اختي الي انقذتني من الحريق

لمحة نيوز

اسمي عمر.
ومن يوم ما فتحت عيني على الدنيا وأنا عارف إن ليا أخت واحدة اسمها مريم.
مريم كانت أكبر مني بستاشر سنة، لكنها عمرها ما عاملتني كأخ صغير. كانت دايمًا بتعاملني كأني ابنها.
أبويا وأمي ماتوا في حريق ضخم وأنا لسه رضيع عندي كام شهر. دي كانت الحكاية اللي اتربيت عليها طول عمري.
كانوا يقولوا إن مريم هي اللي دخلت وسط النار وأنقذتني، وإنها خرجت وهي شايلاني على صدرها بينما البيت كله بيتحول لرماد.
من يومها وهي رفضت تتجوز.
اشتغلت في الخياطة، وسهرت الليالي عشان تقدر تصرف عليا وتدخلني أحسن مدارس.
كبرت وأنا شايف تعبها قدام عيني.
لكن كان فيه حاجة غريبة.
كل ما أسألها عن ماضيها، كانت تتهرب.
كل ما أجيب سيرة أبويا وأمي، كانت عينيها تلمع بالدموع وتغير الموضوع.
وكل ما أسألها ليه ما اتجوزتيش، تبتسم وتقول
نصيبي كان مكتوب في حتة تانية يا عمر.
عمري ما فهمت تقصد إيه.
لحد ما وصلت لأربع وعشرين سنة.
في يوم كنت بدور على أوراق قديمة عشان أطلع لها تأشيرة عمرة كمفاجأة.
فتحت درج مقفول في أوضتها.
لقيت صورة قديمة.
الصورة كانت لمريم بفستان أبيض بسيط، واقفة جنب شاب وسيم بيبتسم للكاميرا.
خلف الصورة مكتوب بخط إيدها
يوم كتب كتابي على أحمد.
وقفت مكاني مصدوم.
كتب كتاب؟
إزاي؟
مريم عمرها ما قالت إنها اتجوزت.
قلبت في باقي الأوراق.
لقيت عقد زواج رسمي موثق.
اسم الزوج أحمد السيوفي.
تاريخ الزواج قبل ولادتي بعام تقريبًا.
لكن الغريب إن بعد العقد مباشرة مفيش أي ورقة تانية تخص الراجل ده.
كأنه اختفى من الوجود.
وسط الأوراق لقيت خطاب قديم متطبق.
فتحته.
وكان آخر سطر فيه
مسافر برة مصر يومين بس وأرجعلك يا مريم... أوعدك هرجع قبل ما ابننا يشوف النور.
ابننا؟
إيدي بدأت ترتعش.
ابننا مين؟
أنا؟
جريت بعيني على تاريخ الخطاب.
كان قبل ولادتي بشهور.
في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها بتنهار حواليا.
مين أحمد؟
وليه اختفى؟
وليه مريم

خبت جوازها عني؟
وليه كانت طول عمرها بتقول إنها أختي؟
لكن الصدمة الأكبر كانت مستنياني في آخر الصندوق.
دفتر مذكرات صغير.
أول صفحة فيه كانت مكتوب عليها
لو عمر قرأ الكلام ده يومًا ما... يبقى السر اللي دفنته أربع وعشرين سنة خرج للنور أخيرًا.
وبمجرد ما فتحت الصفحة التالية، لقيت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
الحريق ماكانش حادث... واللي ولعه كان واحد من أهلنا وقعت المذكرة من إيدي.
فضلت أبص للجملة كأنها مكتوبة بلغة تانية.
الحريق ماكانش حادث.
واللي ولعه كان واحد من أهلنا.
قلبي كان بيدق بعنف.
رجعت أقلب الصفحات بسرعة.
لكن أغلبها كان مقطوع.
حد شال صفحات كاملة من النص.
مفيش غير صفحة واحدة فاضلة بعدها.
أحمد اكتشف الحقيقة قبل سفره بأسبوع. قال لي لازم نهرب بعيد قبل ما يحصل مصيبة. لكننا اتأخرنا.
قفلت الدفتر وأنا حاسس إن الأوضة بتضيق عليا.
مين أحمد؟
وإيه الحقيقة اللي اكتشفها؟
وليه حد قطع باقي الصفحات؟
في الليلة دي مقدرتش أنام.
ولأول مرة في حياتي بصيت لمريم بعين مختلفة.
لما رجعت من الشغل كانت مرهقة كعادتها.
ابتسمت أول ما شافتني.
لكن الابتسامة دي خلتني أوجع أكتر.
فضلت أراقبها وهي بتحضر العشا.
كل حركة منها كانت طبيعية.
كأنها مش شايلة سر يقدر يهدم حياة كاملة.
بعد يومين أخدت أجازة وسافرت البلد القديمة من غير ما أقولها.
البيت اتحرق واتشال من سنين.
لكن الأرض لسه موجودة.
ولقيت الراجل الوحيد اللي كان عايش وقت الحادث.
عم حسين البواب.
كان عجوز قرب التسعين.
أول ما قلتله اسمي، وشه شحب.
وسكت ثواني طويلة.
بعدها قال
أنت كان المفروض تموت معاهم.
حسيت جسمي كله بيتجمد.
سألته يقصد إيه.
بص حواليه بخوف غريب.
وقال بصوت واطي
في ناس دفعت فلوس زمان عشان الحقيقة ما تطلعش.
وقبل ما يكمل، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
الراجل اتوتر فجأة.
وقام يقفل الباب.
وقال وهو بيرجف
امشي يا ابني... لو عرفوا إنك جيت هنا هيعرفوا
إنك بدأت تدور.
خرجت وأنا مش فاهم حاجة.
لكن قبل ما أركب العربية، نادى عليا.
جريت ناحيته.
طلع من جيبه مفتاح قديم أسود من الصدأ.
وحطه في إيدي.
وقال
ده مفتاح المخزن اللي ورا البيت المحروق... محدش فتحه من يوم الحادث.
وصلت للمكان قبل المغرب.
المخزن كان شبه منهار.
والتراب مغطي كل حاجة.
بصعوبة فتحت الباب.
ريحة الرطوبة ضربت وشي.
نورت كشاف الموبايل.
وبدأت أمشي بين الكراكيب القديمة.
وفجأة لمحت صندوق حديد كبير في الركن.
كان عليه نفس اسم جدي.
فتحت الغطا.
لقيت ملفات.
وصور.
وجرنال قديم.
لكن الحاجة اللي خلت رجلي تضعف كانت صورة في ظرف أصفر.
الصورة كانت لأمي... أو اللي كنت فاكر إنها أمي.
واقفة جنب مريم.
وبينهم طفل رضيع.
أنا.
خلف الصورة كان مكتوب تاريخ قبل الحريق بشهر.
يعني أمي كانت عايشة بعد ما اتولدت.
وده معناه إن القصة كلها كدب.
مش بس جزء منها.
كلها فضلت ماسك الصورة بإيدي ومش قادر أبعد عيني عنها.
التاريخ واضح.
والوجوه واضحة.
مفيش مجال للشك.
أمي كانت عايشة بعد ولادتي.
يبقى مين اللي مات في الحريق؟
وليه مريم قالتلي طول عمري إن أبويا وأمي ماتوا سوا؟
قلبت باقي الصور بسرعة.
كل صورة كانت بتزود الأسئلة.
لحد ما لقيت صورة جماعية للعيلة كلها.
لكن الغريب إن فيه شخص متشطب على وشه بقلم أسود.
مش مجرد شخبطة.
حد كان متعمد يمحي ملامحه تمامًا.
وتحت الصورة مكتوب بخط قديم
الخاين اللي ضيعنا كلنا.
حسيت بقشعريرة.
فتحت الملف اللي جنب الصور.
كان عبارة عن محاضر قديمة وأوراق ملكية لأراضي وعقارات.
اسم جدي متكرر في كل ورقة.
واضح إنه كان راجل غني جدًا.
وأثناء تقليب الأوراق وقعت ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
كانت رسالة قصيرة.
لو حصلي حاجة، افتحوا الخزنة اللي تحت السلم. فيها الدليل كله.
بصيت حواليّ.
المخزن فاضي.
لكن افتكرت البيت القديم.
تحت السلم.
نفس المكان اللي اتحرق.
خرجت أجري.
وصلت للأرض قبل ما الليل يدخل.
بقيت
أدور وسط بقايا الأساسات المهدومة.
ساعة ورا ساعة.
لحد ما خبطت رجلي في حاجة معدنية تحت التراب.
ركعت بسرعة.
وبدأت أحفر بإيدي.
كل ما أشيل تراب، يظهر جزء أكبر.
لحد ما ظهر باب حديد صغير مدفون بالكامل.
قلبي كان هيقف.
بعد مجهود طويل قدرت أفتحه.
السلم نازل لتحت.
أربع وعشرين سنة محدش قرب منه.
نزلت درجة درجة.
والهواء كان تقيل بشكل غريب.
وصلت لقبو صغير.
وفي آخره خزنة حديد ضخمة.
المفتاح اللي اداهولي عم حسين دخل فيها من أول محاولة.
اتفتح الباب بصوت مزعج.
وفي الداخل كان فيه صندوق واحد.
فتحته.
لقيت عشرات الأشرطة القديمة.
ودفتر أحمر.
وتسجيل صوتي مكتوب عليه
يفتح فقط لو عمر عرف الحقيقة.
اسمي.
مكتوب باسمي.
كأن حد كان عارف إني هاجي هنا يومًا ما.
إيدي كانت بترتعش وأنا بحط الشريط في جهاز التسجيل القديم الموجود جنب الصندوق.
ثواني من التشويش.
وبعدين ظهر صوت راجل.
صوت عمري ما سمعته قبل كده.
لكن لسبب مش مفهوم حسيت إنه قريب مني.
قريب جدًا.
وبعدين قال
يا عمر... لو بتسمعني دلوقتي، يبقى أنا غالبًا أبوك مددت إيدي ناحية الملف الأسود.
كل حاجة جوايا كانت بتقولي افتحه.
وكل حاجة تانية كانت خايفة من اللي هلاقيه.
فتحت الغلاف ببطء.
أول ورقة كانت تقرير مستشفى.
اسم المريضة مريم عبد الرحمن.
تاريخ الدخول قبل الحريق بثلاثة أيام.
سبب الدخول إصابة نتيجة اعتداء.
اتسعت عيني.
قلبت الصفحة التالية.
محضر شرطة.
وفيه أقوال مريم.
لكن نصف الكلام متشطب بحبر أسود.
والجزء الوحيد الواضح كان
سمعته بيقول إنه لو عبد الرحمن غير الوصية، البيت كله هيولع.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
واصلت القراءة.
وجدت رسالة قصيرة بخط يد جدي.
لو حصل لي شيء، ثقوا في مريم. هي الوحيدة التي عرفت الحقيقة كاملة.
توقفت.
الحقيقة كاملة؟
يعني مريم كانت تعرف كل شيء منذ البداية؟
وفي آخر الملف وجدت ظرفًا مغلقًا.
كان عليه اسمي.
فتحته بسرعة.
داخله ورقة واحدة.

يا عمر، لو وصلت للورقة دي قبل ما أكلمك بنفسي، اعرف إن الوقت انتهى.
كانت الرسالة موقعة باسم مريم.
تابعت القراءة.
أنا لم أكذب عليك لأؤذيك. كنت أحاول أحميك. لأن الشخص الذي تسبب في الحريق لم يختفِ أبدًا.
ازدادت دقات
تم نسخ الرابط