قبل الفرح ب3 ايام

لمحة نيوز

من الفستان، وبعده شهقة مكتومة منها. العيون كلها بدأت تتلفت ناحية التربيزة الرئيسية. في الأول الناس افتكرت إنها تعبت أو الكعب علق في السجادة، لكن لما العريس نفسه انحنى يحاول يساعدها، الكرسي اتحرك معاها سنتيمترات وهو لازق فيها، ساعتها الهمسات انتشرت في القاعة كلها.
في إيه؟
العروسة مالها؟
ليه مش عارفة تقوم؟
وش مصطفى بقى شاحب. مسك إيدها وشدها بقوة أكبر.
فجأة...
رررررررت!
صوت تمزق أوضح من الأول.
شاهندة صرخت وهي حاطة إيديها على الفستان. الكاميرات اتوجهت ناحيتها تلقائيًا. المصور وقف مذهول، والناس نصها قاعد ونصها واقف مش فاهم حاجة.
اقفلوا التصوير! صاحت شاهندة بانفعال.
لكن الأوان كان فات.
واحد من أقاربها قرب من الكرسي، بص عليه ثواني، ثم لمس طرفه بإصبعه.
رفع صباعه قدام الناس.
كان مليان غراء.
القاعة سكتت.
سكوت ثقيل جدًا.
بص الراجل لمصطفى وقال مين اللي حط المادة دي هنا؟
مصطفى بلع ريقه.
شاهندة بدأت ترتجف.
وفي اللحظة دي، لمحت أنا حاجة على التربيزة.
تليفون شاهندة.
التليفون اللي كانت ناسيته شغال على التسجيل.
قمت بهدوء، أخدته من غير ما حد يحس، وفتحت الفيديو.
كان كل شيء موجود.
الصوت.
الضحك.
والخطة كاملة.
رفعت التليفون قدام مصطفى.
عينه اتسعت.
عرف فورًا.
عرف إن النهاية وصلت.
بابا... قالها بصوت مكسور.
لكن لأول مرة في حياتي ما رديتش عليه.
أخدت الميكروفون من المذيع وسط ذهول الناس كلها.
وقلت بهدوء
قبل ما حد يظلم حد أو يتهم حد، أحب أخليكم تسمعوا حاجة.
ودوست تشغيل.
ثواني...
وفجأة دوى صوت مصطفى في سماعات القاعة كلها
زودي كمان... أنا عايز أمي تلزق وماتعرفش تتحرك خالص.
الصمت اللي نزل بعدها كان مرعب.
وشوش الناس اتجمدت.
أم شاهندة حطت إيديها على بقها.
أبوها نزل راسه في الأرض.
وفاطمة... مراتي... كانت باصة لابنها كأنها شايفة شخص غريب لأول مرة.
مصطفى حاول يتكلم.
حاول يبرر.
لكن مفيش كلمة طلعت.
أنا بصيت له طويلًا.
وقلت
أنا بنيت عمارات
كتير يا مصطفى... لكن أول مرة أكتشف إن البيت اللي قضيت عمري أبنيه كان فيه شرخ من جواه وأنا مش واخد بالي.
ثم طلعت ظرف من جيبي.
حطيته قدامه.
دي أوراق نقل كل أسهمك من الشركة. من النهارده مالكش أي سلطة فيها.
شهق الحضور.
ومصطفى فتح الظرف بإيدين مرتعشتين.
كان كل شيء قانوني.
كل شيء متجهز من ساعات.
رفعت إيدي على كتف فاطمة.
وقلت
يلا بينا يا أم مصطفى.
بصتلي بعين مليانة دموع.
وقمنا سوا.
ولما وصلنا لباب القاعة، سمعنا صوت أبو شاهندة ورا ضهرنا وهو بيقول بغضب
الفرح انتهى.
ما بصيتش ورايا.
لأن بعض البيوت لما يقع أساسها... ماينفعش تتصلح.
وبعض الناس، أول ما يكشفوا حقيقتهم، بيبقوا مجرد غرباء مهما كانوا قريبين ركبت أنا وفاطمة العربية، لكن الغريب إننا ما سمعناش أي صوت عياط أو خناق خارج من القاعة.
وده اللي خلاني أقلق.
بعد عشر دقايق، موبايلي رن.
كان حسين السواق.
رديت عليه.
صوته كان متوتر
يا حاج... متقفلش السكة وتعالى بسرعة.
في إيه؟
في حاجة حصلت في القاعة محدش كان متوقعها.
بصيت لفاطمة، ورجعت الفندق تاني.
أول ما دخلت، لقيت الشرطة واقفة عند الباب.
والناس متجمعة في دوائر صغيرة بتهمس.
قلبي دق بعنف.
افتكرت إن مصطفى عمل مصيبة.
لكن الحقيقة كانت أغرب.
مدير الفندق قرب مني وقال
حضرتك الحاج عبد الحميد؟
أيوة.
في شخص كان موجود النهارده وسط المعازيم وطلب يقابلك حالًا.
وأشار ناحية رجل كبير في السن، شعره أبيض بالكامل، ولابس بدلة قديمة.
أول ما شفته حسيت إني أعرفه.
بس منين؟
الرجل وقف قدامي ومد إيده بظرف بني سميك.
وقال
استنيت أكتر من خمسة وثلاثين سنة عشان أسلمهولك.
اتجمدت مكاني.
مين حضرتك؟
الرجل ابتسم ابتسامة حزينة وقال
أنا المحاسب القديم لشريك والدك.
الاسم وقع عليا زي الصاعقة.
شريك أبويا؟
الراجل ده مات من أكتر من تلاتين سنة!
فتحت الظرف بسرعة.
كان فيه عقود قديمة وصور ومستندات صفراء.
وفي آخر الملف...
شهادة ميلاد.
شهادة ميلاد باسم طفل.
رفعت
عيني أقرأ الاسم مرة تانية.
واتجمد الدم في عروقي.
لأن الاسم المكتوب كان
مصطفى عبد الحميد السيوفي.
نفس اسم ابني بالضبط.
لكن تاريخ الشهادة كان قبل ميلاد ابني الحقيقي بسنوات طويلة.
بصيت للرجل وأنا مش فاهم.
قال بهدوء
في سر كبير اتدفن زمان... والنهارده بس جه وقته يطلع.
وفاطمة، اللي كانت واقفة جنبي، فجأة شحب لونها بشكل غريب.
وبصت للورق.
ثم همست بكلمة واحدة جعلت قلبي يكاد يتوقف
مستحيل...
وسقطت الشهادة من يدها على الأرض انحنيت بسرعة والتقطت الشهادة من الأرض.
فاطمة... إيه اللي حصل؟
لكنها كانت شاحبة بشكل عمري ما شفته قبل كده.
إيديها بتترعش، وعينيها مثبتتين على الورقة كأنها شافت شبح.
الرجل العجوز تنهد وقال
كنت فاكر السر ده هيفضل مدفون للأبد.
القاعة حواليّ اختفت. ما بقيتش سامع همسات الناس ولا صوت المكيفات.
كل تركيزي كان على فاطمة.
أخيرًا رفعت رأسها ناحيتي وقالت بصوت مبحوح
عبد الحميد... لازم تعرف الحقيقة كلها.
قلبي انقبض.
حقيقة إيه؟
جلست على أقرب كرسي، وهي جلست بجانبي.
ثم قالت
من سبعة وثلاثين سنة... قبل ما مصطفى يتولد بسنتين... حصلت كارثة في المستشفى.
سكتت لحظة.
كان عندي ولد.
اتسعت عيناي.
ولد؟!
هزت رأسها ببطء.
اتولد مريض جدًا... وعاش أيام قليلة بس.
شعرت بالأرض تميل تحت قدمي.
طوال عمرنا لم تتحدث عن هذا الأمر.
ولا مرة.
ولا إشارة.
ولا ذكرى.
تابعت وهي تحاول حبس دموعها
الدكتور وقتها قال إن الطفل مات. دفنوه بسرعة بسبب حالته. وأنا كنت منهارة ومصدقتش أراجع أي حاجة.
الرجل العجوز قال
لكن الطفل ما ماتش.
ساد الصمت.
حتى أنفاسي توقفت.
إيه؟
أخرج ملفًا آخر من الحقيبة.
وضعه أمامي.
كانت هناك إيصالات، وخطابات، وصورة قديمة لطفل صغير في حضن امرأة لا أعرفها.
قال
شريك والدك كان بيمول جمعية خيرية زمان. أثناء مراجعة أوراق قديمة اكتشفنا مستندات تشير إلى أن الطفل تم تسليمه بالخطأ لأسرة أخرى بسبب تزوير حصل داخل المستشفى.
شعرت أن رأسي يدور.

فاطمة بدأت تبكي بصمت.
أما أنا فكنت أحاول استيعاب ما أسمعه.
ثم أشار الرجل إلى شهادة الميلاد.
وده اسمه الحقيقي.
نظرت إلى الاسم مرة أخرى.
ثم إلى الصورة.
ثم إلى التاريخ.
وفجأة انتبهت لشيء.
شيء جعل جسدي كله يقشعر.
الصورة لم تكن لطفل.
كانت صورة حديثة نسبيًا لرجل بالغ.
وفي أسفل الصورة مكتوب عنوان وشركة يعمل بها.
حدقت في الوجه طويلًا.
كان مألوفًا جدًا.
مألوفًا بصورة مرعبة.
رفعت رأسي ببطء نحو الرجل العجوز.
إنت بتقول إن ده ابننا؟
هز رأسه.
أيوة.
بلعت ريقي بصعوبة.
ثم همست
بس أنا أعرف الراجل ده...
نظر الجميع نحوي.
وأكملت بصوت متقطع
لأنه شغال في شركتي من أكتر من عشر سنين.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفي.
ظهر اسم المتصل على الشاشة.
تجمدت في مكاني.
كان نفس الاسم الموجود في الملف.
الرجل الذي قد يكون ابني الحقيقي... كان يتصل بي الآن إيدي كانت ثابتة على الموبايل، لكن قلبي كان بيدق بعنف.
الاسم منور على الشاشة.
ياسر.
مهندس موقع عندي من عشر سنين.
شاب محترم، هادي، عمره ما رفع صوته على حد، وكل العمال بتحبه.
رديت.
ألو؟
جالي صوته متردد
مساء الخير يا حاج عبد الحميد... آسف إني بكلم حضرتك في وقت زي ده.
بصيت لفاطمة والرجل العجوز.
خير يا ياسر؟
سكت ثانيتين.
ثم قال
أنا واقف تحت الفندق.
اتجمدت.
إنت هنا؟
أيوة... وفي حاجة لازم تعرفها.
نزلت بسرعة أنا وفاطمة.
أول ما خرجنا، شوفته واقف جنب عربيته.
لكن أول ما عيون فاطمة وقعت عليه...
شهقت.
ورفعت إيدها على بقها.
لأن لأول مرة كنا بنبص كويس.
نفس شكل العينين.
نفس تقوس الحاجب.
ونفس الغمازة الصغيرة اللي كانت في خد والد فاطمة الله يرحمه.
أشياء عمرنا ما ركزنا فيها قبل كده.
ياسر قرب بخطوات بطيئة.
وقال
أنا معرفش إيه اللي بيحصل فوق... بس النهارده وصلني ظرف غريب.
وأخرج ملفًا من عربيته.
كان فيه صورة قديمة لرضيع.
وسوار مستشفى قديم.
ورسالة مكتوبة بخط يد امرأة.
فتح الرسالة وسلمها لفاطمة.
بدأت تقرأ.
ومع كل سطر
كانت دموعها تنزل أكتر.
الرسالة كانت من ممرضة.
اعترفت فيها قبل وفاتها أنها شاركت في عملية تبديل أطفال داخل المستشفى مقابل مبلغ كبير من المال.
وأنها ظلت طول عمرها نادمة.
وفي آخر الرسالة كتبت
إذا وصلت هذه الرسالة يومًا إلى
تم نسخ الرابط