رجعت بدري
الدكتور قرب مني، وصوته كان منخفض لكنه مرعوب: — مراتك اختفت من أوضة التحضير… والممرضات بيقولوا إن ست منقبة خدتها على كرسي متحرك من خمس دقايق!حسيت رجلي مش شيلاني.
— إزاي يعني اختفت؟! دي كانت داخلة تولد!
الدكتور كان متوتر: — إحنا افتكرنا الست المنقبة تبعكم… دخلت بثقة ومعاها تصريح زيارة مزور واضح إنه متجهز من بدري.
أبو ليلى ضرب الأرض بعصاه وهو بيصرخ: — هناء!
جريت في طرقة المستشفى كالمجنون. كل الممرضات وشوشهم متلخبطة، والناس بتبصلي بخوف.
طلعت كاميرات الاستقبال بسرعة. واللي شوفته خلّى قلبي يقع.
ليلى كانت شبه فاقدة الوعي على الكرسي… والست المنقبة بتزقها ناحية باب الطوارئ الخلفي.
لكن قبل ما يختفوا من الكاميرا… الست رفعت وش النقاب ثانية واحدة.
هناء.
ركبت عربيتي وطلعت أجري زي المجنون. كل تفكيري كان في حاجة واحدة: ليلى والبيبي.
وفجأة… جالي إشعار على الموبايل.
فيديو جديد اتبعت من رقم مجهول.
فتحته وإيدي بتترعش.
ليلى كانت متربطة على سرير معدن قديم. واضح إنه مخزن أو مصنع مهجور.
وكانت بتبكي وهي ماسكة بطنها.
وهناء واقفة جنبها، وفي إيديها حقنة.
وقالت وهي بتبص للكاميرا: — معاك ساعة واحدة تجيب التسجيلات والورق… وإلا هتختار تنقذ مراتك أو ابنك.
الفيديو اتقفل.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة بعنوان لمكان.
مصنع نسيج قديم على أطراف المدينة.
أبو ليلى كان بيترعش وهو بيقول: — ماتروحش لوحدك… الناس دي خطر.
لكن كنت خلاص خرجت.
وصلت المصنع بعد نص ساعة. المكان مهجور… ضلمة… وريحة زيت وصدى.
دخلت بحذر وأنا سامع صوت مية بتنقط
وفجأة…
سمعت صرخة ليلى.
جريت ناحية الصوت لحد ما وصلت قاعة كبيرة فيها ماكينات نسيج قديمة متغطية تراب.
وهناك شفتها.
ليلى مربوطة على كرسي. وشها شاحب جداً. والدم نازل على رجلها.
قربت أجري عليها، لكن صوت طقطقة وقفني.
"كليك."
بصيت تحت رجلي.
قنبلة.
وجهاز أحمر عدّاده شغال.
00:09:58
وصوت هناء طلع من سماعات المكان: — كنت عارفة إنك هتيجي… عشان كده حبيت أخليك تختار بنفسك.
الأضواء اشتغلت فجأة.
ولقيت هناء واقفة فوق السلم الحديدي… وفي إيديها ريموت.
وبابتسامة باردة قالت: — لو اتحركت خطوة غلط… المصنع كله هيتحول لمقبرة.العداد كان بينزل بسرعة.
09:12
09:11
09:10
عرق ساقط من جبيني… وليلى بتعيط وهي بتحاول تفك نفسها.
صرخت: — سليم… امشي! الحق نفسك!
لكن عيني كانت على الدم اللي نازل من رجلها. وعلى بطنها اللي كانت بتتحرك بخوف.
هناء واقفة فوق، مبتسمة كأنها أخيراً سيطرت على كل حاجة.
— التسجيلات فين؟!
رفعت الموبايل ببطء. — هنا.
عينيها لمعت بجنون. — ارميه.
بصيت حوالي بسرعة. الماكينات القديمة… المواسير… وأسلاك الكهرباء المتدلية من السقف.
وفجأة افتكرت حاجة.
المصنع ده كان بتاع أبو ليلى زمان. وهو مرة حكى إن نظام الكهرباء الرئيسي فيه قديم جداً… وأي حمل زيادة يفصل الدائرة كلها تلقائي.
بهدوء، قربت ناحية لوحة كهربا صدية جنب الحيطة.
هناء صرخت: — ماتتحركش!
لكن في نفس اللحظة، رميت الموبايل بعيد ناحيتها.
بعفوية، عينيها راحت للموبايل.
وكنت مستني اللحظة دي.
ضربت لوحة الكهرباء بكل قوتي بعمود حديد.
شرارة ضخمة انفجرت…
صوت هناء تعالى بالصريخ. والعداد اختفى.
استغليت اللحظة وجريت ناحية ليلى. وقعت على الأرض عند القنبلة وأنا بحاول أفكها بسرعة.
إيديا كانت بتترعش. لكن أخيراً الحبل اتفك.
شلت ليلى بين إيديا، وبدأنا نجري وسط الضلمة.
وفجأة…
طلقة نار دوّت في المصنع.
ليلى صرخت.
قلبي وقف.
لكنها كانت سليمة.
بصيت ورايا… لقيت هناء واقعة فوق السلم الحديدي.
الطلقة خرجت بالغلط أثناء خناقها مع واحد من الرجالة اللي كانوا معاها بعد ما اتخانقوا على التسجيلات والهروب.
السلم انهار تحتهم.
وفي ثانية، النار مسكت في الأسلاك القديمة والزيت اللي على الأرض.
المصنع كله بدأ يولع.
خرجت بي ليلى بالعافية قبل الانفجار بلحظات.
وبمجرد ما وصلنا برا…
انفجار ضخم هز المكان كله.
النار طلعت للسما.
وكل الأسرار… والتهديدات… والكوابيس… انتهت جوا المصنع ده.
بعدها بأيام، الشرطة قبضت على باقي العصابة بعد التسجيلات اللي كانت مترفعة تلقائيًا على إيميل آمن جهزه أبو ليلى قبل شهور.
أما هناء… ملقوش ليها أثر كامل وسط الحريق.
وفي ليلة هادية بعد شهور طويلة من الرعب… كنت قاعد جنب سرير ليلى في المستشفى، شايل طفلنا لأول مرة.
ولد صغير… ملامحه هادية بشكل غريب.
ليلى بصتلي وابتسمت بتعب: — تعرف؟ أكتر حاجة كانت مخوفاني… إني أخسرك قبل ما تعرف الحقيقة.
مسكت إيدها وبوستها بهدوء. — وإنتِ أكتر حاجة ندمت عليها… إني سيبتك لوحدك كل الوقت ده.
برا الأوضة كانت الدنيا لسه زحمة وصعبة.
لكن جوا… ولأول مرة من شهور، كان في أمان.بعد الحريق بأسبوعين،
الشرطة قفلت القضية رسميًا بعد القبض على كل اللي اشتركوا مع هناء في التزوير والابتزاز، والتسجيلات كشفت شبكة كاملة كانت بتستغل كبار السن وتسرق أملاكهم.
أما ليلى… فكانت لسه بتقوم مفزوعة أحيانًا من النوم، تبص حوالَيها بخوف، وكأن هناء ممكن تظهر من أي ركن.
وفي ليلة متأخرة، وأنا بهز ابننا عشان ينام، لقيت ليلى واقفة عند باب الأوضة تبصلي بعين مليانة دموع.
— مالك؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: — أول مرة أحس إن البيت بيت.
قربت منها وأنا شايل الطفل. حطيته بينا، فمسكت صباعه الصغير وضحكت لأول مرة من قلبها من شهور.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بيوم.
أبو ليلى طلب يشوفنا.
روحنا له، وكان شكله أهدى بكتير. ناولني ملف قديم وقال: — ده حق بنتي… وحق حفيدي.
فتحت الملف، واتصدمت.
المصنع القديم ماكنش مجرد مصنع. كان عليه أرض ضخمة واتحول مشروع استثماري كبير، وكل أملاك هناء المزورة رجعت قانونيًا باسم ليلى.
ليلى بصت للورق ثم قالت بهدوء: — مش عايزة حاجة من ده.
أبوها استغرب: — دي حقوقك.
هزت رأسها وابتسمت لابننا: — حقي الحقيقي اهو.
ساعتها فهمت حاجة مهمة… إن أكتر حاجة كانت هناء بتحاول تسرقها ماكنتش الفلوس.
كانت السلام.
مرت سنة.
وفي يوم، كنت راجع البيت بدري تاني. لكن المرة دي، ماكنش في خوف.
فتحت الباب، فسمعت ضحك طفل صغير بيجري في الصالة.
ولقيت ليلى قاعدة على الأرض، وابننا فوق رجلها، وهي بتعلمه يمشي.
رفعت عينيها ناحيتي أول ما دخلت، وابتسمت نفس الابتسامة اللي وقعتني فيها أول مرة.
البيت كان دافي.
قربت منها، فمد ابننا إيده الصغيرة ناحيتي وهو بيضحك.
شيلته وبصيت لليلى: — تعرفي… أنا اليوم ده جيت بدري عشان أفاجئك.
ضحكت وهي تسند رأسها على كتفي: — وأخيرًا… المفاجأة بقت حلوة.