في الليله الي ماتت فيها امي
في الليلة التي ماتت فيها أمي وجدتُ دفتر توفير مخبأً تحت فرشتها كان فيه 19 مليونًا و ألف دينار عراقي، رغم أنها كانت تعيش منذ سنوات على راتب تقاعدي بالكاد يكفي الدواء والرز والغاز. وفي اليوم التالي ذهبتُ إلى المصرف، طلبتُ كشف الحساب، وكاد قلبي يتوقف عندما رأيت تحويلات ثابتة بقيمة 400 ألف دينار عراقي كل شهر لمدة ثمانية عشر عامًا، كلها مرسلة من رجل لم أسمع باسمه يومًا حتى أخرج أبي صورة قديمة، ورأيتُ وجهي نفسه يحدق بي من تحت اسم عائلة أخرى.
كانت أمي خياطة في معمل نسيج قديم في بغداد. طردوها قبل سنوات. وراتبها التقاعدي لم يكن يكفي إلا للأدوية والفواتير وأبسط الطعام.
ومع ذلك، كان تحت فرشتها مال أكثر مما قد أراه طوال حياتي وأنا أعمل في محل شاي صغير داخل المنصور.
ظننت أن أبي سيشرح كل شيء.
لكنه فقط أشعل سيجارة، ونظر إليّ كأنه كبر عشر سنوات في ليلة واحدة، ثم قال
أمك جمعت هذا المال من أجلكِ. خذيه.
لم أصدقه.
ذهبت وحدي إلى المصرف.
الموظفة طبعت كشف الحساب، ودفعته تحت الزجاج، ومن أول سطر شعرتُ أن جسدي برد بالكامل.
كل شهر.
دون انقطاع.
أربعمئة ألف دينار عراقي.
لمدة ثمانية عشر عامًا.
منذ اليوم الذي وُلدت فيه.
اسم المُرسل
مازن السامرائي.
عدتُ إلى البيت ورميت الأوراق فوق الطاولة.
من هو مازن السامرائي؟
أبي، جاسم، بقي يحدق في الاسم كأنه يكرهه منذ سنوات قبل أن ينطقه.
ثم دخل
كان رجلًا ببدلة أنيقة.
هادئ الملامح.
ابتسامة واثقة.
وجه رجل أعمال لم يطلب الدين من أحد في حياته.
وكان يشبهني تمامًا.
ليس يشبهني.
بل نسخة مني.
ارتجفت يداي.
ماذا يعني هذا؟
جلس جاسم ببطء.
كانت عيناه حمراوين، لكنه لم يبكِ.
يعني أنني لستُ والدكِ الحقيقي.
شعرتُ وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
ثم أخبرني بما رفضت أمي أن تقوله طوال حياتها.
عندما كانت صغيرة، كانت تعمل في معمل نسيج.
مازن السامرائي جاء إلى المعمل في صفقة تخص الشركة.
متزوج.
ثري.
متعلم.
من ذلك النوع من الرجال الذين يبتسمون بهدوء ويدمرون حياة الناس دون أن يتغير شكل شعرهم.
أمي كانت أجمل فتاة في الوردية.
حملت مني.
ووعدها أن يخرجها من هناك، ويمنحها بيتًا واسماً ومستقبلًا.
لكن زوجته اكتشفت الأمر أولًا.
اسمها رباب الكيلاني.
بحسب كلام جاسم، جاءت تلك المرأة إلى المعمل مع عدة أشخاص، أمسكت أمي من شعرها أمام الجميع، وسحبتها على الأرض، ثم اشتكت عليها عند الإدارة وقالت إنها امرأة تلاحق الرجال المتزوجين.
وفي اليوم التالي طُردت أمي.
حامل.
بلا عمل.
والحي كله يهمس خلف ظهرها.
وهو؟ سألته ماذا فعل مازن السامرائي؟
ضحك جاسم ضحكة مُرة.
ركع أمام زوجته، وأقسم أنه لن يرى أمك مرة أخرى أبدًا.
أمامها.
وأمام البطن الذي كنتِ فيه.
لم أعرف ما الذي آلمني أكثر.
إهانة أمي
أم أن الرجل
إذن أنت كنت تعرف كل شيء.
نعم.
وكنت تعرف أمر المال أيضًا؟
منذ يوم ولادتكِ.
شرح لي أن مازن ظل يرسل تلك التحويلات طوال السنوات الماضية.
وأن أمي نادرًا ما كانت تلمس المال لنفسها.
كانت تستخدمه عندما أمرض، أو عند التسجيل في المدرسة، أو لشراء الزي والدواء.
أما الباقي فكانت تدخره.
تدخره كأنها تنتظر شيئًا.
ثم بدأت أحسب.
400 ألف دينار عراقي بالشهر.
12 شهرًا.
18 سنة.
أكثر من 86 مليون دينار عراقي.
لكن الموجود في الدفتر لم يكن سوى 19 مليونًا و ألف دينار عراقي.
أكثر من 60 مليونًا مفقودة.
رفعت رأسي نحوه.
أين الباقي؟
لم يجب.
عاد إلى الخزانة مرة أخرى.
وأخرج ظرفًا بنيًا بخط أمي المرتجف، ووضعه أمامي.
كان مكتوبًا عليه
إلى سارة. افتحيه وحدكِ.
في الداخل كانت هناك بطاقة تعريف.
الأستاذ رائد الوائلي شريك أول.
وخلف البطاقة، بخط يد أمي، ملاحظة واحدة
سارة ابحثي عنه. هو سيخبركِ الحقيقة كاملة. في هذه الحياة خذلتكِ كثيرًا، لكن كل ما فعلته كان من أجلكِ.
لم أنم تلك الليلة.
دخلت الغرفة التي عاشت فيها أمي ثمانية عشر عامًا، وبدأت أفتش كل شيء.
معاطفها المخيطة أكثر من مرة.
أحذيتها البالية.
الأدراج شبه الفارغة.
وفي الأسفل وجدت شيئًا جعلني أسوأ من دفتر التوفير نفسه
قصاصات جرائد عن مجموعة السامرائي.
كلها.
منذ سنوات.
أخبار قديمة.
مقابلات.
تقارير
مشاريع.
مستشفيات خاصة.
عقارات.
ديون.
تحركات مساهمين.
وكانت أمي قد خطّت تحت بعض الجمل بقلم أحمر.
وعلى الهامش كانت هناك ملاحظات.
دقيقة جدًا.
ذكية جدًا.
وقاسية جدًا على امرأة لم تكمل حتى الثانوية.
2018 نمو وهمي.
2020 ديون مخفية داخل شركات فرعية.
2023 الابن دخل الإدارة وأغرق ثلاثة مشاريع.
تجمدت في مكاني.
أمي لم تكن تدخر المال فقط.
كانت تراقب تلك العائلة.
فتحت هاتفي وبحثت عن مازن السامرائي.
ملياردير.
مالك مجموعة السامرائي.
شركات مقاولات.
استثمارات مالية.
مستشفيات خاصة.
ثروة بمليارات الدنانير العراقية.
ثم ظهرت الصورة العائلية.
مازن يحتضن زوجته المثالية، رباب، الغارقة بالمجوهرات.
وبجانبها ابنه المدلل
ليث السامرائي.
ستة وعشرون عامًا.
درس إدارة الأعمال في أمريكا.
مدير تنفيذي مساعد.
ساعة تساوي عمر بيت كامل في حي شعبي.
وابتسامة رجل لم يسمع كلمة لا في حياته.
أما أنا
فكنت في الثامنة عشرة.
أعمل بنظام المناوبات.
ويداي متشققتان من غسل الكاسات.
وأمي ميتة بعدما قضت نصف عمرها تراقب بصمت سقوط العائلة التي حطمت حياتها.
في صباح اليوم التالي ارتديت أفضل بلوزة اشترتها لي أمي في تنزيلات نهاية الموسم.
وقبل أن أخرج، أوقفني جاسم عند الباب.
أمك قالت لي شيئًا قبل أن تموت.
الجزء الثاني يبدأ مع الجملة التي همس بها جاسم عند الباب جاسم مسك دراعي قبل ما أفتح الباب وصوته كان مبحوح
أمك ما كانتش عايزاكي تنتقمي كانت عايزاكي تبقي أقوى منهم.
بصيتله وأنا حاسة إن قلبي حجر.
وأقوى منهم إزاي وأنا طول عمري