امضي زوجي

لمحة نيوز

وبعدين؟ هنرجع إمتى؟
توقفت ريم لحظة.
ثم أجابت مش عارفة.
وهذه الجملة بالذات كانت الأكثر صدقًا في حياتها كلها.
في الصالة، ساد اضطراب خفيف. همسات. حيرة. ارتباك.
نور خرجت أخيرًا، لكنها لم تتدخل.
وقفت فقط بعيدًا، تنظر إلى ريم بصمت، وكأنها تفهم شيئًا متأخرًا هي الأخرى.
أما دانة، فاقتربت فجأة من أمها، وأمسكت يدها.
لم تقل شيئًا.
لكن يدها الصغيرة كانت أقوى من كل الكلمات.
ريم انحنت مرة أخرى، قبلت رأسها، ثم شدّت يدها برفق.
وبدأت تمشي نحو الباب الخارجي.
خالد قال بصوت أخير، فيه شيء من الانكسار ريم ما تخلّيش لحظة غضب تهدم سنين.
توقفت عند العتبة.
ثم التفتت إليه للمرة الأخيرة في تلك الليلة.
مش لحظة غضب يا خالد.
سكتت ثانية.
ثم أضافت
دي أول مرة أكون فيها صادقة من سنين.
ثم خرجت.
ووراءها، لم يكن البيت ينهار.
لكن شيئًا فيه كان قد بدأ يتغيّر بلا صوت في الطريق إلى بيت أمها، كانت السيارة تسير ببطء غير معتاد،
وكأن كل متر يطلب منها تأكيد القرار من جديد.
دانة كانت جالسة بجانبها، صامتة، تمسك يدها دون أن تسأل مرة أخرى.
كلما نظرت ريم إلى انعكاس وجه ابنتها في المرآة، كانت تشعر بثقل مختلف ليس ندمًا، ولا تراجعًا، بل مسؤولية بدأت أخيرًا تُرى بوضوح.
عند باب البيت القديم، فتحت أمها الباب قبل أن تطرق.
كأنها كانت تنتظر.
نظرة واحدة على وجه ريم كانت كافية.
لم تسأل إيه اللي حصل؟
قالت فقط وهي تفسح الطريق ادخلي.
داخل البيت، جلست ريم على الأريكة كما لو أنها عادت إلى عمر أقدم بكثير من عمرها الحقيقي.
دانة جلست قربها، ثم نامت سريعًا من الإرهاق.
الصمت كان مختلفًا هنا ليس صمت توتر، بل صمت حماية.
بعد وقت طويل، قالت الأم بهدوء هترجعي؟
لم تجب ريم فورًا.
لأن السؤال هذه المرة لم يكن عن بيت بل عن حياة كاملة.
مرّت دقائق.
ثم قالت مش عارفة أرجع زي الأول.
سكتت.
ثم أضافت بصوت أهدأ بس عارفة إني مش هقدر أرجع أضحك وأنا موجوعة.

في اليوم التالي، اتصل خالد.
مرة.
ثم مرتين.
ثم أرسل رسالة طويلة لم تقرأها كاملة.
ليس لأنها لا تهتم.
بل لأنها لأول مرة كانت تحتاج أن تفهم نفسها قبل أن تفهمه.
مرت أيام.
ثم أسبوع.
ثم بدأ شيء جديد يتشكل ببطء.
لم يكن انفصالًا كاملًا ولم يكن عودة كما كان.
كان مسافة.
مسافة لأول مرة تسمح لريم أن تسمع صوتها بدون ضجيج الآخرين.
في أحد الأيام، جاء خالد إلى بيت والدها.
وقف عند الباب.
لم يدخل.
كانت دانة تقف خلف أمها.
قال خالد بصوت مختلف، أقل حدة، أكثر هدوءًا أنا ما كنتش شايف أو يمكن كنت شايف ومش فاهم.
نظر إلى ابنته.
ثم إلى ريم.
مش جاي أبرر جاي أطلب فرصة أفهم.
ريم نظرت إليه طويلًا.
لم تعد ترى الرجل الذي كان يضحك على حسابها.
بل ترى إنسانًا بدأ يدرك متأخرًا ما كان يفعله.
لكن الإدراك وحده لم يكن كافيًا ليعيد الزمن.
قالت بهدوء مش هقدر أرجع لنفس المكان يا خالد.
سكتت لحظة.
ثم أضافت بس ممكن نبدأ من مكان جديد
لو كان فيه احترام حقيقي مش ضحك على حد.
خالد أومأ بصمت.
لم يعترض.
لأنه فهم أخيرًا أن الصوت المرتفع ليس قوة وأن الضحك أحيانًا يكون سلاحًا.
بعد أشهر
لم تعد ريم كما كانت.
لم تعد تبتسم لتُرضي أحدًا.
ولم تعد تضحك وهي منكسرة.
عادت للعمل جزئيًا، بدأت ترتب حياتها من جديد، وتتعلم أن تقول لا دون خوف.
أما دانة، فكانت تكبر بين بيتين، لكن دون أن تفقد أمها.
وفي كل مرة كانت تسأل سؤالًا صعبًا، كانت ريم تجيب بصدق لا بتهدئة.
وفي أحد الأيام، بينما كانت دانة تساعدها في ترتيب المطبخ، قالت الطفلة فجأة ماما إنتي مش ضعيفة زي ما كنتي فاكرة.
توقفت ريم.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة مختلفة تمامًا عن كل ابتسامات الماضي.
ابتسامة لا تخفي ألمًا ولا ترضي أحدًا.
بل تقول ببساطة
أنا اتأخرت أعرف ده بس أخيرًا عرفته.
وفي مكان بعيد، لم يعد خالد يكرر المزاح نفسه أمام أحد.
لأنه فهم متأخرًا أن بعض الكلمات لو تكررت كثيرًا، تتحول من ضحك
إلى جرح.
وأن بعض النساء حين يصمتن طويلًا، لا يكنّ ضعيفات.
بل يكنّ في طريقهن للنجاة.

تم نسخ الرابط