جوزي وقف في نص المطبخ
كنتِ شايفة كل ده ومسكوتة؟
بصيتله شوية
وقولت
كنت فاكرة إن اللي بيتعمل بحب بيتقدّر.
بس واضح إن السكوت الطويل بيخلي الناس تفتكر إن تعبك واجب.
قعد على الكنبة وسند وشه بإيده.
ولأول مرة من سنين
شريف ماكنش متعصب.
كان مكسور.
وبعدين قال الجملة اللي عمري ما توقعتها
أنا فعلًا ظلمتك.
قلبي ما رقّش بسرعة زي كل مرة.
لأن الاعتذار المرادي جه بعد ما الكرامة اتدعكت سنين.
قرب مني وقال
نبدأ من جديد؟
بصيت ناحية المطبخ ناحية التلاجة اللي كلها لزق بمبي
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
ممكن
بس المرة دي، اللي هيطبخ المحشي يوم السبت إنت شريف بصلي كأني طلبت منه يبني كوبري فوق النيل بإيده.
أنا؟! أطبخ؟!
شربت شوية مية بمنتهى الهدوء
آه. أصل الاستقلال المادي بييجي مع استقلال منزلي برضه.
فضل ساكت شوية وبعدين قال باستسلام
طب والمحشي بيتعمل إزاي أصلًا؟
ولأول مرة من سنين، ضحكت من قلبي.
الأسبوع اللي بعده كان غريب جدًا علينا إحنا الاتنين.
شريف بقى يصحى بدري يحاول يعمل لنفسه فطار، ويكتشف إن العيش مش بيتحمص لوحده، وإن المواعين فعلًا مش بتختفي بالسحر من الحوض.
أول يوم دخل المطبخ يعمل مكرونة حرق الحلة.
تاني يوم حاول يعمل شاي نسي السكر وحط ملح.
تالت يوم، لقيته واقف قدام الغسالة فاتح فيديو على يوتيوب بعنوان
إزاي تشغل الغسالة الأوتوماتيك بدون كوارث.
وأنا؟
ماكنتش بشمت فيه.
كنت سايباه يشوف الحياة اللي كنت شايلها لوحدي.
التحول الحقيقي بدأ يوم رجعت من الشغل مرهقة جدًا، ولقيت البيت هادي.
ريحة أكل طالعة من المطبخ.
دخلت بحذر
لقيت شريف
بصلي بتوتر وقال
متضحكيش أنا حاولت أعمل بانيه.
بصيت على المطبخ
كان كأنه انفجار كيميائي.
لكن الأكل كان متاكل منه.
عملته وجربته؟ سألته.
هز راسه بفخر طفولي
آه واتسممت مرتين بس.
ضحكت غصب عني.
ولأول مرة من زمان حسيت إننا بنتكلم كبني آدمين، مش موظف وموظفة في شركة اسمها الجواز.
يوم السبت اللي بعده، حماتي اتصلت بدري.
ها يا مروة الغدا إيه النهارده؟
بصيت لشريفشريف خطف الموبايل من إيدي بسرعة وقال وهو بيحاول يبان واثق
أيوه يا أمي وبصراحة الموضوع طلع متعب شوية.
الحاجة عايدة سكتت لحظة وبعدها قالت بنبرة استنكار
متعب إيه بس؟ ده شوية طبيخ!
شريف بصلي وبعدين بص للبصل اللي في إيده، وإيده فعلًا كانت محمرة من التقطيع.
وقال لأول مرة في حياته الجملة اللي عمري ما تخيلت أسمعها منه
لا يا أمي مش شوية طبيخ.
أنا اتسمرت مكاني.
كمل وهو بيتنهد
البيت ده كان ماشي بمجهود مروة وأنا كنت متعود وبس.
الخط سكت.
حتى الحاجة عايدة نفسها واضح إنها اټصدمت.
وبعدين قالت بصوت أوطى شوية
يعني إنت شايف إن مراتك كانت شايلة فوق طاقتها؟
رد من غير ما يبصلي
جدًا.
قلبي دق جامد.
مش عشان الكلام
عشان دي أول مرة أحس إنه فهم فعلًا.
بعد المكالمة، فضل واقف شوية متوتر، وبعدين قال
أنا كنت فاكر إني طالما بنزل الشغل يبقى بعمل اللي عليا.
ماكنتش واخد بالي إنك شغالة زيي ويمكن أكتر.
قعدت على الكرسي وبصيتله بهدوء
المشكلة عمرها ما كانت في الفلوس يا شريف.
المشكلة إنك كنت شايف تعبي طبيعي.
حق مكتسب.
هز راسه
وفجأة راح ناحية التلاجة وبدأ يشيل اللزق البمبي واحدة واحدة.
جبنة مروة.
لبن مروة.
فراخ مروة.
وبعدين بصلي وقال بابتسامة صغيرة
ممكن نرجع نبقى حاجتنا بدل حاجتي وحاجتك؟
سكت شوية
وبصراحة، جزء مني كان لسه زعلان.
بس جزء تاني كان شايف إنه بيتغير فعلًا.
فقومت بهدوء، وروحت ناحية درج المطبخ، وطلعت ورقة جديدة.
كتبت عليها بقلم عريض
المطبخ مسؤولية مشتركة.
ولزقتها على التلاجة.
شريف قرأها وضحك.
وفي اللحظة دي جرس الباب رن.
فتحنا لقينا حسام واقف، شايل كيسين كبار.
جيبت اللحمة والخضار والحلو قولت أشارك بدل ما نيجي ناكل وخلاص.
أنا وشريف بصينا لبعض بدهشة.
ومن وراه طلعت مرات حسام وهي ماسكة صينية كنافة.
حتى الحاجة عايدة دخلت متكسفة شوية، وفي إيدها طبق محشي صغير.
مدتهولي وهي بتقول بخفوت
عملته بإيدي أصل طلع فعلًا متعب.
أخدت الطبق وأنا مش عارفة أضحك ولا أعيط.
يمكن الناس فعلًا مبتحسش بتعب غيرها
غير لما تضطر تعيشه بنفسها قعدنا كلنا على السفرة لأول مرة من سنين من غير توتر، ولا أوامر، ولا إحساس إني الخدامة الرسمية للبيت.
الغريب إن الأكل كان أقل من المعتاد بكتير.
مافيش بطتين ومحشي لخمسين فرد وصواني حلويات تكفي فرح.
بس كان أخف على قلبي.
الحاجة عايدة كانت ساكتة أغلب الوقت، وكل شوية تبصلي وبعدين تبص لابنها اللي داخل خارج من المطبخ يشيل أطباق أو يجيب عصير.
وفي نص الأكل فجأة قالت
هو إنت فعلًا كنت بتعملي كل ده كل أسبوع لوحدك؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة
أيوه يا حاجة.
بصت لشريف وقالت بنوع من الندم
وأنا كنت فاكرة إنك
شريف ضحك ضحكة صغيرة مرّة
لا يا أمي أنا كنت شايل الريموت بس.
الكل ضحك حتى أنا.
لكن بعدها حصلت حاجة ماكنتش متوقعاها.
الحاجة عايدة حطت الشوكة من إيدها وقالت بهدوء غريب عليها
أنا ظلمتك يا مروة.
السفرة كلها سكتت.
هي نفسها شكلها كان مستغرب إنها قالتها.
كملت وهي بتتنهد
اتعودنا زمان إن الست تشيل وتسكت فالواحد بقى بيعتبر ده الطبيعي.
ولما الست تتعب أو تشتكي نحس إنها مقصرة.
حسيت الكلام طالع بصعوبة من قلبها.
وأنا رغم كل اللي جوايا حسيت بشوية راحة.
مش عشان الاعتذار مثالي.
لكن عشان أخيرًا حد شافني.
وفجأة ابن حسام الصغير رفع إيده وقال ببراءة
يعني طنط مروة مش الشغالة؟
حسام شرق في العصير، ومراته ضربته في دراعه بخضة.
أما الحاجة عايدة فبصت للولد وقالت بسرعة
لا يا حبيبي
دي أهم واحدة في البيت.
الجملة دي بالذات
كان نفسي أسمعها من سنين.
بعد العشا، الكل قام يساعد يشيل السفرة بشكل تلقائي.
حسام بيشيل الأطباق.
مراته بتلم الكوبايات.
شريف بيغسل المواعين وهو بيتخانق مع الصابون.
وأنا؟
كنت واقفة في نص المطبخ أراقب المشهد وحاسة بحاجة غريبة.
مش انتصار.
راحة.
الراحة اللي بتيجي لما تبطلي تشيلي الدنيا كلها لوحدك.
وفي آخر الليلة، بعد ما الكل مشي، شريف جه قعد جنبي في البلكونة.
ناولني كوباية شاي معمول بإيده وكان السكر زيادة جدًا.
شربت منه وسكت.
قال بتوتر
وحش؟
بصيتله وضحكت
كارثة.
ضحك هو كمان.
وبعدين سألني بهدوء
ليه ما اتكلمتيش من زمان؟
بصيت للسما شوية وقلت
أصل الستات ساعات بتفتكر إن الحب يعني تتحمل
لحد ما فجأة تكتشف إنها اختفت من نفسها.
مسك إيدي وسكت.
ولأول مرة من سنين طويلة
حسيت إن البيت ده بقى فيه شريكين فعلًا
مش واحدة بتدي، وواحد متعود ياخد.