اختي الي انقذتني من الحريق
المحتويات
قلبي.
هو عاش بيننا سنوات طويلة. وغير اسمه أكثر من مرة.
نزلت بعيني للسطر التالي.
وتجمدت.
وأنت قابلته أكثر مما تتخيل.
في نفس اللحظة سمعت صوت باب القبو يُفتح في الأعلى.
صوت خطوات ثقيلة بدأت تنزل السلم.
درجة...
ثم درجة أخرى...
ثم درجة ثالثة.
أغلقت الملف بسرعة ورفعت رأسي.
الخطوات كانت تقترب.
والضوء القادم من أعلى السلم انحجب فجأة.
كأن شخصًا وقف عند المدخل.
ثم جاء صوت رجل هادئ
كنت أعرف إنك هتوصل للحقيقة يا عمر.
عرفت الصوت فورًا.
كان صوت مديري.
الشخص الذي كنت أعمل معه كل يوم منذ ثلاث سنوات.
والأخطر من ذلك...
أنه كان يحمل في يده الصورة القديمة نفسها التي وجدتها في المخزن.
وقال وهو ينظر إليّ مباشرة
قبل ما تسمع أي حاجة عني... لازم تعرف إن مريم ما قالتلكش أهم سر في حياتك اتجمدت في مكاني.
الصوت كان هادي، لكنه مليان خوف.
أنا أحمد... أبوك. ولو التسجيل ده وصلك، يبقى في حاجات كتير اتقالتلك غلط.
سمعت نفسي وأنا باخد نفسي بصعوبة.
كمل الكلام
أنا ما سافرتش بإرادتي. يوم ما خرجت من البيت كنت رايح أقابل شخص هددني. كان عارف سر كبير يخص عيلتنا.
صوت التشويش زاد ثواني، ثم رجع أوضح.
أبوك الكبير... جدك عبد الرحمن... كان ناوي يغير كل الورث
شددت على الجهاز بإيدي.
الشخص ده كان مستعد يعمل أي حاجة عشان يمنع القرار ده. أي حاجة.
وفجأة انقطع التسجيل.
صوت طرقعة.
ثم صراخ بعيد.
ثم انتهى الشريط.
فضلت قاعد في القبو مش مستوعب.
فتحت الدفتر الأحمر بسرعة.
أول صفحة كانت عبارة عن شجرة عيلة كاملة.
كل الأسماء موجودة.
إلا اسم واحد.
مكانه فاضي.
ومتكتب تحته
لا تذكروا اسمه أمام عمر.
قلبت الصفحة.
لقيت صورة حديثة نسبيًا.
اتصورت بعد الحريق بسنين.
وفيها رجل واقف وسط مجموعة من الناس.
أول ما شفت وشه حسيت إني أعرفه.
حسيت إني شفته قبل كده.
وبعدين افتكرت.
مديري في الشركة.
نفس الملامح.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
لكن الصورة دي عمرها أكتر من عشرين سنة.
إزاي؟
فتشت خلف الصورة.
كان مكتوب
يوسف... عاد باسم جديد.
بدأ العرق ينزل من جبيني.
مديري اسمه سامح.
عمره في الأربعينات.
لكن الراجل في الصورة كان اسمه يوسف.
وليه مكتوب عاد باسم جديد؟
طلعت هاتفي وفتحت صورة جماعية من الشركة.
كبرت صورة المدير.
وقارنتها بالصورة القديمة.
نفس الشخص.
من غير أي شك.
وفي اللحظة دي رن هاتفي.
رقم مجهول.
رديت.
ثواني صمت.
ثم جاء صوت امرأة تبكي.
صوت أعرفه جيدًا.
مريم.
لكنها لم تكن تعلم أنني أسمعها.
كانت تتحدث مع شخص آخر.
وقالت جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
عمر عرف مكان القبو... لازم نوصله قبل ما يشوف الملف الأسود.
ثم أغلقت المكالمة.
نظرت حولي بسرعة.
وسط الصندوق كانت هناك ملفات كثيرة.
أزرق.
أحمر.
أصفر.
وفي القاع تمامًا...
ملف أسود كبير.
مكتوب عليه بخط عريض
الحقيقة التي أخفيناها عن عمر منذ يوم ولادته اتسعت عيناي وأنا أبص لمريم.
أول مرة أشوفها ماسكة سلاح.
أول مرة أشوف الخوف على وشها بالشكل ده.
لكن اللي صدمني أكتر إنها ما كانتش موجهة المسدس ناحيتي.
كانت موجهته ناحية يوسف.
قالت بصوت مرتجف
ابعد عنه.
يوسف ضحك ضحكة قصيرة.
لسه بتخبّي الحقيقة بعد كل السنين دي؟
مريم نزلت آخر درجة.
وعينيها ما فارقتنيش لحظة.
عمر... تعال عندي.
مكانش عندي فكرة أصدق مين.
الست اللي ربتني وضحت بعمرها عشاني؟
ولا الراجل اللي ظهر فجأة ومعاه أسرار عمرها أربع وعشرين سنة؟
يوسف مد إيده ناحيتي.
اسألها عن ليلة الحريق.
سكت المكان كله.
حتى أنفاسي.
ومريم أغمضت عينيها للحظة.
كأنها كانت عارفة إن السؤال ده هييجي يوم.
ثم قالت بهدوء
أنا فعلاً ولعت النار.
حسيت الدنيا وقفت.
الكلمات ضربتني كأنها صخرة.
لكنها رفعت صوتها بسرعة
ولعتها في أوضة فاضية.
بصيت لها بعدم فهم.
كملت وهي تحارب دموعها
كنت عايزة ألفت انتباه الجيران.
إيه؟
كان فيه ناس جوه البيت جايين يقتلوا أبوك.
تجمدت في مكاني.
قالت وهي تشير إلى يوسف
وأول واحد بينهم كان أبوه.
يوسف صرخ
كدب!
لكن مريم فتحت حقيبتها وأخرجت ظرفًا قديمًا.
رمته على الأرض.
فتحت الأوراق بسرعة.
كانت صورًا.
وصورًا أخرى.
وتقارير قديمة.
وفي إحداها ظهر رجل يشبه يوسف بشكل مرعب.
نفس الملامح.
نفس العينين.
لكن أكبر سنًا.
وخلف الصورة مكتوب
سالم منصور مطلوب للتحقيق.
مريم قالت
أبوك عرف إن أحمد جمع مستندات تدين مجموعة كبيرة من الناس. كانوا بيستولوا على أراضي وميراث ناس ماتوا من سنين.
يوسف سكت.
لأول مرة.
قالت
ليلة الحريق دخلوا البيت يدوروا على المستندات.
وأبويا؟
هربها قبلها بساعات.
فين؟
نظرت إليّ مباشرة.
ثم قالت
مع الشخص الوحيد اللي كان يثق فيه.
في تلك اللحظة اهتز القبو بصوت انفجار قوي في الخارج.
وسقطت أجزاء من السقف.
تحول المكان إلى فوضى.
تراب وحجارة وصراخ.
وقبل أن أستوعب ما يحدث، اندفع يوسف ناحية الأوراق الملقاة على الأرض.
ليس نحوي.
ولا نحو مريم.
كان يريد شيئًا محددًا.
ملفًا صغيرًا بني اللون سقط من داخل الظرف القديم.
خطفه بسرعة.
لكن قبل أن يفتحه، سقطت صورة منه على الأرض.
التقطتها.
ونظرت إليها.
وشعرت أن قلبي توقف تمامًا.
كانت صورة حديثة.
ليست قديمة.
التاريخ مطبوع عليها منذ ستة أشهر فقط.
وفي الصورة...
رجل يقف أمام مسجد في دولة عربية.
شعره أصبح أبيض.
ووجهه أكبر سنًا.
لكنني عرفته من أول نظرة.
لأن ملامحه كانت ملامحي.
وكان مكتوبًا خلف الصورة
أحمد عبد الرحمن ما زال حيًا وقفت مكاني وأنا حاسس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
مديري نزل آخر درجة في السلم وقف قدامي.
ملامحه كانت هادئة بشكل مستفز.
كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
رفع الصورة القديمة وقال
شايف الراجل اللي متشطب على وشه؟
هززت رأسي.
أخرج من جيبه نسخة تانية من نفس الصورة.
نسخة سليمة.
بلا شطب.
وأول ما شفت الوجه...
شهقت.
كان وجه جدي عبد الرحمن.
مش شخص غريب.
مش عدو مجهول.
جدي نفسه.
بصيت له بعدم تصديق.
قال
كل حياتك كنت فاكر إن العيلة ضحية شخص من بره. الحقيقة أصعب من كده.
ورمى قدامي
فتحته بسرعة.
كانت مذكرات بخط جدي.
وفي أول صفحة مكتوب
لو قرأ أحد هذا الدفتر بعد موتي، فليعلم أن أكبر خطأ ارتكبته في حياتي كان شكي في ابنتي مريم.
بدأت أقرأ.
كل سطر كان أثقل من اللي قبله.
جدي اكتشف أن أحمد، زوج مريم، كان يبحث في أوراق قديمة تخص العائلة.
أوراق تثبت أن جزءًا كبيرًا من الأراضي والعقارات لا يخص العائلة أصلًا.
بل يخص شركاء قدامى اختفت حقوقهم منذ عشرات السنين.
وكان هناك أشخاص مستعدين لفعل أي شيء حتى لا تظهر الحقيقة.
رفعت رأسي.
قلت بصوت مرتجف
إنت مين بالضبط؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
أنا يوسف... ابن شريك جدك.
شعرت أن صدري انقبض.
كمل كلامه
أبوك أحمد وصل للحقيقة قبلي. ولما حاول يبلغ الجهات المختصة اختفى.
اختفى.
الكلمة دي ضربتني بقوة.
طول عمري كنت فاكر إنه سافر.
لكن مفيش حد قال إنه رجع.
ولا حد قال إنه مات.
سألته
يعني أبويا عايش؟
سكت.
ثم قال
آخر مرة شفته كانت ليلة الحريق.
وفي اللحظة دي سمعنا صوت سيارة تتوقف فوق.
ثم أصوات أبواب تُفتح بعنف.
يوسف تغير لون وجهه فجأة.
وجرى ناحية السلم.
بص من فتحة الباب العلوية.
ثم رجع بسرعة.
وقال
وصلوا.
مين؟
بصلي مباشرة.
ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
وقال
الناس اللي كانوا بيدوروا على الملف الأسود من أربع وعشرين سنة.
قبل ما أستوعب كلامه، دوى صوت إطلاق نار في الخارج.
ثم صوت زجاج بيتكسر.
ثم صرخة رجل.
يوسف شدني من دراعي ناحية الحائط الخلفي للقبو.
وضغط على طوبة قديمة.
فجأة جزء من الجدار اتحرك ببطء.
وظهر ممر سري ضيق.
نظرت إليه مذهولًا.
قال بسرعة
أبوك هو اللي بناه.
ثم أضاف جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
لأنه كان متأكد إن يومًا ما هيحتاج يهرب منه... مش منهم.
مين؟
لكن يوسف لم يجب.
لأن صوتًا آخر خرج من خلفنا مباشرة.
صوت امرأة.
صوت أعرفه أكثر من أي صوت في الدنيا.
صوت مريم.
قالت من أعلى السلم
متسمعش منه يا عمر...
ثم نزلت خطوة للأمام.
وكان في يدها مسدس وقعت
حسيت إن كل الأصوات حواليا اختفت.
أبويا حي.
الجملة دي كانت أكبر من إني أستوعبها.
أربع وعشرين سنة وأنا عايش على إنه مات.
أربع وعشرين سنة ومريم سايبة قلبي يصدق إنه راح للأبد.
رفعت الصورة قدام مريم.
صوتي خرج مبحوح
كان عايش؟
الدموع لمعت في عينيها.
لكنها
متابعة القراءة