ابني تعب بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

ببطء
مش هينفع أنا كنت تعبان من زمان، وهو بس خلاني أرتاح.
الظل اللي جنبه بدأ يتحرك ناحية الباب.
وقتها حسيت إن في حاجة بتشدني من صدري كأنها عايزة تدخل جوايا أنا كمان.
رجعت لورا وأنا بتعثر.
وفجأة صوت ست العرافة اللي قابلتها في الأتوبيس رجع في دماغي زي صدى بعيد
هتحتاج الورقة دي لأن في حاجة دايمًا بتدور على باب جديد.
مديت إيدي بسرعة في جيبي.
لقيت الورقة لسه موجودة.
لكن المرة دي
مكان الجملة كان فاضي.
وفي لحظة
الحروف بدأت تظهر لوحدها قدامي
لو عايز ابنك يرجع اقفل الباب اللي اتفتح الأول.
بصيت ناحية العربية تاني.
لقيت يونس واقف على الأرض دلوقتي.
بصلي للمرة الأخيرة.
وقال بصوت صغير جدًا
اختار بسرعة قبل ما الباب يقفل عليّا أنا وأنت.
وفي نفس اللحظة
لقيت ورايا على الرصيف حاجة مرسومة.
دائرة سودا شبه باب صغير في الأرض.
وكانت بتتحرك ببطء.
وكأنها بتتنفس.
والظل بدأ يطلع من العربية
ويتجه ناحيتي أنا وقفت مكاني، مش قادر أتحرك.
الدائرة اللي على الأرض كانت بتتسع ببطء زي عين بتفتح نفسها على الآخر.
والظل اللي خرج من العربية كان بيقرب مني، مش ماشي كأنه بينزلق في الهواء.
يونس واقف بعيد شوية، عينه عليا، وصوته هادي بشكل مخيف
باب واحد بس يا بابا يا أنا يا هو.
الكلمة خبطت في صدري كأنها حكم نهائي.
بصيت حواليا بسرعة مفيش حد.
الشارع فاضي بشكل غير طبيعي.
حتى صوت العربيات اختفى.
بس في حاجة واحدة كانت بتزيد
صوت نفس خفيف جاي من جوه الدائرة.
زي طفل بيتنفس وهو نايم.
الظل وقف قدامي.
ومد حاجة شبه
إيد بس مش كاملة.
وفي اللحظة دي الورقة اللي في إيدي سخنت فجأة.
وبقت مكتوب فيها سطر جديد
لو اخترت الغلط مش هتخسر واحد.
رفعت عيني بسرعة.
يونس كان بيهز راسه
ماتسمعش ده بيكدب.
لكن الظل قال بصوت مش صوت بشري
أنا مكدبتش مرة واحدة.
الدائرة بدأت تفتح أكتر.
ومن جوه ظهر شكل صغير جدًا كأنه نسخة مشوهة من يونس.
بس مبتسم ابتسامة واسعة زيادة عن الطبيعي.
وقتها فهمت.
دي مش مجرد حاجة خطفت ابني
دي حاجة بتصنع بديل.
بتاخد مكانه لو اتساب الباب مفتوح.
يونس صرخ فجأة
بابا!!! بسرعة!!!
مديت إيدي ناحية الدائرة غريزيًا.
وفي نفس اللحظة
الظل مسك دراعي.
وبرودة سرت في جسمي كله كأن الدم وقف.
لكن الغريب
إن الألم كان بيخليني أشوف بوضوح أكتر.
شوفت لحظة مرعبة
لو سبت يونس النسخة اللي جوه الدائرة هتطلع وتاخد مكانه.
ولو دخلت أنا هبقى أنا الباب.
والاتنين هيكملوا عادي.
بس أنا هختفي.
سكت ثانية.
الدنيا كلها كانت واقفة على اختيار واحد.
بصيت ليونس.
كان بيعيط للمرة الأولى بصوت طفل عادي، مش الصوت الغريب اللي قبل كده.
وقتها فهمت.
أيًا كان اللي بيحصل هو ابني الحقيقي.
مش النسخة.
شدّيت إيدي بكل قوتي من الظل.
وبصوت مبحوح قلت
اقفلوا الباب.
وفي اللحظة دي
مديت إيدي جوه الدائرة.
الظل صرخ.
صوت مش طبيعي كأنه ألف صوت في نفس اللحظة.
الدائرة انفجرت نور أسود قوي عمّى عيني.
سمعت صوت يونس بيصرخ
بابااااا!!!
وبعدين
سكون.
لما فتحت عيني
كنت نايم على الرصيف.
لوحدي.
مفيش عربية.
مفيش دائرة.
مفيش ظل.
قمت بسرعة أدوّر.
يونس؟!
صوت
ضعيف جاوبني من ورايا.
التفت.
لقيته واقف.
بس عينه طبيعية.
بيرتعش.
وبصلي وقال
أنا كنت نايم بس في المستشفى صح؟
وقتها حضنته بسرعة، وأنا مش فاهم أي حاجة حصلت.
ولا عارف هل ده كان حلم
ولا أنا فعلاً قفلت الباب.
بس وأنا شايله
لمحت حاجة صغيرة جدًا على رقبته.
نقطة صفراء.
وبتتحرك ببطء وقفت مكاني لحظة، وأنا ببص للنقطة الصفراء على رقبة يونس.
مش زي الأول دي كانت أهدى، أصغر، وكأنها نفس الحاجة القديمة لكنها بتتنكر.
مديت إيدي ببطء ناحية رقبته
لكن قبل ما ألمسها، يونس مسك إيدي وقال بصوت طفل طبيعي
متخافش يا بابا أنا هنا.
حضنته بسرعة، وقررت ما أفتحش الباب تاني للأسئلة.
مشيته على أقرب مستشفى، وعملنا فحوصات كاملة.
الدكاترة قالوا
مفيش أي حاجة خطيرة مجرد أثر بسيط لالتهاب جلدي خفيف.
كلام عادي.
مطمّن.
بس أنا كنت عارف إن الموضوع مش عادي.
رجعت البيت.
في الليل، حطيته ينام لأول مرة من غير ما أراقب أنفاسه كل دقيقة.
وقعدت في الصالة لوحدي.
الهدوء كان تقيل.
لحد ما سمعت همس خفيف جدًا جاي من أوضة يونس.
قمت بسرعة.
دخلت.
كان نايم.
بس على الحيطة جنب السرير
كان في ظل صغير جدًا.
مش واضح.
بس شبه طفل قاعد وبيتنفس بهدوء.
اتجمدت مكاني.
الظل لفّ ببطء ناحيتي.
ومش صوت طفل ولا صوت بشر.
كان نفس الصوت اللي سمعته قبل كده
أنا مش بأخد أنا بس باختار اللي يرتاح.
قربت من السرير وأنا مرعوب.
لكن يونس فتح عينه فجأة، وقال بهدوء
سيبه هو بيساعدني أنام.
وفي اللحظة دي
الظل اختفى.
من غير صوت.
من غير أثر.
الصبح جه.
واليونس
صحي طبيعي جدًا.
بياكل، بيضحك، بيركض في البيت كأن مفيش أي حاجة حصلت.
النقطة الصفراء اختفت.
ولا كأنها كانت موجودة.
مرت أيام.
وبقت حياتنا شبه طبيعية.
لكن كل ليلة
قبل ما ينام، كان يونس بيبص ناحية زاوية معينة في أوضته، ويبتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
كأنه بيشوف حد أنا مش شايفه.
وفي مرة، سألته
بتبص لمين؟
رد بهدوء
صاحبي.
اسمه إيه؟
سكت شوية
وبعدين قال
مش له اسم هو بس بييجي لما أنا أتعب.
وقتها فهمت الحقيقة الأخيرة.
مش كل اللي اختفى بيروح.
في حاجات بتختار تفضل قريبة.
مش عشان تأذي
لكن عشان تراقب.
وتنتظر.
وأنا
مش عارف إذا كنت أنقذت ابني فعلًا
ولا بس اتفقت مع حاجة ماينفعش تتفهم في الليلة اللي بعدها، قررت أغير كل حاجة.
فتحت كل الشبابيك، نورت البيت كله، وفضلت صاحي جنب يونس لحد ما نام.
مفيش ظلال. مفيش همس. مفيش أي حاجة غريبة.
هدوء كامل.
لأول مرة من فترة، حسّيت إني تنفست بعمق من غير خوف.
لكن في نص الليل
سمعت خبط خفيف جدًا على باب الشقة.
خبط واحد.
وبعده صمت.
قمت بحذر.
مشيت ناحية الباب.
سألت مين؟
مفيش رد.
بس من تحت الباب
اتزقّت ورقة صغيرة.
نفس الورق القديم.
اللي كان مع الست العرافة.
قلبي وقع في رجلي.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها سطر واحد فقط
إنت قفلت الباب بس مفتحتش اللي
وراه.
رفعت عيني بسرعة.
اتلفت حواليّا.
البيت كان طبيعي.
لكن
من أوضة يونس، كان في نور خافت جدًا مش من لمبة.
نور بيفتح ببطء كأنه باب تاني بيتفتح من جوه.
جريت عليه بسرعة.
فتح الباب
ولقيته نايم.
بس في إيده حاجة صغيرة جدًا
ورقة نفس شكل الورقة القديمة.
مكتوب فيها بخط طفولي
أنا لسه هنا يا بابا بس المرة دي مش لوحدي.
في اللحظة دي
فهمت إن القصة مش انتهت.
هي بس غيرت مكانها.
وبدأت من جديد جوه البيت اللي كنت فاكر إني قفلته للأبد.

تم نسخ الرابط