سلفي

لمحة نيوز

كريم؟
قعد على الكرسي كأنه شايل جبل فوق كتفه، ومرر إيده في شعره بتوتر.
قبل ما أكون مهندس محترم زي ما الناس شايفاني كنت شاب متهور. أنا ورحيم كنا قريبين جدًا، لدرجة إننا كنا بنعمل كل حاجة سوا.
سكت لحظة، ثم كمل بصوت واطي وفي ليلة من سبع سنين حصلت مصيبة.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مصيبة إيه؟
بص ناحية الشباك، كأنه خايف حتى الحيطان تسمعه كان في مخزن قديم آخر الشارع الناس كانت بتقول إنه مسكون، لكنه كان مجرد مكان بنستخبى فيه وإحنا صغيرين. ليلةها رحيم دخل هناك مع شوية شباب شمال، وكانوا متخانقين مع واحد اسمه جابر.
الاسم كان معروف في المنطقة بلطجي قديم اختفى فجأة من سنين.
كريم بلع ريقه وقال الخناقة كبرت، وجابر طلع مطوة. رحيم اتجنن وضربه بطوبة على دماغه الراجل وقع ومقامش.
شهقت وأنا حاطة إيدي على بقي مات؟!
هز راسه ببطء.
رحيم وقتها كان هيتعدم. وأنا أنا ساعدته.
ساعدته إزاي؟
رد بصوت كله ندم دفناه تحت أرضية المخزن.
الدنيا لفت بيا.
فضلت أبص له وأنا حاسة إني مش عارفة الشخص اللي قدامي.
يعني طول السنين دي وإنتوا مخبيين جثة؟!
قال بسرعة مكنش قدامنا حل! كنا صغيرين وخايفين وبعدها رحيم بدأ يتغير للأسوأ، وأنا حاولت أبعد عنه وأبدأ حياة جديدة.
وفجأة سمعنا صوت خبطة قوية على الشباك.
اتفزعنا الاتنين.
لفّ كريم
بسرعة، وأنا قلبي كان هيقف.
ولقينا حجر ملفوف بورقة مرمي جوه الصالة.
كريم فتح الورقة بإيد مرتعشة.
كان مكتوب فيها
الشرطة عرفت مكان المخزن.
لو عايز تنقذ نفسك تعالى لوحدك قبل الفجر.
تحت الرسالة كان في توقيع واحد
رحيم.
رفعت عيني لكريم، لقيت العرق مغرق وشه.
قلت بخوف إنت مش هتروح صح؟
لكنه بصلي نظرة عمري ما هنساها.
نظرة واحد عارف إن الماضي أخيرًا رجع ياخد تمنه فضل كريم واقف ماسك الورقة، وعينيه تايهة كأنه رجع سبع سنين لورا.
قلت بسرعة أكيد بيكدب عليك عايز يخوفك وبس!
لكن كريم هز راسه ببطء لا رحيم عمره ما يهزر في الموضوع ده.
لبس الجاكيت بسرعة، وأنا مسكت إيده متسبنيش وتمشي دلوقتي!
بصلي بحزن وقال لازم أعرف هو عايز إيه لو فعلًا الشرطة وصلت للمخزن، حياتنا انتهت.
الكلمة وقعت عليا زي الحجر.
قبل ما يخرج، فتح الدرج وطلع مفتاح صغير قديم، حطه في جيبه بسرعة.
سألته مفتاح إيه ده؟
اتردد ثواني ثم قال مفتاح المخزن.
وخرج.
وقفت في البلكونة أراقبه وهو نازل الشارع تحت المطر.
الساعة كانت قرب الفجر، والشارع فاضي بشكل يخوف.
عدت عشر دقايق نص ساعة ساعة كاملة.
وكريم ما رجعش.
قلبي كان هينفجر من الرعب.
وفجأة سمعت صوت عربية شرطة وقفت آخر الشارع.
الناس بدأت تفتح الشبابيك، وأنا جريت نزلت السلم وأنا حافية.
وصلت عند
المخزن القديم ولقيت الدنيا متجمعة هناك.
شرطة وضباط والناس بتهمس.
شقّيت وسط الزحمة وأنا بصرخ كريم! كريم!
لكن اللي شوفته خلاني أتجمد.
المخزن كان مفتوح والأرض متحفرة.
بس مفيش جثة.
الضابط كان واقف متعصب وبيزعق إحنا جايين على بلاغ بوجود دفن غير قانوني، والحفر طلع فاضي!
بصيت حواليّا بجنون فين كريم؟!
وفجأة سمعت صوت جاي من ورايا بتدوري على جوزك؟
لفيت بسرعة.
كان رحيم.
واقف تحت عامود النور، هدومه مبلولة من المطر، وبيبتسم ابتسامة مرعبة.
جريت عليه كريم فين؟!
قال بهدوء غريب متخافيش أخويا لسه عايش.
صرخت فيه إنت عايز مننا إيه؟!
قرب مني خطوة وقال عايز الحقيقة تظهر.
حقيقة إيه؟!
سكت لحظة وبعدين قال أخطر جملة سمعتها في حياتي
جابر مدفونش تحت المخزن أصلًا
كريم هو اللي نقل الجثة من سنتين لوحده، من غير ما يقولي حسيت الأرض بتميد بيا.
بصيت لرحيم بعدم تصديق إنت بتكدب كريم مستحيل يعمل كده لوحده!
رحيم ضحك بمرارة إنتي لسه متعرفيش جوزك كويس يا سماح.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت عربية جاية بسرعة.
وقفَت قدام المخزن مباشرة، ونزل منها كريم.
كان وشه شاحب، هدومه كلها تراب، وكأنه كان بيحفر بإيده.
أول ما شاف رحيم، عينيه ولعت غضب إنت مالكش دعوة بيها!
رحيم رد بعصبية قولها الحقيقة بقى! قولها جثة جابر فين!
الناس بدأت
تتلم حوالينا، والشرطة قربت.
كريم بصلي وكانت أول مرة أشوفه مكسور بالشكل ده.
قال بصوت متقطع أنا نقلت الجثة فعلًا من سنتين.
شهقت وأنا حاطة إيدي على بقي.
كمل بسرعة رحيم كان وقتها بقى مجرم حقيقي، وكل يوم يعمل مصيبة. خفت يبتزني طول العمر، وخفت الحقيقة تضيعنا كلنا فنقلت الجثة من المخزن ودفنتها في مكان محدش يعرفه.
الضابط قرب منه وقال بحزم والمكان ده فين؟
سكت كريم ثواني وبعدين رفع عينه وقال هقولكم. بس رحيم ملوش ذنب في أي حاجة حصل بعد الليلة دي.
رحيم اتصدم إنت بتعمل إيه؟!
كريم بصله لأول مرة بحنية أخ بخلصك من الذنب اللي عايش بيه من سبع سنين.
واتضح بعدها إن جابر أصلًا كان مطلوب في قضايا كتير، وإن اللي حصل زمان كان دفاع عن النفس بعد ما حاول يقتل رحيم بالمطوة.
التحقيقات استمرت شهور وفي النهاية المحكمة خففت الحكم جدًا بسبب مرور السنين، ولأن الواقعة بدأت بخناقة ودفاع عن النفس، وكريم اعترف بكل حاجة بنفسه.
أما رحيم فكان أكتر واحد اتغير.
بطل خناقات، وبطل شرب، وحتى بقى يشتغل مع جمعية خيرية في المنطقة.
وفي أول يوم رجع فيه كريم البيت بعد انتهاء أزمته، لقيت رحيم واقف على الباب.
بص لأخوه بعين مليانة ندم وقال إنت طول عمرك بتحاول تنقذني وأنا كنت بغرقك معايا.
كريم حضنه وقتها، وقال إحنا إخوات يا
رحيم.
وأنا واقفة أبص لهم، فهمت أخيرًا إن السر الحقيقي مكانش الجثة
السر الحقيقي إن الإنسان
تم نسخ الرابط