جوزي كل مايرجع
المحتويات
من سنين.
نور سألت بسرعة
إيه هي الحاجة دي؟
سكت الرجل لحظة.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا جدًا.
مختلفًا عن كل المفاتيح التي رأوها.
وقال
الحقيقة.
ساد الصمت.
ثم أضاف
والحقيقة دي هي السبب اللي خلاني أختفي... والسبب اللي خلاهم يراقبوا طارق طول السنين اللي فاتت.
وقبل أن يشرح أكثر...
انطفأت الأنوار كلها فجأة.
غرقت الغرفة في ظلام كامل.
وفي السكون المرعب سمعوا صوت باب حديدي يُغلق في مكان ما.
ثم صوت خطوات كثيرة.
ليست خطوة شخص واحد.
بل عدة أشخاص.
ينزلون السلم المؤدي إلى القبو.
وكان واضحًا أنهم يقتربون منهم بسرعة الظلام كان خانقًا.
ثوانٍ مرت وكأنها دهر، والكل واقف مكانه لا يرى شيئًا.
ثم سمعوا صوت والد طارق يهمس
محدش يتكلم.
توقفت الأنفاس.
الخطوات فوق السلم كانت تزداد.
شخص...
ثم آخر...
ثم أكثر من واحد.
وكأن مجموعة كاملة نزلت إلى المخزن.
نور كانت تسمع دقات قلبها فقط.
وفجأة اشتعل ضوء صغير جدًا.
والد طارق كان قد أخرج مصباحًا يدويًا صغيرًا من جيبه.
أشار لهم أن يتبعوه.
قادهم بسرعة إلى آخر الغرفة، حيث كانت توجد خزانة معدنية ضخمة ملتصقة بالحائط.
ضغط على جزء معين منها.
فصدر صوت خافت.
وتحركت الخزانة ببطء.
خلفها ظهر ممر ضيق لم يكن مرئيًا من قبل.
همس
ادخلوا بسرعة.
دخلوا واحدًا تلو الآخر.
وبمجرد دخول آخر شخص، أعاد الخزانة إلى مكانها.
بعد لحظات فقط...
سمعوا أصوات الغرباء يدخلون الغرفة الرئيسية.
كانوا قريبين جدًا.
قريبين لدرجة أنهم سمعوا كلماتهم بوضوح.
أحدهم قال بغضب
دوروا كويس... هو أكيد هنا.
ورد آخر
والولد كمان.
الولد.
كانوا يقصدون طارق.
تبادل الجميع نظرات صامتة.
أما والد طارق فكان وجهه متجهمًا بشكل لم يره أحد من قبل.
نور همست
مين الناس دي؟
نظر إليها للحظة طويلة.
ثم قال
ناس قضت عشرين سنة تدور على حاجة مش ملكها.
وإيه الحاجة دي؟
مد يده إلى جيبه.
وأخرج ظرفًا صغيرًا قديمًا.
كان نفس الظرف الذي ظل محتفظًا به كل تلك السنوات.
لكن المفاجأة...
أنه
بل مفتاحًا صغيرًا جدًا وقطعة معدنية دائرية محفور عليها نفس الرمز الموجود على ظهر طارق.
ناولها لابنه.
وقال
العلامة اللي على ضهرك عمرها ما كانت عقاب.
نظر طارق للقطعة في ذهول.
فأكمل والده
كانت وسيلة علشان أتعرف عليك لو افترقنا.
ساد الصمت.
ثم أضاف
في يوم اختفائي كنت عارف إن الخطر جاي. ومكنتش ضامن إني هرجع. فسيبت الدليل الوحيد اللي يثبت الحقيقة.
نور سألت بسرعة
حقيقة إيه؟
وقبل أن يجيب...
جاءهم صوت ارتطام قوي جدًا من خلف الخزانة.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم ثالثة.
كأن الأشخاص في الخارج اكتشفوا الممر السري.
تجمد الجميع.
وفي اللحظة التالية سمعوا صوت معدن يُكسر بالقوة.
والد طارق أغلق عينيه لثانية واحدة.
ثم فتحهما وقال بهدوء غريب
للأسف... لقونا.
وبدون أي مقدمات، أشار إلى نهاية الممر المظلم.
هناك كان يظهر باب خشبي قديم جدًا.
وقال
ورا الباب ده موجود الشيء اللي الكل بيدور عليه... واللي هيغير كل حاجة عرفتوها عن عيلتنا.
ثم وضع المفتاح الصغير في يد طارق.
وأضاف
بس قبل ما تفتحه... لازم تكون مستعد تعرف السر اللي خبيته عنكم عشرين سنة كاملة طارق كان واقف والمفتاح الصغير بين صوابعه، كأنه شايل حمل السنين كلها في إيده.
أما الأصوات خلف الخزانة فكانت بتزيد.
ضربات قوية.
صراخ مكتوم.
وصوت معدن بيتلوى تحت الضغط.
واضح إن اللي بيدوروا عليهم قربوا جدًا.
نور بصت لوالد طارق وقالت بسرعة
قول الحقيقة دلوقتي!
تنهد الرجل بعمق، وكأنه كان مستني اللحظة دي من عمره كله.
ثم قال
من عشرين سنة... ما اختفيتش بإرادتي.
سكت الجميع.
أنا كنت شغال محاسب في شركة كبيرة وقتها. وبالصدفة اكتشفت إن فيه شبكة بتزور مستندات وتسرق أراضي وبيوت ناس كتير. جمعت الأدلة كلها عشان أسلمها للجهات المختصة.
حنان همست عشان كده اختفيت؟
هز رأسه.
قبل ما أسلم الملفات بيوم واحد، عرفت إنهم عرفوا إني كشفتهم.
وفي نفس اللحظة دوى صوت تحطم قوي خلفهم.
جزء من الخزانة المعدنية وقع على الأرض.
بقى واضح إن الوقت بينفد.
أكمل بسرعة
هربت بالأدلة وخبيتها في مكان محدش يعرفه. لكنهم فضلوا يطاردوني سنين. ولما فشلوا يوصلوا ليا، بدأوا يراقبوا عيلتي.
نور افتكرت فجأة الجروح على ظهر طارق.
والعلامة؟
رد الرجل
فيه صندوق مقفول بالأدلة. مكانه متسجل بطريقة محدش يقدر يفهمها غير اللي معاه الرمز كامل.
ثم نظر إلى ظهر طارق.
الجزء الأخير من الرمز كان عندك طول الوقت.
شهقت نور.
فهمت أخيرًا ليه طارق كان بيخبي ظهره.
الجروح ما كانتش جروح عشوائية.
كانت آثار عمليات قديمة لإخفاء وحماية الرمز من ناس كانوا بيدوروا عليه.
وفجأة...
وصلوا إلى الباب الخشبي في نهاية الممر.
طارق أدخل المفتاح.
القفل استجاب فورًا.
فتح الباب ببطء.
ودخلوا.
الغرفة كانت صغيرة جدًا.
في منتصفها صندوق حديدي أسود.
فقط.
لا يوجد شيء آخر.
اقترب طارق.
كان قلبه يدق بعنف.
مد يده نحو الصندوق.
لكن قبل أن يلمسه...
جاء صوت من خلفهم
أخيرًا لقيناه.
استداروا جميعًا.
وتجمدت الدماء في عروقهم.
أحد الرجال الذين كانوا يطاردونهم وصل إلى مدخل الغرفة.
لكنه لم يكن غريبًا.
نور عرفته فورًا.
وحنان شهقت.
أما طارق فبقي مذهولًا.
لأن الرجل الذي يقف أمامهم كان شخصًا يعرفونه جميعًا منذ سنوات...
شخصًا كان يدخل بيتهم ويجلس معهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم.
شخصًا لم يخطر ببال أحد يومًا أنه وراء كل ما حدث.
وكانت الصدمة الحقيقية أن هذا الشخص ابتسم بهدوء وقال
كنت متأكد إنكم هتوصلوا للصندوق في النهاية... عشان كده سبتكم تكملوا الطريق بدل ما أوقفكم.
ثم رفع شيئًا صغيرًا في يده.
شيئًا جعل وجه والد طارق يشحب فجأة.
لأنه كان يحمل...
النصف الآخر من المفتاح ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
الأنفاس متقطعة.
والعيون كلها معلقة بالرجل الواقف عند الباب.
نور كانت أول من نطق
إنت؟!
الرجل ابتسم ابتسامة باهتة وقال
واضح إن المفاجأة نجحت.
كان ذلك الرجل هو عماد... صديق والد طارق القديم، والرجل الذي ظل يزور والدتهم لسنوات، ويساعدهم في إنهاء
الشخص الوحيد الذي كانوا يعتبرونه فردًا من العائلة.
حنان بدأت تهز رأسها بعدم تصديق.
مستحيل...
لكن والد طارق لم يبدُ متفاجئًا.
بل أغلق عينيه للحظة وقال
كنت عارف إنك هتظهر في الآخر.
اختفت الابتسامة من وجه عماد.
وأنت كنت عارف من البداية إني بدور على الصندوق.
رد الأب بهدوء
لا... كنت مستنيك تعترف.
اقترب عماد خطوة.
ثم أخرى.
وفي يده نصف المفتاح المعدني.
وقال
عشرين سنة وأنا بجمع القطع الناقصة. عشرين سنة من الانتظار.
نور نظرت للصندوق.
ثم للمفتاحين.
ثم للأب.
وفجأة فهمت.
الصندوق لا يفتح بمفتاح واحد.
بل بمفتاحين.
النصف الذي مع طارق.
والنصف الذي مع عماد.
وهذا ما جعل عماد يتركهم يصلون إلى هنا.
كان يحتاجهم.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من والد طارق.
إذ قال فجأة
حتى لو فتحته... مش هتلاقي اللي بتدور عليه.
تغيرت ملامح عماد.
إيه قصدك؟
رد الأب
لأن الصندوق الحقيقي مش ده.
تجمد الجميع.
حتى عماد نفسه.
أشار الأب إلى الصندوق الأسود في منتصف الغرفة.
وقال
ده مجرد اختبار.
سادت لحظة صمت مذهولة.
ثم أكمل
كل اللي جرى كان علشان أعرف مين لسه بيدور على السر بعد السنين دي.
بدأ الغضب يظهر على وجه عماد.
بتكذب.
لكن الأب أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية.
ورفعها أمامه.
السر الحقيقي موجود هنا.
وفجأة...
انطلقت صفارة حادة في أرجاء المكان.
صوت إنذار قديم لم يُسمع منذ سنوات.
ثم بدأت أرضية الغرفة تهتز اهتزازًا خفيفًا.
نور فقدت توازنها تقريبًا.
حنان أمسكت بالحائط.
أما عماد فالتفت حوله بقلق لأول مرة.
والد طارق نظر إلى ابنه وقال بسرعة
فيه مخرج واحد بس هيبقى مفتوح بعد دقيقة.
وإنت؟
ابتسم الأب ابتسامة صغيرة.
ابتسامة مليئة بالتعب.
وقال
أنا قضيت عشرين سنة بهرب... النهارده انتهى الهروب.
لكن قبل أن يشرح أكثر...
صدر صوت تكسير هائل من الممر.
ودخل بقية الرجال إلى الغرفة.
وفي اللحظة نفسها انشقت قطعة من الأرض الحجرية ببطء...
وكشفت عن درج سري يهبط
مستوى لم يكن موجودًا على أي خريطة.
وكان واضحًا أن السر الحقيقي...
ما زال في الأسفل الدور الأرضي انهار صوتُه في الخلفية، والإنذار القديم كان بيصرخ كأنه بيعدّ الثواني الأخيرة.
طارق وقف على حافة الدرج السري،
متابعة القراءة