تكن غضبًا ولا بكاءً.
كانت فهمًا متأخرًا جدًا.
ثم قالت
أنا كنت فاكرة إن المشكلة نور لكن الحقيقة إن المشكلة إني صدقتك.
وخرجت.
أول خطوة خارج الغرفة لم تكن عالية الصوت
لكنها كانت أعلى من كل الضحكات التي قيلت داخلها طوال السنين خارج الغرفة، كان الهواء مختلفًا.
ليس لأنه بارد أو دافئ بل لأنه لم يعد محمّلًا بأصوات الضحك التي كانت تخنقها من الداخل.
توقفت ريم عند طرف الممر.
يدها كانت ثابتة على مقبض الحقيبة، لكن قلبها لم يكن كذلك.
لأول مرة منذ سنوات، لم تسمع صوت خالد خلفها.
لم يخرج وراءها.
وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها تشعر أن ما حدث لم يكن مجرد انفعال لحظي.
بل بداية شيء لا رجعة فيه.
في الداخل، لم يتحرك أحد لثوانٍ.
ثم ارتفع صوت كرسي يُسحب بقوة.
كان خالد قد وقف.
نظر حوله كمن يبحث عن تفسير يليق بما حدث أمام الجميع، ثم خرج إلى الممر بسرعة.
ريم!
جاء صوته هذه المرة مختلفًا أقل ثقة، أكثر ارتباكًا.
لكنها لم تلتفت فورًا.
كانت تحاول أن تجمع نفسها، ليس لتعود بل لتعرف إن كانت قادرة على الاستمرار في الوقوف أصلًا.
اقترب خالد خطوة ثم قال بصوت أخفض ارجعي الناس كلها في البيت.
ضحكت ريم ضحكة قصيرة بلا فرح،
وكأنها لم تصدق الجملة.
الناس؟
التفتت إليه أخيرًا.
وأنا كنت فين طول السنين دي؟ مش من الناس؟
تجمد خالد.
لم يجد ردًا جاهزًا.
لأنه لأول مرة لم تكن الجملة مزاح ولا مبالغة.
كانت سؤالًا مباشرًا.
في تلك اللحظة، ظهرت دانة عند باب الصالة.
كانت واقفة دون أن تتكلم، تمسك بطرف فستانها الصغير، وعيناها بين أمها وأبيها.
قالت بصوت خافت جدًا ماما هتمشي؟
سقط السؤال على ريم كأنه حجر ثقيل.
لم تكن قد فكرت في الرحيل بهذه الصورة أمام ابنتها.
اقتربت خطوة من دانة، وانحنت قليلًا حتى أصبحت في مستواها.
أنا مش بتهرب يا دانة.
ترددت لحظة، ثم أضافت أنا بس بقيت محتاجة أتنفس.
رفعت الطفلة عينيها نحوها طب وأنا؟
هذا السؤال كان الأخطر.
خالد تحرك فورًا شوفي؟ شايفة بتعملي إيه؟
لكن ريم رفعت يدها ببطء، إشارة واحدة أوقفته.
ثم قالت بهدوء غير معتاد أنا مش هسيبها. عمرها ما كانت المشكلة.
سكتت لحظة.
ثم نظرت إلى خالد المشكلة إني كنت موجودة معاكم وأنا مش موجودة.
صمت.
ليس صمت المجلس بل صمت الحقيقة.
في الداخل، بدأت الأصوات تعود تدريجيًا، كأن الناس لا يعرفون هل يخرجون أم يبقون، هل يشاركون أم يتجاهلون.
لكن ريم لم تعد تهتم.
لأول مرة، لم تعد تخاف نظرة الناس.
أخذت نفسًا طويلًا.
ثم قالت أنا رايحة بيت أمي الليلة.
لم
يكن إعلان طلاق.
ولم يكن تهديدًا.
كان جملة بسيطة لكنها كسرت شكل الليلة بالكامل.
خالد حاول أن يتكلم
تم نسخ الرابط