رجعت بدري

لمحة نيوز

"لو مش عايزة جوزك يعرف إنك ست فاشلة حتى في حملها… يبقى تكملي شغل وسكات."

قالتها هناء وهي بتسحب رجلها من بين إيدين ليلى، وبصت لها باحتقار خلّى دمي يغلي.

ليلى نزلت عينيها بسرعة، ومسحت دموعها بطرف الإسدال وهي بتهمس: — حاضر…

في اللحظة دي، حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت.

أنا اللي جبت الست دي. أنا اللي سلمتها بيتي… ومراتي… وراحتي النفسية كمان.

بس الأسوأ؟ إن ليلى لما رفعت عينيها وشافتني واقف عند باب الصالة… ماجريتش عليا. ماصرختش. ما اشتكتش.

اتجمدت.

وشها شحب كأنها شافت مصيبة أكبر من اللي كانت عايشاها.

وهناء؟ قامت بهدوء غريب جداً… ولا كأنها اتقفشت.

— أستاذ سليم… حضرتك جيت بدري.

قالتها وهي بتعدل هدومها، بمنتهى الثبات.

أنا ما رديتش. كنت ببص على ليلى.

ركبها كانت محمرة من القعدة على الأرض. إيديها متورمة. وشها مرهق بطريقة عمري ماخدت بالي منها.

إزاي؟ إزاي كنت بشوفها كل يوم ومش واخد بالي إنها بتدبل بالشكل ده؟

قربت منها بسرعة ونزلت لمستواها. — ليلى… إيه ده؟

لكنها بعدت إيدي عنها بخوف.

خوف. منّي أنا.

وده كان أبشع إحساس ممكن راجل يحسه.

هناء اتدخلت بسرعة: — أصل المدام حساسة شوية في الحمل… وبتحب تساعدني بنفسها عشان تحس إنها لسه قادرة تعمل حاجة.

بصيت لها بحدة لأول مرة. ولأول مرة لاحظت حاجة غريبة.

ريحة البيت.

مافيش أكل. مافيش دفا. مافيش روح.

البيت كان نضيف بزيادة… بارد بزيادة… ساكت بشكل مرعب.

وبعدين سمعت صوت واطي طالع من أوضة النوم.

"بيب… بيب…"

التفت تلقائي.

هناء

اتحركت بسرعة تعترضني: — دي أجهزة البخار بتاعة المدام.

لكن ليلى فجأة صرخت: — لا!

صرختها طلعت مذعورة لدرجة إنها خلتني أتجمد.

كانت أول مرة تعارض هناء.

بصت ليلى ناحية الأوضة… ثم ليا… وشفايفها بتترعش: — ماتدخلش…

قلبي وقع.

في ثانية واحدة، ألف احتمال ضرب دماغي.

فيه إيه جوه الأوضة يخلي مراتي تخاف بالشكل ده؟

لكن قبل ما حد ينطق، سمعنا صوت خبط ضعيف… جاي من الداخل.

خبط إنسان.

مرة… واتنين…

وبعدين صوت راجل مبحوح بيقول: — حد… الحقني…

والدنيا كلها حواليا اسودّت.اتجمدت مكاني.

الصوت كان حقيقي. مش تهيؤ. مش تلفزيون مفتوح.

راجل… جوه أوضة نومي.

هناء وشها اتبدل لأول مرة. الهدوء اللي كانت متغلفة بيه اتكسر، ولمحت في عينيها خوف خاطف.

لكن ليلى؟ كانت بترتعش بالكامل.

مسكت دراعي بقوة وهي تهمس: — بالله عليك… ماتدخلش دلوقتي…

بصيت لها مصدوم. — في راجل جوه أوضتنا يا ليلى!

دموعها نزلت فوراً. — الموضوع مش زي ما إنت فاهم… أرجوك…

الخبط اتكرر تاني. أقوى المرة دي.

— افتحوا… بالله عليكم…

دفعت هناء من طريقي بعنف لأول مرة في حياتي. دخلت الممر بسرعة، وقلبي بيدق بشكل هستيري.

ولما فتحت باب الأوضة…

وقفت مكاني كأن حد ضربني في صدري.

راجل كبير في السن كان مربوط على كرسي متحرك جنب السرير. دقنه طويلة ومهملة… هدومه قديمة… وأنبوبة أكسجين جنب الكرسي.

وعينيه… كانت مليانة رعب وذل.

بص لي أول ما شافني، ودموعه نزلت: — أخيراً… حد شافني…

لفّيت ناحيتهم بصدمة: — مين ده؟!

ليلى انهارت على الأرض وهي بتعيط.

لكن هناء اتكلمت بسرعة: — ده… أبوها.

حسيت الدنيا بتلف.

ليلى يتيمة الأب. أو ده اللي كانت بتقوله من يوم عرفتها.

بصيت لها بذهول: — أبوكي؟!

هزت رأسها وسط شهقاتها: — كنت فاكرة إنه مات من سنين…

الراجل رفع إيده المرتعشة ناحيتها: — غصب عني يا بنتي… غصب عني…

وبدأ يحكي.

قبل جوازنا بثمان شهور، هناء ظهرت فجأة في حياة ليلى. قالت إنها قريبة بعيدة… وإن أبوها الحقيقي عايش في دار رعاية تعبان ومش قادر يتحرك.

ليلى وقتها سافرت تشوفه. واكتشفت الحقيقة.

أبوها كان عايش طول السنين دي… لكن هناء كانت واخدة كل ورثه ومستولية على أملاكه بعد ما زورّت أوراق وهو مريض.

ولما عرف إن ليلى موجودة، حاول يكتب كل حاجة باسمها.

ساعتها هناء بدأت تهددهم.

قالت لو حد اتكلم… هتلفق قضية لأبوها… وتقول إن ليلى بتعذبه عشان الفلوس.

ومع حملي… بقيت أضعف. خايفة على البيبي… وخايفة عليك. قالتها ليلى وهي بتبكي بانهيار.

كنت سامع… بس عقلي مش مستوعب.

كل الإهانات اللي شفتها… الخوف… الذل…

ماكنوش بسبب خيانة.

كانوا بسبب ابتزاز.

بصيت لهناء. ولأول مرة القناع وقع تماماً.

صرخت: — أيوه! عملت كده! لأنكم كلكم ضعاف! وهو كان هيحرمني من كل حاجة عشاني تعبت معاه سنين!

لكن قبل ما تكمل، صوت أبو ليلى طلع ضعيف: — التسجيل…

كلنا بصينا له.

رفع صباعه ناحية الدولاب بصعوبة. جريت فتحته.

وفي آخر درج… لقيت موبايل قديم شغال على تسجيل.

فتحت الفيديو.

ووشي اتجمد.

هناء كانت متصورة بالصوت والصورة… وهي بتهدد ليلى. وبتعترف بتزوير التوكيلات.

وكمان…

وهي بتحاول تخنق الراجل العجوز بالمخدة عشان يمضي على ورق جديد.

في اللحظة دي، سمعنا صوت باب الشقة بيتقفل بعنف.

هناء كانت بتهرب.

لكن المرة دي… ماكانش عندها أي مكان تروحله.جريت ناحية الباب بسرعة، لكن قبل ما أوصل، سمعت صوت الأسانسير بيتقفل.

هناء هربت.

وقفت في نص الصالة وأنا بنهج، والغضب بيغلي جوايا بشكل عمري ما حسيت بيه قبل كده.

لكن صوت ليلى رجعني: — سليم…

بصيت لها. كانت ماسكة بطنها ووشها شاحب جداً.

جريت عليها فوراً. — مالك؟!

همست وهي بتحاول تاخد نفسها: — بطني… الوجع زاد…

أبوها بدأ يصرخ من الكرسي: — البنت هتولد!

الدنيا اتشقلبت في ثانية.

شلت ليلى بين إيديا، وهي بتتأوه من الألم، ونزلت بيها جري. طول الطريق للمستشفى كانت ماسكة في قميصي بقوة وخايفة بشكل غريب.

مش من الولادة.

من هناء.

كل شوية كانت تبص وراها في هلع كأنها متوقعة تظهر فجأة.

ولما وصلنا المستشفى والدكاترة دخلوها الطوارئ، قعدت برا وأنا حاسس بالعجز لأول مرة.

أبوها كان ساكت. مكسور.

وفجأة قال: — هناء مش هتسكت يا ابني…

بصيت له. — قصدك إيه؟

بلع ريقه بصعوبة. — هي مش لوحدها.

قلبي دق بعنف.

— يعني إيه؟

سكت ثواني… وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقي:

— الورق اللي معاها… فيه ناس كبار مستفيدين منه. ولو التسجيلات دي خرجت… ناس هتخسر ملايين.

في اللحظة دي، موبايلي رن.

رقم غريب.

رديت بسرعة وأنا متوتر: — ألو؟

ثواني صمت… وبعدين صوت ست.

هادئ بشكل مرعب.

— لو عايز ابنك يشوف النور… ارجع البيت

فوراً وسيب الموبايل اللي لقيته.

اتجمدت.

الصوت كمل: — وإلا المرة الجاية مش هنبعت تحذير.

وقفل الخط.

في نفس اللحظة بالظبط، باب أوضة العمليات اتفتح بعنف.

ودكتور خرج وهو بيبص حواليه بتوتر: — مين جوز المدام ليلى؟!

قمت بسرعة: — أنا!

تم نسخ الرابط