اختي الي انقذتني من الحريق
لم تنكر.
وده كان كفاية.
تراجعت خطوة للخلف.
كأن الأرض نفسها بقت غريبة عني.
كنتِ عارفة؟
سكتت.
والسكوت كان أقسى من أي إجابة.
في اللحظة دي خطف يوسف الملف البني وحاول يجري ناحية الممر السري.
لكن قبل ما يتحرك خطوتين، دوى صوت رصاصة.
الملف وقع من إيده.
والجميع التفت ناحية مصدر الصوت.
وقف رجل عند مدخل القبو.
شعره أبيض.
ملامحه مرهقة.
لكن عينيه...
عينيه كانوا نفس عيني.
تمامًا.
حدق فيّ لثوانٍ طويلة.
ثم قال بصوت مكسور
كبرت يا عمر.
شعرت أن قدمي فقدتا الإحساس.
مريم أجهشت بالبكاء.
ويوسف شحب وجهه.
أما أنا فكنت عاجزًا عن الكلام.
الرجل نزل السلم ببطء.
وكأنه شايل عمرًا كاملًا فوق كتفيه.
وقف أمامي مباشرة.
وقال
أنا أبوك.
لم أعرف كم مر من الوقت.
ثانية؟
دقيقة؟
ساعة؟
كل شيء كان ضبابيًا.
ثم مد يده ناحيتي.
وفي يده خاتم فضة قديم.
نفس الخاتم الموجود في الصورة اللي لقيتها يوم فتحت الصندوق.
قال
احتفظت بيه عشان اليوم ده.
كنت أريد أن أسأله ألف سؤال.
لكن سؤالًا واحدًا خرج أولًا
ليه سبتني؟
أغمض عينيه.
وكأن الجملة طعنته.
ثم قال
أنا ما سبتكش.
فتح الملف البني.
وأخرج مجموعة أوراق وصور.
ثم وضع صورة أمامي.
كانت صورة لرجلين.
أحدهما أبي.
والآخر...
مديري السابق في الشركة.
يوسف.
لكن الصورة لم تكن حديثة.
كانت منذ خمسة وعشرين سنة.
وخلفها عبارة واحدة
الشاهدان الوحيدان.
نظرت إلى يوسف بعدم فهم.
فقال أبي
يوسف مش عدوك.
التفتنا جميعًا نحوه.
وأكمل
ولا أبوه هو اللي ولع الحريق.
شعرت أن رأسي سينفجر.
كل حقيقة أكتشفها تنقلب بعدها بدقائق.
أشار أبي إلى آخر ورقة في الملف.
كانت صفحة من مذكرات جدي.
لكنها الصفحة التي كانت ممزقة من دفتر مريم.
الصفحة المفقودة منذ البداية.
أمسكتها بسرعة.
وعندما قرأت أول سطر فيها، شعرت ببرودة تسري في جسدي كله
الشخص الذي خطط للحريق لم يكن من خارج العائلة...
توقفت أنفاسي.
وأكملت القراءة.
...بل كان يعيش معنا في نفس البيت، ويأكل على نفس المائدة.
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى أبي.
ثم إلى مريم.
ثم إلى يوسف.
وأخيرًا وقعت عيناي على الاسم المكتوب أسفل الصفحة.
الاسم الذي أخفاه
الاسم الذي لم يتوقعه أي أحد.
وكان
عبد الرحمن.
اسم جدي سكت المكان كله.
حتى صوت الانفجارات في الخارج بقى بعيد كأنه مش من نفس العالم.
عبد الرحمن.
اسم جدي.
اللي طول عمري كنت أفتكره الضحية.
اللي كان المفروض يكون رمز العيلة والحماية.
اللي كل الحكايات بدأت وتنتهي عنده.
بصيت لأبي بصدمة
يعني إيه؟
مريم وقعت على ركبتها لأول مرة من ساعة ما شفتها ماسكة السلاح.
والدموع نزلت من غير صوت.
قال أبي بصوت مكسور
جدك ما كانش مجرد ضحية... كان هو اللي فتح الباب للناس دي يدخلوا البيت.
يوسف صرخ لأول مرة بصوت حقيقي، مش غضب... انهيار
أنت كداب!
لكن أبي حط الورق قدامه.
دي تسجيلات بخط إيده. ودي اعترافاته.
مسك الورق كأنه نار.
وقرأته بعينيه.
ومع كل سطر، ملامحه كانت بتنهار.
مريم بصتلي وقالت بصوت مكسور
أنا ما كنتش عايزة أقولك... كنت عايزة تفضل شايف العيلة كأنها ضحية بس.
بصيت لها.
سنين من الحب والتضحية.
وسنين من الكذب.
بس مش كذب عادي...
كذب لحماية طفل.
يوسف فجأة رمى السلاح على
وقال بصوت واطي
أنا طول عمري فاكر إن أبويا اتقتل ظلم... وهو كان شريك.
سكت.
ثم كمل
أنا جيت أدور على حقي... وطلعت بدور على جريمة أبويا.
في اللحظة دي، السقف انهار جزء منه.
والممر السري اللي كان مفتوح بدأ يقفل بسبب الانفجارات اللي فوق.
أبي مسك إيدي
مفيش وقت.
مريم قامت بسرعة ومسكت ملف صغير.
وقالت
لو خرجنا من هنا لازم الحقيقة دي ما تندفنش تاني.
بصيت حوالي.
كل واحد فينا شايل جزء من الحقيقة.
لكن ولا واحد فينا شايل راحة.
الجميع بدأ يجري ناحية الممر السري.
الأرض كانت بتتهز.
والنار بدأت تقرب من القبو القديم تاني.
بس قبل ما ندخل الممر، بصيت ورايا.
وشفت صورة معلقة على الحيطة كانت لسه واقفة.
صورة للعيلة كلها.
مقطوعة من النص.
كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
خرجنا من الممر على أطراف المدينة.
وكان الفجر بيطلع.
لكن مفيش أي إحساس بالنجاة.
لأن الحقيقة اللي خرجت معانا كانت أثقل من أي نار.
مريم وقفت تبص للسماء وقالت
الحريق الأول خلّص جسد العيلة... والحريق ده خلّص اسمها.
أبي بص
وأنت يا عمر... هتختار تعيش بأي حقيقة؟
بصيت لهم كلهم.
ومع أول شعاع شمس، فهمت إن القصة ما خلصتش.
هي بس بدأت من جديد.
بس المرة دي...
من غير أكاذيب.