استاجرت بنت صغيرة
استأجرت بنت صغيرة تشتغل معايا في البيت، عندها 16 سنة. أول يوم جت فيه كانت متأخرة نص ساعة، شعرها منكوش، ولابسة شبشب فردة شكل وفردة شكل. بصيتلها وقلت في سري
يا ساتر يا رب... دي شكلها هتخربلي البيت!
بس الغريب إن بناتي التلاتة أول ما شافوها جريوا عليها وحضنوها كأنهم يعرفوها من زمان.
والأغرب إن نفس البنت دي، بعد سنين، كانت السبب إني ألاقي أغلى حاجة ضاعت مني وأنا بحاول أنقذ بنتي.
اسمها كان مروة.
جت بيتنا في يوم شتا والدنيا غرقانة مطر.
شايلة شنطة مدرسة قديمة مقطوعة من الجنب، ولمّة شعرها بإستيكة بنفسجي باين عليها مستهلكة من كتر الاستعمال.
خبطت على الباب وهي متأخرة حوالي عشرين دقيقة.
فتحتلها وأنا شايلة ابني الصغير، وبنتي الكبيرة بتعيط عشان الواجب، والوسطانية موقعة طبق الكورن فليكس على الانتريه.
قالت وهي نفسها مقطوع
حقك عليا يا مدام... ركبت ميكروباص غلط ونزلت في مكان افتكرته هنا، وطلع بعيد خالص.
بصيتلها من فوق لتحت وقلت
إنتِ مروة؟
قالت بابتسامة بسيطة
أيوه... بس متقلقيش، أنا بتعلم بسرعة.
لحد دلوقتي مش عارفة ليه مدخلتهاش ورجعتها من حيث ما جت.
يمكن عشان كنت محتاجة أي حد يساعدني.
جوزي أحمد طول اليوم بره البيت.
وأمي صحتها مبقتش تساعدها.
وعندي تلات بنات دوشتهم تكفي شارع كامل.
أول ما مروة دخلت البيت وقعت كباية العصير.
وبعدها شوية حرقت الجبنة.
وبعد ربع ساعة لقيت بنتي الصغيرة فرح قاعدة في حضنها وبتحكيلها حكاية عروستها المكسورة.
بالليل
ماما... مروة هتيجي بكرة؟
قولتلها
لو جات في معادها.
وطبعًا...
مجتش في معادها.
بس جابت معاها فطير سخن من الفرن، وقعدت تحكيلهم حكاية أميرة عايشة في حارة شعبية وبتحارب تنانين ريحتهم بصل وطعمية.
ومن يومها البنات اتعلقوا بيها.
في الأول كانوا بينادوها مروة.
وبعدين بقوا يقولوا أختنا مروة.
وبعدها بقت مروة بتاعتنا.
بس كان في حاجة غريبة.
كل ليلة تقريبًا، كنت ألاقيها واقفة عند شباك المطبخ بعد ما الكل ينام.
تبص للشارع وكأنها مستنية حد.
ولما كنت أسألها، كانت تبتسم وتقول
مستنية ولا حاجة.
لحد ليلة صحيت أشرب ميه.
لقيتها قاعدة على الأرض جنب التلاجة وبتبكي بصمت.
قولتلها
مالك يا مروة؟
مسحت دموعها بسرعة وقالت
مفيش.
قولتلها
محدش بيعيط بالشكل ده ويقول مفيش.
سكتت شوية.
وبعدين طلعت من شنطتها القديمة ظرف أصفر مهترئ.
كان مقفول بشريط لاصق قديم، ومكتوب عليه بخط يد باهت
لا يُفتح إلا بعد اختفاء الأمانة.
استغربت وسألتها
إيه ده؟
اتوترت وخبته بسرعة وقالت
حاجة تخص بابا.
قولتلها
وأبوكي فين؟
هنا وشها اتغير.
وبعد ثواني همست
مختفي بقاله سبع سنين... والناس كلها فاكرة إنه مات.
قبل ما أسألها أي حاجة تانية، سمعنا صوت خبطة قوية جاية من باب الشقة.
اتخضينا.
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
بصينا لبعض.
ولما فتحت العين السحرية...
لقيت قدام الباب نفس الظرف الأصفر.
رغم إنه كان لسه من ثواني في إيد مروة اتجمد الدم في عروقي.
بصيت لمروة.
ولقيتها
قولتلها بصوت مرتعش
هو مش الظرف ده معاكي؟
هزت راسها ببطء.
قربت منها وخدت الظرف من إيدها.
نفس الشريط اللاصق.
نفس الخط الباهت.
نفس الجملة
لا يُفتح إلا بعد اختفاء الأمانة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
رجعت للباب وبصيت تاني من العين السحرية.
مفيش حد.
السلم فاضي.
فتحت الباب بسرعة.
لقيت ظرف تاني فعلًا على الأرض.
مسكته وقفلت الباب.
بقينا إحنا الاتنين واقفين في نص الصالة، وكل واحدة ماسكة ظرف.
اتنين شبه بعض بالمللي.
فتحت الظرف اللي كان قدام الباب.
كان جواه مفتاح نحاس قديم وصورة باهتة لرجل واقف قدام بيت ريفي.
مروة أول ما شافت الصورة شهقت.
وقالت
ده بابا!
سألتها
متأكدة؟
قالت وهي دموعها نزلت
دي آخر صورة اتصورتله قبل ما يختفي.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها
الأمانة لسه موجودة... والوقت قرب.
في اللحظة دي سمعنا صوت رسالة على موبايل مروة.
بصت للشاشة واتجمدت.
قولتلها
مين؟
ناولتهولي من غير كلام.
الرقم كان مجهول.
والرسالة عبارة عن خمس كلمات بس
ماتفتحيش الظرف التاني يا مروة.
رفعت عيني أبص لها.
لقيتها بتترعش.
قولتلها
حد بيهزر.
هزت راسها بسرعة وقالت
لا... نفس الرسالة كانت بتوصل لبابا قبل ما يختفي.
سكتنا.
الدنيا كلها بقت هادية بشكل مرعب.
وفجأة افتكرت حاجة.
بصيت على الصورة تاني.
البيت اللي فيها كان مألوف جدًا.
قربتها من النور أكتر.
ولما ركزت كويس...
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
البيت
كان نفس بيت جدي القديم.
البيت اللي ورثته عن أبويا من عشر سنين.
والأغرب من كده...
إن المفتاح النحاسي اللي جوه الظرف كان عليه رقم صغير محفور
17.
نفس رقم المخزن المقفول في بيت جدي.
المخزن اللي محدش قدر يفتحه من يوم وفاة أبويا.
ولأول مرة من عشر سنين...
بدأت أشك إن السر اللي مستخبي جوه المخزن ده، ليه علاقة مباشرة باختفاء والد مروة.
لكن مكنتش أعرف إن فتح المخزن هيكشف سر أخطر بكتير...
سر هيخليني أشك في كل حاجة كنت مصدقاها عن عيلتي طول السنين اللي فاتت تاني يوم الصبح، ماقدرتش أركز في أي حاجة.
البنات بيتخانقوا على الفطار، وأحمد مستغرب من شرودي، ومروة قاعدة ساكتة على غير عادتها.
كل شوية تبص للظرف، وكأنها خايفة يختفي.
لحد ما قررت.
قلت لمروة
هنروح بيت جدي النهارده.
رفعت عينيها بسرعة.
دلوقتي؟
هززت راسي.
دلوقتي.
البيت كان مقفول من سنين.
في آخر البلد، وسط أرض فضاء وأشجار كبرت من غير ما حد يهتم بيها.
أول ما وصلنا، حسيت بقشعريرة.
المكان كان زي ما سبتُه.
نفس البوابة الحديد.
نفس الشجرة الكبيرة.
ونفس الشباك المكسور في الدور العلوي.
دخلنا.
التراب مغطي كل حاجة.
والهواء تقيل بشكل غريب.
فضلنا نمشي لحد ما وصلنا للمخزن.
الباب الخشبي القديم لسه موجود.
والرقم 17 محفور عليه.
طلعت المفتاح من الظرف.
إيدي كانت بتترعش.
دخلته في القفل.
في الأول ما اتحركش.
لفيته تاني.
وفجأة...
تك!
القفل اتفتح.
أنا ومروة بصينا لبعض.
وببطء
المخزن كان صغير.
مفيش دهب.
مفيش فلوس.
مفيش كنوز.
بس كان فيه صندوق خشب قديم في النص.
عليه طبقة تراب سميكة.
وفوقه ورقة مطوية.
أخدت الورقة وفتحتها.
أول