سلفي
الناس كلها في الحارة كانت تقول إن كريم ورحيم نسخة واحدة من بعض نفس الملامح، نفس الضحكة، حتى أمهم ساعات كانت تغلط بينهم وهم صغيرين.
لكن اللي يعرفهم بجد، يعرف إن الفرق بينهم كبير أوي.
أنا اسمي سماح. يتيمة من وأنا عندي ١٦ سنة، عايشة لوحدي في شقة صغيرة ورثتها عن أبويا. كنت بخاف من الدنيا ومن كلام الناس، وعشان كده كنت دايمًا بحاول أعيش في هدوء.
كريم ورحيم كانوا جيرانا من زمان.
كريم كان مهندس محترم، هادي ومؤدب، الكل يحلف بأخلاقه.
أما رحيم فكان العكس تمامًا. عصبي، متهور، وكل يوم خناقة شكل.
من أول ما كبرنا، وأنا ملاحظة نظرات رحيم ليا. كانت نظرات تخوف، مش مريحة أبدًا.
وفي يوم وقفني وأنا راجعة من السوق وقال بثقة أنا ناوي أتجوزك يا سماح.
رديت بسرعة الجواز قسمة ونصيب يا رحيم.
ابتسم ابتسامة غريبة وقال وأنا لما بحط حاجة في دماغي بوصلها.
من بعدها بدأت أتجنبه.
ولما جه البيت يطلب إيدي رسمي، رفضت بهدوء.
مكنتش شايفة نفسي مع واحد كل الناس بتخاف منه.
يومها خرج من عندي وهو ساكت بس قبل ما ينزل من على السلم بصلي وقال هتندمي إنك رفضتيني.
الكلمة خوفتني، لكن حاولت أنساها.
بعدها بفترة، كريم اتقدملي.
فرق السما من الأرض بينه وبين أخوه. معاه حسيت بالأمان لأول مرة من سنين.
وافقت فورًا.
بدأت أيام الخطوبة،
كريم كان حنين بطريقة تخليني أحمد ربنا كل ليلة.
لكن الحاجة الوحيدة اللي كانت مقلقاني إن رحيم بقى هادي زيادة عن اللزوم.
لا خناق، لا مشاكل، لا حتى كلام سخيف.
كأنه مستني حاجة.
وفي مرة وأنا طالعة السلم، لقيته واقف لوحده بيبصلي.
قال بابتسامة باردة عارفة يا سماح؟ أصعب حاجة إن الناس تفتكر إن الشكل هو كل حاجة.
الكلام عدى وقتها لكن فضّل معلق في دماغي.
وجِه يوم الفرح.
الشارع كله كان منور، والزغاريد مالية المكان.
الغريبة إن رحيم أصر يلبس بدلة شبه بدلة كريم بالظبط.
الناس كانت تضحك وتتلخبط بينهم، وهو مبسوط جدًا بالموضوع.
حتى واحدة من قرايبهم قالت والنبي لو النور قطع محدش هيعرف مين العريس!
الجملة عدّت وسط الضحك لكن قلبي اتقبض بدون سبب.
بعد الفرح، طلعت أنا وكريم الشقة.
كنت مرهقة جدًا، فقعدت أفك الطرحة والدبابيس.
وفجأة كريم قال هروح أجيب الدوا لماما من تحت وراجع فورًا.
هزّيت راسي وأنا مبتسمة متتأخرش.
خرج، وقفلت الباب وراه.
عدّت أقل من دقيقتين وسمعت صوت المفتاح في الباب.
ابتسمت وقلت رجعت بسرعة!
دخل فعلًا نفس البدلة، نفس الطول، نفس كل حاجة.
لكن أول ما بصلي قلبي وقع.
في حاجة غلط.
كان واقف ساكت، بيبصلي بطريقة غريبة.
قرب خطوة فشميت ريحة سجاير قوية.
كريم عمره ما دخن.
اتجمدت مكاني.
قلت بتوتر كريم؟
سكت ثانية ثم ابتسم ابتسامة بطيئة وقال لا ركزي كويس.
وفي اللحظة دي النور قطع فجأة.
صرخت بخضة، لكنه بسرعة قال اهدي الكهرباء فصلت.
لكن صوته ماكانش صوت كريم.
رجعت لورا وأنا قلبي بيدق بجنون إنت مين؟!
وفجأة نور الموبايل اشتغل من عند باب الشقة.
وكان كريم الحقيقي واقف هناك ماسك أكياس الدوا ومصدوم.
بص للي واقف قدامي وصرخ رحيم!!!
في ثانية، رحيم جري ناحية الباب يحاول يهرب.
لكن كريم مسكه، واتخانقوا خناقة عنيفة في الصالة.
وأنا واقفة أترعش، مستوعبتش غير إن رحيم كان داخل يستهبل علينا ويخوفني مستغل الشبه بينهم بعد ما الكهرباء قطعت في البيت كله.
الناس طلعت على الصوت، وأبوهم نزل يجري.
وأول مرة أشوف رحيم مكسور بالشكل ده.
أبوهم ضربه بالقلم قدام الكل وقال إنت اتجننت؟! دا بيت أخوك!
رحيم بصلي بنظرة كلها غضب ووجع، وقال أنا بس كنت عايزها تعرف إنها عمرها ما هتنساني.
ومن يومها أبوه طرده من البيت كله.
أما أنا، فحضنت كريم وقتها وأنا بعيط، وعرفت إن ربنا نجاني من مصيبة كبيرة وإن الإنسان مش بشكله، الإنسان بقلبه وأفعاله البيت كله اتقلب بعد اللي حصل.
الناس في الحارة فضلت تحكي أيام عن اللي عمله رحيم، وأبوه فعلاً طرده من البيت.
أما أنا فكنت كل ما أبص لكريم أحمد ربنا إنه جه
لكن الغريب إن كريم بعد الليلة دي اتغيّر شوية.
بقى ساكت زيادة.
يسرح كتير.
يقوم من النوم مفزوع كأنه شايف كوابيس.
وفي مرة سألته مالك يا كريم؟ من يوم الفرح وإنت مش طبيعي.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال مفيش يا سماح بس في حاجات قديمة كنت فاكرها ماتت.
الكلام خوّفني.
خصوصًا إن رحيم اختفى تمامًا.
لا حد شافه، ولا حد سمع عنه، كأنه اتبخر.
عدّى شهر كامل.
وفي ليلة شتا، كنت قاعدة أنا وكريم بنتعشى، وفجأة سمعنا خبط على الباب.
الساعة كانت داخلة على ٢ بعد نص الليل.
بصيت لكريم بخضة مين ييجي دلوقتي؟
كريم قام ببطء، وأول ما قرب من الباب وشه اصفر.
كان في ورقة متزحلقة من تحت الباب.
فتحها بإيده المرتعشة، وسكت.
قلت بقلق مكتوب فيها إيه؟
خبّاها بسرعة وقال ولا حاجة عيل بيهزر.
لكن أول ما دخل الحمام، فضولي قتلني.
شدّيت الورقة من فوق الترابيزة.
وكان مكتوب بخط أحمر
فاكر السر اللي دفناه سوا تحت المخزن؟
لو سماح عرفت الحقيقة هتكرهك العمر كله.
إيدي تلجت.
أول مرة أحس إن في حاجة مستخبية عني.
ولما كريم خرج من الحمام ولقاني ماسكة الورقة اتسمر مكانه.
قلت بصوت مهزوز إيه السر ده يا كريم؟
فضل ساكت ثواني طويلة لدرجة إني سمعت صوت المطر برا أوضح من نفسه.
وبعدين قال جملة خلت قلبي يقع
رحيم مرجعش عشان ينتقم منك
رحيم رجع عشان ينتقم مني أنا بصيت له وأنا مش فاهمة.
يعني إيه؟ إنت مخبي عني إيه يا