جوزي رماني
جوزي رماني في أصعب أيام مرضي.. القدر جابهولي غرقان في دمه، واللي اكتشفته كسر قلبي للمرة التانية!
ريحة المطهر، دوشة الممرضين، والدم اللي مغرق البالطو بتاعي.. ده كان الروتين العادي بتاعي كدكتورة طوارئ. بس الليلة دي، كل حاجة كانت مختلفة.
بسرعة يا دكتورة، حادثة على الدائري، النبض بيقع!
باب الطوارئ اتفتح بعنف، والممرضين دخلوا بالترولي عليه راجل وشه متغطي بالدم، هدومه متقطعة، وصدره مابيتحركش.
بدأت أضغط على صدره بكل قوتي. عرق بارد نزل على جبهتي، وأنا بعدّ بصوت عالي واحد، اتنين، تلاتة.. قلبي كان بيدق أسرع من جهاز المونيتور اللي كان بيصفر بخط مستقيم مرعب.
هاتي جهاز الصدمات.. 200 جول.. ابعدوا!
جسمه اتنفض على السرير، والنبض رجع ضعيف جداً.. شريط رفيع على الشاشة بيقول إنه لسه متمسك بالحياة بشعرة.
وأنا باخد نفسي وبمسح الدم من على وشه عشان أحط أنبوبة الأكسجين.. إيدي اتجمدت.
حسيت إن الزمن وقف. المستشفى، الدوشة، زعيق الدكاترة.. كل حاجة اختفت. مابقاش فاضل غير وشه قدامي.
حازم..
جوزي اللي سابني من خمس سنين. الراجل اللي لما شعري وقع من الكيماوي ووشي بهت، وقف قدامي وقالي ببرود أنا مش قادر أعيش في جو المرض والموت ده، أنا عايز أعيش حياتي. ورمالي ورقتي ومشي، وسابني أواجه السرطان والموت لوحدي!
ربنا شفاني، عافرت، وقفت على رجلي، ورجعت
لثانية واحدة، شيطان الانتقام همس في ودني، بس الرحمة اللي في قلبي كانت أقوى. اشتغلت زي الآلة، ركبت المحاليل وبدأت أوقف النزيف.
وفجأة.. باب العناية اتفتح بعنف، ودخلت ست منهارة، هدومها متبهدلة، وحضنة حتة عيل صغير في إيدها.
حازم!! جوزي.. ابوس إيديكم طمنوني عليه!
بصيت للست، وبعدين بصيت للطفل اللي في حضنها.. وهنا كانت الصدمة اللي شلتني بجد.
الطفل كان أقرع تماماً.. وشه أصفر وشاحب.. وفي إيده كان متركب كانيولا. نفس ملامح المرض، نفس آثار الكيماوي اللي أنا عانيت منها زمان!
الست صرخت وهي بتبكي في الأرض كان بيجري بينا على المستشفى عشان ابني حرارته عليت من الجرعة.. العربية اتقلبت، فدى ابنه بجسمه في الحادثة عشان يحميه.. يارب ماتحرمناش منه ده هو اللي شايلنا وشايل مرضه!
الكلمات نزلت عليا زي جردل تلج. حازم.. اللي هرب من مرضي زمان ومستحملش، ربنا ابتلاه في أعز ما يملك ابنه، وبدل ما يهرب المرادي.. ضحى بحياته عشانه! دايرة القدر لفت ووقفته في نفس الموقف اللي سابني فيه.
في اللحظة دي، حازم فتح عينيه بصعوبة. الرؤية كانت مشوشة عنده، بس لما ركز في ملامحي، عيونه وسعت بصدمة، ودمعة يتيمة نزلت من عينه وسط الدم.
حرك شفايفه من تحت ماسك الأكسجين، وبصوت مخنوق وتعبان همس باسمي
وقبل ما يكمل الكلمة، الجهاز صفر تاني بإنذار مرعب.. ضغطه نزل للأرض، وجسمه بدأ يتشنج بقوة!
الدكتور الاستشاري دخل يزعق بسرعة يا دكتورة آية، نزيف داخلي على الرئة، محتاجين نفتح صدره دلوقتي حالاً وإلا هيموت في إيدينا!
بصيت للمشرط اللي في إيدي.. وبصيت لمراته وابنه اللي بيصرخوا بره وبيترجوني بعنيهم.. وبصيت لحازم اللي عيونه كانت متعلقة بيا كأنها بتطلب السماح.
الكاتبه_نور_محمد
تفتكروا آية هتقدر تنقذ حازم وتنسى اللي عمله فيها زمان؟ وإيه السر أو الكلمة اللي حازم كان عايز يقولها لآية قبل ما يغيب عن الوعي؟
بصيت للمشرط اللي في إيدي، وإيدي بتترعش لأول مرة من ساعة ما اشتغلت في الطوارئ.
صوت الاستشاري بيعلو
يا دكتورة آية! مفيش وقت.. افتحي صدره فورًا!
لكن عيني كانت متعلقة على حازم على نفس الراجل اللي كان سبب في كسرها زمان، والنهارده بيرجع بين الحياة والموت قدامها.
الست بره بتخبط على الزجاج وهي بتصرخ
ابوس إيديكي يا دكتورة.. ده أبوه الوحيد اللي كان سندنا!
والطفل الصغير، اللي واضح إن عنده أزمة صحية، كان بيعيط بصوت ضعيف كأنه مش قادر حتى يكمل النفس.
لحظة صمت غريبة حصلت جوا آية
مش صمت خوف صمت حاجة أكبر ذكريات.
فاكرة يوم ما كانت على سرير المرض لوحدها
وفاكرة جملة واحدة قالها حازم قبل ما يمشي أنا مش قد الوجع ده.
دلوقتي هو تحت
شدّت نفس طويل، وبصت للاستشاري حضّروا غرفة العمليات أنا هفتح.
داخل غرفة العمليات
الدم كان بيغطي كل حاجة تقريبًا
صوت الأجهزة بيصرخ
والوقت بيجري ضدهم.
آية كانت بتشتغل بإيدين ثابتين، رغم إن قلبها جوه بيتهز.
وفجأة وهي بتصلح نزيف في الرئة
لمحت حاجة غريبة جدًا.
قطعة معدن صغيرة مزروعة جنب الضلوع
مش إصابة حادث عادية.
رفعت عينيها بسرعة ده مش مجرد حادثة ده فيه حاجة تانية!
الاستشاري بص لها باستغراب تقصدي إيه؟
سحبت القطعة بحذر وكانت عبارة عن شريحة إلكترونية صغيرة جدًا.
سكتت ثانية.
وبصت لحازم اللي على وشك يفقد حياته ده كان بيخبي حاجة
بره غرفة العمليات
الست فجأة بدأت ترتجف أكتر، وصوتها اتغير يا رب الشريحة دي ما تكونش اتكشفت!
آية سمعت الجملة وهي طالعة من الباب المفتوح للحظة.
وقفت مكانها.
بصت ناحية الباب.
وببطء قالت اتكشفت إيه؟
الست سكتت فجأة كأنها قالت حاجة ماكانش مفروض تتقال.
في نفس اللحظة
جهاز المونيتور صفّر بصوت عالي.
ضغط حازم نزل بشكل خطير.
الاستشاري صرخ بنخسره!
لكن آية كانت واقفة مش بتتحرك
بصّة واحدة للشريحة في إيديها
وبصّة تانية لحازم
وبهمس إنت كنت مش بس بتجري من الماضي إنت كنت مستخبي من حاجة أخطر بكتير.
وفجأة
جهاز تاني في المستشفى كله بدأ يرن إنذار عام.
خطر أمني داخل المستشفى.
آية رفعت راسها
وبصت لحازم