لما قالي

لمحة نيوز

حتى اسم ياسر كان بيظهر في دماغي بنفس الوجع القديم. كان مجرد ذكرى بعيدة.
في صباح اليوم التالت، وأنا بعمل قهوتي، الباب خبط خبطتين خفاف. فتحت.
كان عم حسام.
قال وهو بيعدل طاقيته يا بنتي ياسر كان تحت إمبارح بالليل كمان. قعد كتير وبعدين مشي وهو ساكت خالص.
هزّيت راسي بهدوء تمام يا عم حسام متشكرة.
اتردد لحظة هو شكله مش متعود إن حد يقفل الباب كده في وشه.
ابتسمت ابتسامة بسيطة وأنا كمان كنت مش متعودة أقفل بابي بس اتعلمت.
قفل الباب ومشي.
رجعت جوه، وقعدت قدام الشباك. الشارع كان طبيعي، الناس رايحة جاية، الحياة مكملة كأن مفيش حاجة اتكسرت ولا اتصلحت.
لكن جوايا كان في إدراك جديد إن مفيش حاجة اسمها يرجع زي الأول. فيه بس بعد ما اتغيرنا.
بعد أسبوع تقريبًا، وصلتني رسالة على الإيميل.
مش رقم مجهول ولا محاولات لفّ ودوران.
كانت منه هو.
أنا مش جاي أطلب رجوع أنا بس فهمت متأخر إني كنت بعتبر وجودك شيء مضمون وإنتي ماكنتيش كده. أنا آسف مش عشان أرجعك، لكن عشان كنت فاكر إن المساحة معناها إنك تفضلي مستنية.
قفلت الإيميل.
من غير ما أرد.
مش قسوة بس نهاية دائرة.
بعدها بأيام، غيرت ترتيب الشقة. مش عشان أنسى لكن عشان أبدأ أعيش فيها لوحدي بجد.
حطيت
ستاير جديدة، غيرت مكان الكنبة، وعلّقت صور بسيطة على الحيط. ضحكتي في المراية كانت مختلفة أخف.
وفي ليلة هادية، وأنا قاعدة على الكنبة، بصيت حواليّا وقلت لنفسي بصوت مسموع
المساحة مش دايمًا وجع أحيانًا بتبقى نجاة.
وساعتها بس فهمت إن اللي راح ماكانش لازم يرجع عشان أنا أصلًا ماعدتش نفس الشخص اللي كان بيستناه بعد المقابلة دي، ياسر ماحاولش يرجع تاني.
لا رسايل لا اتصالات من أرقام غريبة لا وقفات تحت البيت.
كأنه أخيرًا فهم إن السكوت المرة دي مش لعبة، وإن الباب اللي اتقفل اتقفل فعلًا.
أما أنا، فالحياة بدأت ترجعلي حتت صغيرة مني كنت ناسياها.
رجعت أقرأ قبل النوم. رجعت أزور ماما من غير ما أبقى مستعجلة عشان هو مستنيني. رجعت أخرج مع صحابي من غير ما أحسب هزعل مين.
وفي يوم، وأنا برتب درج قديم، لقيت مفتاح صغير كان ياسر سايبه عندي من أول سنة خطوبة. فضلت أبصله ثواني.
زمان كنت هعتبره ذكرى. أو علامة. أو سبب أحتفظ بحاجة.
لكن المرة دي حسّيته مجرد مفتاح لباب مبقاش موجود.
نزلت تحت، واديته لعم حسام.
ضحك وقال أخيرًا خلصتي الحكاية دي يا بنتي؟
ابتسمت وأنا برد الحكاية خلصت من يوم ما بطلت أخاف أمشي.
طلعْت شقتي تاني، وفتحت الشباك. الهوا كان بارد
خفيف، وصوت المغرب جاي من بعيد.
بصيت للمكان حواليّا لنفس البيت اللي كنت بخاف أقعد فيه لوحدي.
ودلوقتي؟ كان أول مكان أحس فيه بالأمان من سنين.
مسكت كوب القهوة، وقعدت على الكنبة الجديدة، وفي اللحظة دي تحديدًا رن موبايلي.
رسالة من صاحبتي سارة
إحنا نازلين الساحل أسبوع، جاية معانا ولا هتختفي كالعادة؟
بصيت للرسالة ولأول مرة من سنين، ما احتجتش أستأذن حد ولا أخاف من رد فعل حد.
ابتسمت، وكتبت فورًا
مستنياكم تحت كمان نص ساعة.
قفلت الموبايل، وخدت نفس عميق.
يمكن النهاية الحقيقية ماكنتش إن ياسر خرج من حياتي يمكن النهاية الحقيقية كانت اللحظة اللي رجعت فيها لنفسي لما قالي محتاج مساحة شيلته من حياتي بالكامل!
أنا محتاج شوية مساحة ماتتواصليش معايا لفترة.
كانت دي رسالة ياسر.
سلاحه المفضل. كل مرة يحب يعاقبني عشان وقفت قدامه، أو عشان يقضي كام يوم براحتُه مع صحابه، كان يختفي بالشكل ده.
لسنتين كاملين، كنت بقع في نفس الفخ أعيط، أعتذر على حاجات ماعملتهاش، وأفضل مستنية مكالمته كأني مستنية عفو.
لكن المرة دي حاجة جوايا اتغيرت.
القلق ماجاش.
بداله جه هدوء بارد وغريب.
بصيت لشاشة الموبايل، وكتبت أربع كلمات بس
خد كل الوقت اللي إنت محتاجه.
وبعت الرسالة.

بعدها بدأت أتحرك.
ماعيطتش ولا دمعة.
طلعت ٣ كراتين كبار من المخزن، ودخلت أوضة النوم اللي كنا بنشاركها في شقتي.
بدأت أشيل ياسر من حياتي قطعة قطعة.
جزمه الغالية، بدلته المتكوية، جهاز الألعاب، وحتى منتجات العناية اللي كان بيهتم بيها أكتر من أي حاجة كله اتحط في الكراتين خلال ساعتين.
ماكنتش بطلع غلي فيه
كنت بعمل ده بلا أي إحساس.
لا كره ولا حب ولا حتى زعل.
مجرد لا مبالاة كاملة.
قفلت الكراتين ونزلتهم للمخزن بمساعدة عم حسام البواب.
بعدها فتحت موبايلي، عملتله بلوك من كل مكان رقم، سوشيال ميديا، كل حاجة.
وبهدوء غيرت حالتي إلى
Single.
عدى خمس أيام
خمس أيام من راحة ماحسّتش بيها من سنين.
نمت أحسن، رجعت أستمتع بقهوة الصبح من غير شكواه الدائمة، ورجعت أكلم صحابي اللي كان بيبعدني عنهم واحدة واحدة.
في مساء اليوم الخامس، الإنتركم رن.
كان عم حسام من تحت.
يا نورا، ياسر تحت. بيقول إنه بيحاول يكلمك بقاله أيام عشان يقولك إنه جاهز يتكلم، بس تليفونه مش بيوصل. وعايز يطلعلك.
رديت بهدوء
طلّعه يا عم حسام.
بعد دقائق، خبطه المألوف هزّ باب الشقة.
فتحت الباب
كان واقف قدامي، بيعدل الجاكيت الجلد بتاعه، وعلى وشه نفس الابتسامة المتعالية بتاعة واحد
فاكر إنه لسه ماسك كل الكروت.
قال وهو داخل بثقة
هاي أعتقد إنك اتعلمتي الدرس،

تم نسخ الرابط