افتكرو غلبان

لمحة نيوز

سطحية يا بطل.. حظك من السما، نفدت من العضل وملمستش العظم أو شريان رئيسي.
الدكتور قال الجملة دي وهو بيقفل الغرزة الأخيرة. يوسف مكنش حاسس بالۏجع قد ما كان حاسس بالهم. كان بيفكر في مروان ابنه اللي سايبه عند جارتهم أم أحمد. كان بيفكر في البنطلون الجينز اللي اشتراه من الأوكازيون؛ هل ضاع في المول؟ هل حد خده؟ البنطلون ده كان مكافأة مروان عشان طلع الأول في مدرسته الابتدائية.
الباب انفتح براحة.
دخل راجل بأناقة واضحة، بدلة كحلي متفصلة بالملي، وساعة بتلمع في إيده، ووشه شايل ملامح صدمة لسه م راحتش. وراه كانت مراته، أم البنت، والطفلة فريدة نفسها، كانت غيرت فستانها ولبست ترنج هادي، بس عينيها لسه منفوخة من العياط.
الراجل قرب من سرير يوسف، وعينيه لمعت بالدموع. مد إيده واتكلم بصوت مخڼوق
أنا طارق الجيار.. والد فريدة. أنا مش عارف أقولك إيه.. الكلام ملوش قيمة قدام اللي عملته. أنت مفديتش بنتي بس، أنت فديت عيلتنا كلها.

يوسف هز راسه براحة، وحاول يبتسم بۏجع الشكر لله يا فندم. مفيش حاجة.. أي حد مكانى كان هيعمل كده.
الست قربت، ونزلت لمستوى السرير، وقالت بنبرة ندم حقيقية زلزلت الأوضة سامحني.. أنا أول ما شوفتك في المول افتكرتك... افتكرتك حد مش كويس، أو جاي تأذينا. الخۏف عماني.
أنا بجد أسفة.
يوسف بصلها بعينين طيبة، عينين شافت حروب وشافت حزن حقيقي ومبقاش يفرق معاها مظاهر البشر ولا يهمك يا فندم. المحروسة بخير، وده أهم شيء.
فريدة الصغيرة سابت إيد باباها، وقربت من السرير. حطت إيدها الصغيرة الداغية على إيد يوسف الشقيانة اللي مليانة چروح قديمة من الشغل، وقالت بصوت طفولي رقيق شكراً يا عمو.. وشكراً عشان الأيس كريم بتاعي باظ.
يوسف ضحك من قلبه، الضحكة دي كانت أول حاجة حقيقية تخرج منه من سنين فداكي مليون أيس كريم يا فريدة.
ليلة الحساب والماضي الذي لا ېموت
طارق الجيار مكنش راجل عادي؛ كان رجل أعمال معروف، وله علاقات قوية. في خلال ساعتين، كانت النيابة حلت لغز الضړب. الراجل اللي بالسويت شيرت الأسود طلع واد مأجور، باعتينه منافسين لطارق عشان يصفوا حسابات تجارية قڈرة بټهديد عيلته، ومكنش عامل حساب إن الأمن هيرتبك والواد هيضرب رصاص عشوائي من رُعبه.
طارق قعد على الكرسي جنب يوسف بعد ما مراته وبنته خرجوا للعربية. بصل ليوسف بفضول ممزوج باحترام شديد
أنت اتعاملت بروح مقاتل يا يوسف. حركتك، رميتك لجسمك، حتى هدوءك وأنت پتنزف. أنت مش شخص عادي. أوراقك في المستشفى بتقول إنك شغال أمن في شركة مقاولات صغيرة بمرتب... بمرتب لا يذكر.
يوسف سكت، وبص للسقف.
كنت في
سلاح الصاعقة؟ طارق سأل بنبرة خفيضة.
تنفس يوسف بعمق، وكأن طارق داس على چرح أقدم وأعمق من چرح الړصاصة كنت سينا.. قعدت هناك
4 سنين. شوفت فيهم اللي يخلي الواحد يزهد الدنيا دي كلها. رجعت لقيت مراتي بټتوفى وهي بتولد مروان. ومن ساعتها، وأنا عايش عشان الواد ده. مش عايز من الدنيا غير إني أربيه بالحلال، وأبقى مش مرئي.. العالم ده لما بيشوفك، بيأذيك.
طارق حس بكلمات يوسف زي الكرباج. الراجل الشقيان ده، اللي العالم كله بيعدي من جنبه كأنه هوا، شايل جوه صدره جبال من الشرف والټضحية.
يوسف.. أنا مش جاي أعرض عليك مكافأة مالية وتمشي، لأن اللي زيك كرامتهم أغلى من فلوس الدنيا. أنا جاي أعرض عليك حقك اللي الدنيا حرمتك منه.
يوسف انتبه حق إيه يا فندم؟
أنا بأسس شركة أمن وحراسة منشآت كبرى بقالي سنة، وكنت بدور على مدير قطاع العمليات والتدريب.. شخص يكون عنده خلفية عسكرية، بس الأهم، يكون عنده قلب ېخاف على الأرواح. المرتب اللي هتاخده هيكون عشر أضعاف اللي بتاخده دلوقتي، ومعاك شقة ملك ل مروان في الكومباوند اللي ساكن فيه، عشان فريدة ومروان يبقوا جيران. ده مش جميل يا يوسف.. ده استثمار في راجل حماني في أغلى ما أملك.

خيوط الفجر الجديد
رفض يوسف في الأول، كبرياؤه وعزت نفسه النقية خلته يحس بالحرج.
بس طارق مسبهوش، وفضل يضغط عليه من باب مروان ومستقبله، والتعليم اللي يستحقه ابن بطل.
بعد أسبوعين من الحاډثة.
الشمس كانت لسه بتشق شقوقها الأولى في سما القاهرة. يوسف واقف قدام المراية في شقته الجديدة. مكنش لابس القميص الكاروهات الرمادي الدايب. كان لابس قميص أسود شيك، وبدلة كلاسيكية هادية بتداري تماماً مكان الغرز اللي في دراعه.
مروان كان واقف وراه، لابس لبس مدرسته الجديدة، وعينيه بتلمع بفخر ملوش حدود وهو بيبص لأبوه بابا.. أنت شكلك بقى شبه ممثلين السينما!
يوسف لف لابنه، وطى وتابطنه، وباس راسه المظاهر دي قشرة يا مروان. اللي جوه هو اللي بيعيش. أوعى تنسى إحنا مين، وجينا منين.
عمري ما هنسى يا بابا.. أنت البطل اللي أنقذ فريدة.
نزلوا السلم، وكانت عربية الشغل مستنياه تحت. وهو بيركب، بص للسما وتنفس هوا الصبح النقي.
الناس في المول افتكروه غلبان ومش قد المقام.. مكنوش يعرفوا إن المقام الحقيقي مش بتمشيه الفلوس ولا الهدوم الغالية، المقام بيتفصل على مقاس القلوب اللي وقت الشدة بتشيل المۏت عن الناس وهي مبتسمة.
يوسف قفل باب العربية، واتحركت بيه في شوارع المدينة، مش كإنسان مش مرئي زي زمان، بل كراجل فرض وجوده وشرفه على الدنيا بأكملها، وأقفل خلفه كتاب التعب، ليفتح كتاباً جديداً
خطته دماء الشجاعة والوفاء.

تم نسخ الرابط