قبل الفرح ب3 ايام
المحتويات
والدي الطفل الحقيقيين، فاعلموا أنني أخطأت، لكن ابنكم كبر رجلًا صالحًا.
ساد الصمت.
ثم رفعت فاطمة رأسها.
ونظرت إلى ياسر.
نظرة أم ضاع منها عمر كامل.
وياسر كان واقف مرتبكًا لا يعرف ماذا يفعل.
فجأة...
سمعنا صوت فرامل سيارة بعنف عند مدخل الفندق.
التفتنا جميعًا.
ونزل منها مصطفى.
لكن شكله لم يكن طبيعيًا.
وجهه شاحب.
وربطة عنقه مفكوكة.
وكان يجري نحونا كأن شيئًا خطيرًا يطارده.
وصل وهو يلهث.
ثم قال جملة أربكت الجميع
أبويا... في واحد كان موجود في الفرح سرق ملف من أوضة الفندق.
عقدت حاجبي.
أي ملف؟
بلع ريقه.
ونظر مباشرة إلى الملف الموجود في يد ياسر.
ثم قال
نفس الملف ده بالضبط.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
ثم أضاف بصوت مرتجف
والراجل قبل ما يهرب قال إن الحقيقة اللي جواه مش كاملة... وإن فيه ورقة ناقصة لو ظهرت، حياتنا كلنا هتتغير.
في تلك اللحظة، نظر الرجل العجوز إلى مصطفى بصدمة.
وقال
ورقة ناقصة؟!
ثم شحب وجهه فجأة.
كأنه تذكر شيئًا نسيه منذ سنوات طويلة.
وهمس
يا ساتر... إذا كانت الورقة دي لسه موجودة... يبقى محدش فينا عارف الحقيقة كلها لحد دلوقتي تبادلنا النظرات في صمت.
حتى مصطفى، اللي من ساعات كان واقف ضد أمه، كان باين عليه خوف حقيقي المرة دي.
الرجل العجوز جلس على أقرب مقعد وكأنه فقد قوته فجأة.
قلت له بحدة
اتكلم. إيه الورقة دي؟
مرر يده على وجهه وقال
زمان... لما بدأت أراجع ملفات المستشفى القديمة، لقيت إشارة لوثيقة واحدة اختفت.
وثيقة إيه؟
رفع عينيه نحوي.
إقرار نسب.
تجمد الجميع.
فاطمة أمسكت طرف الكرسي بقوة.
أما ياسر فبدا عليه الذهول.
قلت بصوت منخفض
يعني إيه إقرار نسب؟
أجاب
يعني الورقة اللي كانت بتحدد هوية الطفل الحقيقية بشكل نهائي.
صمت للحظة ثم أكمل
لكن المشكلة إن الورقة دي ما كانتش تخص طفل واحد...
اتسعت عيني.
تقصد إيه؟
تنهد وقال
في نفس الليلة اللي حصل فيها التبديل... كان فيه أكتر من مولود في نفس القسم.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
لا...
لا يمكن.
نظر الرجل العجوز إلى ياسر ثم إلى
وقال ببطء
الملفات أثبتت إن في طفل اتبدل.
ثم أشار إلى الوثائق.
لكنها ما أثبتتش مين فيهم الطفل الأصلي بشكل قاطع.
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
كأن الهواء نفسه توقف.
فاطمة همست
يعني... ممكن...
لم تستطع إكمال الجملة.
لكننا فهمناها جميعًا.
ممكن يكون ياسر ابنها.
وممكن لا.
وممكن تكون الحقيقة أعقد مما نتخيل.
وفجأة...
رن هاتف ياسر.
نظر إلى الشاشة.
ثم عقد حاجبيه.
رقم غريب.
رد على المكالمة.
استمع لثوانٍ فقط.
ثم تغير لون وجهه تمامًا.
إيه؟!
قفزنا جميعًا من أماكننا.
أغلق الهاتف بيد مرتعشة.
قلت
في إيه؟
نظر إلينا واحدًا واحدًا.
ثم قال
المتصل كان من دار محفوظات قديمة في القاهرة.
وبعدين؟
بلع ريقه.
قالوا إنهم لقوا صندوقًا مغلقًا باسم المستشفى.
إيه المشكلة؟
أجاب بصوت خافت
الصندوق مكتوب عليه لا يُفتح إلا بحضور الحاج عبد الحميد وفاطمة.
تجمدت في مكاني.
لأن الصندوق كان مؤرخًا قبل سبعة وثلاثين سنة.
أي قبل أن أعرف أصلًا أن هذا السر موجود.
وفي أسفل بطاقة الصندوق كانت جملة واحدة بخط يد مهتز
الحقيقة الكاملة موجودة هنا... لكن قد تتمنون بعد قراءتها أنكم لم تفتحوها أبدًا في صباح اليوم التالي، لم ينم أحد منا.
أنا وفاطمة وياسر وحتى مصطفى.
الصدمة كانت أكبر من أي خلاف أو أسرار عرفناها قبل كده.
سافرنا إلى القاهرة فورًا، إلى المبنى القديم اللي كانت فيه دار المحفوظات.
المكان كان أشبه بمتحف منسي.
سلالم رخام باهتة، ودواليب حديد صدئة، وملفات عمرها عشرات السنين.
استقبلنا مدير الدار بنفسه.
وقال وهو يناولني سجلًا للتوقيع
الصندوق مقفول من سنة 1989. محدش فتحه من يومها.
وقعت باسمي.
وفاطمة وقعت.
ثم أخذنا إلى غرفة صغيرة.
وفي منتصفها كان الصندوق.
خشبي.
قديم.
وعليه أقفال صدئة.
شعرت بأنفاسي تثقل.
مدير الدار كسر الأقفال.
ثم فتح الغطاء ببطء.
كلنا اقتربنا.
في الداخل كانت هناك ملفات وصور وأشرطة كاسيت قديمة.
وفوقهم ظرف كبير مكتوب عليه بخط واضح
إلى عبد الحميد وفاطمة.
ارتجفت يد فاطمة وهي تفتحه.
في
بدأت أقرأها بصوت مرتفع
إذا وصلتكم هذه الرسالة، فمعنى ذلك أنني مت قبل أن أستطيع الاعتراف بالحقيقة بنفسي...
توقف قلبي للحظة.
التوقيع في أسفل الرسالة كان اسم مدير المستشفى القديم.
أكملت القراءة
لم يكن ما حدث مجرد تبديل أطفال بالخطأ. كانت هناك شبكة كاملة تتاجر في ملفات المواليد وتزور السجلات.
شهقت فاطمة.
وأكملت
لكن يوجد طفل واحد لم أستطع تحديد هويته النهائية لأن شخصًا مجهولًا قام بتغيير السجلات للمرة الثانية بعد الحادثة الأولى.
سقط الصمت على الغرفة.
ثم وجدت ظرفًا أصغر داخل الرسالة.
فتحته.
وكانت بداخله صورة.
صورة لرجل أعرفه جيدًا.
تجمدت.
ياسر تجمد.
فاطمة أيضًا.
أما مصطفى فاقترب لينظر.
ثم همس
مستحيل...
الصورة كانت لشخص واحد فقط.
لكن المفاجأة لم تكن في الصورة.
بل في الاسم المكتوب خلفها.
اسم لم يكن ياسر.
ولم يكن مصطفى.
كان اسمًا ثالثًا لم نسمع به من قبل.
شخص مجهول تمامًا.
وفي أسفل الاسم عنوان قديم في إحدى قرى الدلتا.
وفوق العنوان عبارة قصيرة
هذا هو المفتاح الحقيقي للقصة.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت للجميع.
إذا كانت الرسالة صحيحة...
فربما لا ياسر هو الابن المفقود.
ولا مصطفى له علاقة بالتبديل أصلًا.
وربما كانت الحقيقة كلها تدور حول ذلك الاسم الغامض الذي ظهر من قلب صندوق ظل مغلقًا سبعة وثلاثين عامًا خرجنا من دار المحفوظات والملف في إيدي، وكل واحد فينا غارق في أفكاره.
الاسم المكتوب خلف الصورة كان
محمود السيوفي.
والعنوان في قرية صغيرة بالدقهلية.
ركبنا العربية وسافرنا فورًا.
طوال الطريق، لم يتكلم أحد.
حتى مصطفى كان ساكتًا بشكل غريب.
ولأول مرة منذ زمن، لم يكن يبدو متكبرًا أو مدللًا.
كان خائفًا.
وصلنا القرية بعد العصر.
سألنا عن العنوان.
لكن أول مفاجأة قابلتنا كانت أن البيت المذكور لم يعد موجودًا.
مكانه أرض فضاء.
اقترب منا رجل عجوز كان يجلس أمام دكان قديم.
وقال
إنتوا بتدوروا على بيت الحاج محمود؟
اتجهت إليه بسرعة.
أيوة.
هز رأسه بحزن.
متأخرين عشر
شعرت بانقباض في صدري.
مات؟
لا.
أمال إيه؟
أشار إلى الأرض الفارغة.
البيت اتحرق.
ساد الصمت.
ثم أكمل
بس الغريب إن الحريق حصل بعد يوم واحد بس من زيارة ناس جايين من القاهرة.
تبادلنا النظرات.
سألته
مين الناس دي؟
رفع كتفيه.
محدش عرف.
ثم أضاف
لكن الحاج محمود كان متوقع إن حد ييجي يدور عليه يومًا ما.
اتسعت عيناي.
إزاي؟
ابتسم العجوز ابتسامة غامضة.
ودخل إلى الدكان.
ثم عاد بعد دقيقة وهو يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
وقال
ساب ده عندي من سنين.
وقال لو جه واحد اسمه عبد الحميد يسأل عليه... أسلمهوله.
تجمدت مكاني.
حتى فاطمة شهقت.
أخذت الصندوق ببطء.
كان مقفولًا بمفتاح صغير.
لكن فوق الغطاء كانت ورقة صفراء.
عليها جملة واحدة
إذا وصل الصندوق إلى عبد الحميد، فمعنى ذلك أن الخطر رجع من جديد.
شعرت ببرودة في ظهري.
نظرت إلى العجوز.
أي خطر؟
لكن الرجل هز رأسه.
معرفش.
فتحنا الصندوق.
في الداخل كان يوجد دفتر مذكرات قديم.
وصورة.
وشريط كاسيت.
أخذت الصورة أولًا.
وما إن نظرت إليها حتى شعرت بالأرض تهتز تحت قدمي.
لأن الصورة كانت تجمع ثلاثة أشخاص واقفين أمام المستشفى قبل سبعة وثلاثين عامًا.
الأول مدير المستشفى.
الثاني الرجل الموجود في الصورة التي وجدناها بالصندوق القديم.
أما الثالث...
فكان شخصًا أعرفه جيدًا جدًا.
شخصًا كنت أراه كل أسبوع تقريبًا.
شخصًا ما زال حيًا حتى اليوم.
رفعت الصورة أمام فاطمة.
فشهقت بقوة.
أما مصطفى فتراجع خطوة للخلف.
لأن الشخص الثالث لم يكن غريبًا.
كان المحامي الخاص بعائلتنا.
الرجل الذي كان يدير أوراقنا وأعمالنا منذ أكثر من ثلاثين سنة.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
وكان المتصل...
المحامي نفسه ظل الهاتف يرن في يدي.
اسم المحامي منور على الشاشة.
الأستاذ كمال.
الرجل الذي كنت أعتبره فردًا من العائلة.
الذي حضر عقد زواجي.
وكتب وصيتي.
وأشرف على كل أوراق شركتي لعشرات السنين.
نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
ثم ضغطت زر الرد.
ألو.
جاءني صوته هادئًا كعادته
مساء الخير
مساء النور.
سكت لحظة.
ثم قال
فتحت الصندوق؟
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
التفت الجميع نحوي.
إنت عرفت منين؟
جاءني صوته هذه المرة مختلفًا.
أثقل.
وأقدم.
وكأنه تعب من حمل سر طويل.
لأنني كنت مستني اللحظة دي من سبعة وثلاثين سنة.
ساد الصمت.
حتى العجوز
متابعة القراءة