جوزي كان بيديني مصروف شهري بقلم زيزي
حوالينه بإعجاب
كل ده عملتيه لوحدك؟
ابتسمت
لأ. مع ستات كتير محدش كان شايف تعبهم.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا خسرتك بسبب غروري.
ما رديتش.
كمل بصوت مكسور
فاكر يوم ما ادّيتك أول ظرف؟ كنت فاكر إني أذكى منك وإن شغل البيت حاجة سهلة.
بص في الأرض
بس أول ما مشيتي، عرفت إن البيت من غيرك مجرد حيطان.
الكلام زمان كان ممكن يخليني أضعف
لكن دلوقتي؟
كنت سامعاه بهدوء غريب.
طلع من جيبه ظرف صغير وحطه قدامي.
ابتسمت بسخرية
إيه ده؟ مرتب الخدامة؟
ضحك بحزن
لأ دي مفاتيح البيت. نقلت نصه باسمك.
بصيتله باستغراب.
قال
مش علشان ترجعي علشان ده حقك.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين خدت المفاتيح وقفلت الظرف.
وقفت وأنا ببصله بثبات
عارف يا كريم أكبر فرق بيني وبينك إنك كنت فاكر إن القيمة في الفلوس. وأنا اتعلمت إن القيمة الحقيقية في التقدير.
عينه لمعت بالدموع.
أما أنا
فمشيت ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على المكتب.
تحت، كان في عربيات الشركة راجعة من الشغل.
وستات بيضحكوا وهم نازلين حاملين أدوات التنضيف.
وقتها بس
حسيت بالفخر
مش علشان بقيت غنية.
ولا علشان كريم ندم.
لكن علشان الست اللي كانت بتنضف بيتها في صمت
قدرت أخيرًا تبني حياة كاملة بإيديها بعد سنتين، كنت واقفة على مسرح كبير في مؤتمر عن المشروعات الصغيرة، والناس بتسقفلي بحرارة بعد ما خلصت كلمتي.
المذيعة ابتسمت وقالت
آخر سؤال لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتغيري إيه؟
بصيت للحضور ثواني
وبعدين قلت بهدوء
ولا حاجة.
القاعة سكتت.
ابتسمت وكملت
زمان كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لست إنها تتعب ومحدش يقدّرها. بس اكتشفت إن أسوأ حاجة فعلًا إنها تصدق إنها بلا قيمة.
التصفيق علا أكتر.
وفي الصفوف الأخيرة، لمحته.
كريم.
كان واقف بعيد، لابس بدلة بسيطة، وبيبصلي بنفس النظرة اللي شفتها يوم جه المكتب أول مرة
ندم ممزوج بفخر.
ولأول مرة، ماحسّتش لا بغضب ولا حزن.
بس سلام.
بعد المؤتمر، وأنا خارجة، بنت صغيرة جريت عليّا ماسكة ورقة وقالت بخجل
ممكن توقعيلي؟
ضحكت وأنا باخد الورقة.
سألتها
اسمك إيه؟
قالت بفخر
سارة.
وقبل ما تمشي، قالت الجملة اللي خلتني أدمع
ماما بتشتغل في شركتكم
حضنت الورقة لصدري للحظة
وساعتها بس فهمت إن الرحلة كلها ماكانتش علشان أنتصر على كريم.
ولا علشان أثبت حاجة لحد.
كانت علشان أرجّع قيمة ستات كتير اتقالهم طول عمرهم إن تعبهم عادي.
خرجت برا القاعة، والشمس كانت بتغيب بهدوء.
ركبت عربيتي، وقبل ما أدور المحرك، بصيت لانعكاسي في المراية.
ماعدتش الست المرهقة اللي بتستخبى ورا التعب والصمت.
بقيت واحدة عرفت قيمتها
ولما عرفتها، الدنيا كلها اتغيرت.
ودورت العربية ومشيت
المرة دي،
مش بهرب من حياة تعبتني
لكن رايحة لحياة أنا اللي بنيتها بإيديا بعد ما ركبت العربية ومشيت، كان في سكون غريب جوايا مش فراغ، لكن هدوء لأول مرة.
كل حاجة في حياتي كانت اتغيرت، بس اللحظة دي بالذات كانت النهاية الحقيقية لمرحلة قديمة جوايا.
مرّت كام سنة كمان.
شركة ست البيت كبرت لدرجة إنها بقت بتشتغل في محافظات تانية.
وبقى عندي فريق إدارة كامل، وأنا بس براجع القرارات الكبيرة.
وفي يوم عادي جدًا، وأنا في المكتب، السكرتيرة دخلت وقالت
في ست بره عايزة تقابل حضرتك
رفعت عيني باستغراب
مش عاملة معانا؟
قالت
لأ بتقول إنها جاية تشكرك.
دخلت الست.
كانت بسيطة، ملامحها متعبة شوية، لكن عينيها فيها حاجة شبه اللي كنت بشوفه زمان في المراية.
قعدت قدامي وقالت
أنا كنت شغالة عند ناس كتير وكل مرة كنت بحس إني مش مرئية.
سكتت شوية وكملت
بس لما اشتغلت عندكم، حسّيت إني بني آدم.
ابتسمت بهدوء
إنتِ بني آدم من قبل ما تيجي هنا.
الست دمعت.
وساعتها فهمت إن اللي اتبنى مش شركة بس
ده إحساس اتنقل من ست لست.
بعد ما مشيت، قعدت لوحدي في المكتب.
فتحت درج صغير كان فيه حاجة محتفظة بيها من زمان
ظرف قديم، لونه اصفر، مكتوب عليه بخط إيدي فلوس الخدامة.
ابتسمت وأنا بقفله تاني.
بس المرة دي ماحطيتوش تحت السرير
حطيته في إطار صغير على المكتب.
مش علشان أفتكر الألم
لكن علشان أفتكر البداية.
اللي علمتني إن أي حد اتقلل منه مرة
ممكن يبني حياته من جديد، ويخلّي قيمته أعلى من أي حد حاول يكسرها.
قفلت النور في المكتب، وطلعت برا.
والمدينة قدامي كانت شغالة زي قلبي بالظبط.
حياة
ولا بدأت بانتقام
لكن كملت بقوة واحدة بس
إنها ما تسمحش لأي حد تاني يقلل من قيمتها تاني.