سلفتي تفضل تقارن
مالك.
لكن النصيب راح لغيرها.
واتجوزت أنا.
ومن يومها وهي بتحاول تثبت لنفسها... وليا... إنها كانت الأفضل.
مش لأنها عايزاه.
لكن لأنها مش قادرة تتجاوز فكرة إنها ما كانتش الاختيار الأخير.
ولما خرجنا من عند حماتي...
لقيت دعاء واقفة لوحدها في البلكونة.
بصيتلي وقالت لأول مرة من غير غرور
عمرك حسيتِ إنك خسرتي حاجة قبل ما تكون ملكك أصلًا؟
سكتُّ.
وقالت وهي بتبتسم ابتسامة حزينة
أنا فضلت سنين بحاربك... وإنتِ أصلًا ما كنتيش عدوتي.
ولأول مرة...
شفت دعاء الحقيقية.
مش دعاء اللي بتقارن.
ولا دعاء اللي بتحب تلفت الانتباه.
لكن دعاء اللي كانت عالقة في حكاية قديمة جدًا... ومش عارفة تخرج منها.
لكن وأنا ماشية ناحية الباب... سمعتها تقول جملة خلتني ألفّ بسرعة
بس الغريب... إن في حد تاني في البيت ده كان عارف الحقيقة من أول يوم.
رفعت عيني لها وقلبي انقبض.
وسألتها
تقصدي مين؟
دعاء بصت ناحية أوضة حماتي...
وقالت بهدوء
اسألي حماتك عن سبب رفض الجوازة زمان... وهتعرفي إن اللي حصل وقتها مش زي ما الكل فاكر.
ثم سابتني ومشيت...
وسابت وراها سؤال واحد قلب الدنيا كلها من جديد...!
يتبع...دعاء كانت ماسكة الموبايل بإيد بتترعش.
وأنا قربت منها بسرعة.
الصورة كانت قديمة فعلًا.
جودتها ضعيفة، وكأنها متصورة بموبايل من زمان.
لكن اللي فيها كان غريب.
حماتي واقفة في الصورة...
وأبو مالك واقف جنبها...
وفي الخلفية دعاء وأهلها.
واضح إنها كانت ليلة من ليالي الاتفاقات القديمة.
بصيت للصورة أكتر.
في البداية ما فهمتش إيه المهم فيها.
لكن دعاء كبرت الصورة فجأة.
وأشارت على ركن صغير بعيد.
وقالت
شوفي ده.
دققت النظر.
كان
وشه مش واضح.
لكن كان ماسك ظرف أبيض كبير.
سألتها
مين ده؟
هزت رأسها.
معرفش.
وفجأة وصلتهم رسالة ثانية من نفس الرقم.
دوروا على اللي كان واقف ورا الكاميرا... مش اللي في الصورة.
أنا ودعاء بصينا لبعض.
الجو بقى أغرب من أي وقت.
مين الرقم ده؟
ومين الشخص اللي بعت الصورة؟
وليه بعد 12 سنة بالذات؟
دعاء اتصلت بالرقم.
مغلق.
بعتت رسالة.
مفيش رد.
وفي نفس الليلة ماحدش عرف ينام.
تاني يوم الصبح، أبو مالك عرف بالموضوع.
أخذ الموبايل وقعد يتأمل الصورة فترة طويلة.
وفجأة قال
أنا فاكر الليلة دي.
كلنا بصينا له.
قال
وكان فيه شخص فعلًا بيصور طول الوقت.
مين؟
مصور من طرف قاعة المناسبات.
دعاء شهقت.
وقالت
يعني ممكن يكون عنده صور تانية؟
أبو مالك هز رأسه.
لو لسه محتفظ بالأرشيف.
وبدأوا يدوروا.
بعد ساعات من الاتصالات والسؤال...
وصلوا للمصور.
رجل كبير في السن دلوقتي.
ولما سمع التاريخ والمناسبة قال
استنوا... يمكن لسه عندي الهاردات القديمة.
مرت أيام.
كل يوم التوتر يزيد.
لحد ما جه الاتصال المنتظر.
المصور قال
لقيت الأرشيف.
وراحوا كلهم عنده.
فتح الملفات القديمة.
مئات الصور.
كل صورة تحكي لحظة من الليلة دي.
وهم يقلبوا...
وفجأة ظهرت صورة خلت الجميع يسكت.
صورة لحماتي.
كانت واقفة مع والد دعاء الله يرحمه.
وبيتكلموا بعيد عن الناس.
لا يوجد شيء غريب.
لكن الصورة التالية كانت الأهم.
ورقة في يد والد دعاء.
وحماتي بتقرأها.
ثم صورة بعدها مباشرة...
ملامح حماتي متغيرة تمامًا.
كأنها صُدمت من شيء.
الصمت ملأ المكان.
أبو مالك سأل أمه
إيه الورقة دي؟
حماتي شحبت.
ولأول مرة من سنين ما عرفتش ترد بسرعة.
قالت بصوت منخفض
دي كانت وصية.
كلنا اتفاجئنا.
وصية إيه؟
قالت
وصية قديمة تخص أرض وميراث بين العيلتين.
واتضح أن سبب توقف الجوازة وقتها لم يكن رفض دعاء ولا رفض أبو مالك وحده.
بل لأن أهل الكبار خافوا أن يتحول الزواج إلى سبب لمشاكل ميراث ونزاعات عائلية.
فقرروا إغلاق الموضوع بالكامل.
لكن حفاظًا على العلاقات...
كل طرف سمع رواية مختلفة.
دعاء قيل لها إنها رفضت.
وأبو مالك قيل له إن الموضوع لم يكتمل لأسباب أخرى.
ومرت السنوات...
وكل واحد بنى قصة مختلفة في عقله.
دعاء ظنت أنها لم تكن الاختيار الأول.
وأنتِ ظننتِ أن هناك مقارنة متعمدة.
بينما الحقيقة كانت أبسط وأعقد في نفس الوقت.
سوء فهم كبير عاش سنوات طويلة.
وفي طريق العودة...
نظرت دعاء من نافذة السيارة وقالت
تخيلي... كل السنين دي وأنا بحارب شبح مش موجود أصلًا.
وأبو مالك قال بهدوء
وأهم حاجة إننا عرفنا الحقيقة.
لكن بينما كانوا يعتقدون أن اللغز انتهى...
رن هاتف المصور مرة أخرى.
نظر للشاشة ثم نادى عليهم قبل أن يغادروا.
استنوا...
رجعوا له.
أعطاهم فلاشة صغيرة.
وقال
وأنا بدور على الصور... لقيت ملف فيديو قصير جدًا من نفس الليلة.
ماحدش كان شافه قبل كده.
نظروا لبعضهم بدهشة.
لأن الفيديو كان آخر شيء متبقٍ من تلك الليلة...
وقد يحتوي على تفصيلة لم يعرفها أحد طوال 12 سنة كاملة.
يتبع... رجعنا البيت والفلاشة في إيد أبو مالك.
الغريب إن محدش كان متحمس يفتحها قد ما كان خايف.
بعد كل اللي عرفناه، حسينا إن أي مفاجأة جديدة ممكن تقلب الدنيا تاني.
في المساء اجتمعنا كلنا عند حماتي.
أبو مالك وصل الفلاشة بالتلفزيون.
وظهر الفيديو.
كان قصير فعلًا.
دقيقة
المصور كان بيجرب الكاميرا قبل بداية المناسبة.
الناس ماشية وتتكلم بشكل عادي.
ولا حاجة مهمة.
لكن في آخر ثواني من الفيديو...
ظهر صوت واضح.
صوت حماتي.
كانت واقفة مع والد دعاء الله يرحمه.
وقالت له
أهم حاجة الأولاد ما يعرفوش تفاصيل الخلافات دي... ذنبهم إيه يشيلوا هموم الكبار؟
ورد والد دعاء
معاكي حق... وربنا يكتب لكل واحد فيهم الخير اللي فيه نصيبه.
سكت الجميع.
ثم انتهى الفيديو.
بس كده.
لا أسرار مدفونة.
لا مؤامرات.
لا خيانة.
ولا أي شيء من كل التخيلات اللي اتبنت على مدار السنين.
مجرد قرار أخذه الكبار في وقت صعب، وحاولوا يحموا به أولادهم.
لكن لأن الحقيقة ما اتقالتش كاملة...
كل واحد ملأ الفراغات بتفسير من عنده.
دعاء فضلت سنين مقتنعة إنها كانت أقل مني.
وأنا فضلت سنين مقتنعة إنها بتحاول تنافسني.
وأبو مالك ما كانش فاهم أصل المشكلة أصلًا.
بعد انتهاء الفيديو، ساد صمت طويل.
ثم دعاء قامت من مكانها.
وبصت ناحيتي.
وقالت
أنا مدينة لك باعتذار كبير.
قلت لها
وأنا كمان ظلمتك في حاجات كتير.
ابتسمت لأول مرة من غير تكلف.
ابتسامة هادئة وصادقة.
وقالت
يمكن لو كنا اتكلمنا من زمان، كنا وفرنا على نفسنا سنين من الزعل.
ومن يومها بدأت العلاقة تتغير فعلًا.
مش بقينا أصحاب مقربين فجأة.
لكن بقى فيه احترام وحدود واضحة.
واختفت المقارنات.
واختفت الأسئلة من نوع مين أجمل؟ مين أصغر؟ مين أحسن؟
لأن كل واحد أخيرًا فهم حاجة مهمة
الجمال مش منافسة. والحياة مش مسابقة. والنصيب لما بيتكتب لحد، مش بيكون مسروق من حد تاني.
أما دعاء...
فبعد شهور طويلة من الصلح، فاجأتنا كلنا في جلسة عائلية.
ضحكت وقالت
تصدقوا؟
وقتها بصيت لها وابتسمت.
وحسيت إن القصة اللي بدأت بالغيرة والمقارنات...
انتهت أخيرًا بالشيء اللي كان ناقص من البداية كلها
راحة البال.
تمت.