من سنة بالظبط بقلم نور محمد

لمحة نيوز

مين ياسر بالنسبة ليكي؟
وشها فقد آخر نقطة لون.
قعدت على الكرسي كأن رجليها شالت منها، وحطت إيديها المرتعشة على وشها.
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي
قربت منها بسرعة ردي عليا انتي كنتي مخبية إيه؟!
رفعت عينيها ليا وكانت مليانة خوف وحزن عمرهم سنين.
وقالت ياسر كان جوز أختي.
الدنيا سكتت حواليا.
أخت منى ماتت بعد الولادة بسبع شهور بسبب مرض نادر في القلب والطفلة اللي في المستشفى كانت بنتها، ليلى.
بعد وفاة أختها، ياسر فضل يربي بنته لوحده، لحد ما اكتشفوا إن ليلى عندها مرض خطير في نخاع العظم، ومحتاجة علاج مكلف جدًا برا مصر.
وقتها حصلت أزمتي أنا.
شركتي أعلنت إفلاسها، والدائنين هددوني بالسجن، وأنا كنت شبه منهار نفسيًا.
منى قالت وهي بتبكي ياسر باع كل اللي يملكه عشان ينقذك.
بصيتلها بعدم استيعاب.
كملت بس الفلوس ما كفتش فدخل في برنامج تبرع طبي لشركة أمريكية. كانوا بيدفعوا مبالغ ضخمة مقابل تجارب علاجية وسحب دم وخلايا بشكل مستمر.
قلبي قبض بقوة.
التجارب أثرت عليه جدًا وجسمه ضعف مع الوقت. وفي آخر سفرية ليه عمل حادثة.
حسيت إني اتخنقت.
يعني ياسر مات بسببي؟
منى هزت راسها بسرعة وهي بتعيط لا! متقولش كده هو اللي اختار. كان بيحبك زي أخوه.
طب وانتي؟
سكتت.
ثواني طويلة.
وبعدين قالت بعد ما مات الشركة عرضت تكمل العقد مع متبرع
من العيلة عشان علاج ليلى ما يقفش. وأنا وافقت.
صرخت فيها يعني كنتي بتموتي نفسك كل ليلة؟!
ردت بانهيار كنت بعمل كده عشان أوفي وعد قطعته لأختي ول ياسر.
وقتها بس لاحظت حاجة عمري ما انتبهتلها
إيد منى كانت بتترعش بشكل واضح، وأنفها بينزل منه خيط دم رفيع.
قمت ناحيتها مفزوع منى!
لكنها قبل ما ترد جسمها كله ارتخى فجأة، ووقعت على الأرض قدامي فاقدة الوعي. جريت عليها وأنا حاسس إن روحي بتتسحب مني.
منى! منى افتحي عينيكي!
وشها كان متجمد بشكل مرعب وبرودة إيديها خلت قلبي يقع. شلتها وجريت بيها على أقرب مستشفى، وطول الطريق كنت بكلمها وهي ساكتة تمامًا.
أول ما دخلنا الطوارئ، الدكاترة أخدوها بسرعة، ومنعوني أدخل.
الساعتين اللي بعدهم كانوا أسوأ من أي لحظة عشتها في حياتي.
كل ثانية كنت فاكر فيها نظراتها المتعبة، وافتكرت كل مرة زعقت فيها، وكل مرة شكيت فيها فيها ظلم.
وأخيرًا الدكتور خرج.
وشه ما كانش مطمن.
قال حضرتك جوزها؟
هزيت راسي بسرعة.
بصلي بحزن وقال المدام عندها أنيميا حادة جدًا، واستنزاف شديد في نخاع العظم وجسمها داخل على مرحلة خطر. لو كانت كملت بالشكل ده شهر كمان، كانت ممكن تموت.
رجلي ما عادوش شايليني.
قعدت على الكرسي وأنا حاسس إني اتحولت لأنقاض.
الدكتور سلمني ملف صغير كانوا لقوه في شنطتها.
قال كان لازم تشوف
ده.
فتحت الملف بإيد بترتعش
لقيت عقود التحويلات البنكية، وتقارير طبية باسم منى وصور لليلى الصغيرة وهي بتتعالج.
وفي آخر الملف، ظرف أبيض عليه اسمي.
فتحته.
وكانت جواه رسالة بخط منى.
أحمد
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى يا إما عرفت الحقيقة يا إما أنا فشلت أخبيها للأبد.
أنا عارفة إنك ممكن تكرهني لأني كذبت عليك، بس والله ما كان قصدي غير أحميك.
ياسر قبل ما يموت، وصاني عليك وعلى ليلى. قالي بالحرف أحمد لو وقع، هيضيع. ولو ليلى علاجها وقف، هتموت.
وأنا مقدرتش أسيب حد فيكم يقع.
أنت جوزي وسندي، وهو كان أخويا اللي الزمن ما جابش زيه.
بس الحقيقة اللي عمري ما قدرت أقولهالك إن الشركة دي مش مجرد تبرع دم.
هم كانوا بيجربوا علاج جديد، وكل يوم كنت بخاف ما أصحاش بعدها.
ولو حصلي حاجة متخليش ليلى لوحدها.
الورقة وقعت من إيدي وأنا بعيط لأول مرة من سنين.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
رقم غريب دولي.
رديت وأنا متوتر.
صوت راجل بيتكلم عربي مكسر قال أستاذ أحمد؟ إحنا من المؤسسة الطبية المسؤولة عن علاج الطفلة ليلى لازم حضرتك تيجي فورًا.
قلبي وقف.
ليه؟!
ثواني صمت بعدها قال الجملة اللي قلبت الدنيا فوق دماغي
في متبرع مجهول دفع كامل تكاليف علاج ليلى لكن في شرط واحد مكتوب في العقد.
اتنفست بصعوبة شرط إيه؟
الرجل رد بهدوء إن حضرتك ما تعرفش
اسم المتبرع الحقيقي إلا بعد مرور سنة كاملة.
سكت لحظة وكمل
لكن فيه حاجة أهم المتبرع ده ساب رسالة لحضرتك قبل ما يختفي. إيدي كانت بتترعش وأنا ماسك التليفون.
قولت بصوت مخنوق رسالة؟ من مين؟!
الراجل رد للأسف مقدرش أقول أي تفاصيل في المكالمة بس لازم تيجي بنفسك.
قفلت وأنا حاسس إن عقلي هيقف.
بصيت من خلال إزاز العناية المركزة منى نايمة وسط الأجهزة، وأنفاسها طالعة بالعافية.
وفي اللحظة دي، لأول مرة فهمت قد إيه كنت أعمى.
تاني يوم سافرت.
المؤسسة الطبية كانت في مبنى ضخم في دبي، وكل حاجة فيه باردة وهادية بشكل يخوف. استقبلتني موظفة وسلمتني ظرف أسود صغير.
قالت الرسالة دي اتسابت من أكتر من سنة والتعليمات كانت تتسلم لحضرتك لو الآنسة منى وصلت لمرحلة الخطر.
قلبي دق بعنف.
فتحت الظرف
ولقيت ورقة مكتوبة بخط أنا حافظه أكتر من خطي.
خط ياسر.
أحمد
لو الرسالة وصلتلك، يبقى منى عملت اللي كنت خايف تعمله وضحت بنفسها عشان الكل يعيش.
أنا عارفك. هتفضل تأكل نفسك بالذنب وتقول إني مت بسببك.
بس الحقيقة إني كنت ميت أصلًا من يوم ما عرفت إن بنتي ممكن تضيع مني.
الشركة عرضت عليا فلوس مقابل التجارب، وأنا وافقت بكامل إرادتي.
لكن قبل آخر جلسة اكتشفت حاجة خطيرة.
العلاج اللي كانوا بيجربوه كان بيدمر الأعضاء بالتدريج، وبعض المتبرعين ماتوا
بسببه. حاولت أفسخ العقد، لكنهم هددوني إن علاج ليلى كله هيتوقف.
وقتها منى عرفت.
وقفت القراءة
تم نسخ الرابط