في ليلة فرحنا

لمحة نيوز

في ليلة فرحنا، وأنا بفك سوستة فستان مراتي بالراحة، إيدي وقفت فجأة...
اتجمدت مكاني.
على ضهرها، وعلى جنبها، كانت فيه آثار جروح قديمة... خطوط طويلة ومتقطعة، باين إنها مش مجرد حادثة ولا وقعة.
بصيتلها وأنا حاسس إن قلبي وقع.
قلت بصوت واطي: "مين اللي عمل فيكي كده؟"
جسمها كله اترعش.
وعينيها اتمليت دموع.
وبعد ثواني قالت الكلمة اللي قلبت حياتي:
"جوز أمي..."
فضلت ساكتة شوية، وبعدين انهارت.
قالت إنه من وهي صغيرة وهو بيعذبها ويهددها، وكل ما كانت تحاول تحكي لحد، كان يقولها:
"ولا حد هيصدقك... وهيقولوا إنك بتألفي."
ولما كانت تشتكي لأمها...
أمها كانت تصدقه هو.
أما لما هددته إنها هتفضحه، قالها إنه هيخلي حياتها جحيم، وهيأذي أي حد يقف جنبها.
لفّيت عليها روب، وضميتها لحضني.
كنت مولع من جوايا... لكن صوتي كان هادي.
سألتها:
"هو عمره اعترف بحاجة من اللي عملها؟"
هزت راسها.
وقالت:
"كان بيتصل بيا كل فترة... مش عشان يعتذر... لأ... كان بيتصل يفكرني إنه لسه ماسكني من رقبتي."
بصيتلها وقلت:
"سجلتي المكالمات؟"
رفعت وشها باستغراب.
"إنت عرفت منين؟"
أهلها كانوا فاكريني راجل غلبان... هادي... وماليش في المشاكل.
لكن اللي محدش يعرفه...
إني اشتغلت سنين في جهة رقابية بتحقق في قضايا فساد وغسيل أموال وتهرب ضريبي.
فتحت اللابتوب، ودخلت على فولدر مقفول بباسورد.
وأول ما اتفتح...
لقيت كنز من الأدلة.
تسجيلات صوت.
رسائل واتساب.
إيميلات.
صور.
تحويلات فلوس غريبة.
وتهديدات متكررة.
وفي أكتر من رسالة كان بيهددها إنه هيوقف علاج أمها لو فكرت تنطق بأي كلمة.
وفجأة...
الموبايل رن.
رسالة جديدة وصلت.
"مبروك الجواز... بس فاكرة كويس إيه اللي بيحصل لأي حد يحاول يفضحني."
وشها اصفر في ثانية.
أنا خدت نفس طويل...
بستها على جبينها...
وخرجت البلكونة.
طلعت تليفوني.
واتصلت بشخص كنت شغال معاه زمان.
قلتله:
"أنا محتاج أمر عاجل للحفاظ على الأدلة... عندنا قضية تعذيب... وتهديد... وابتزاز... وفيه شبهة تهرب ضريبي وإخفاء فلوس."
رد عليا فورًا:
"مين؟"
قلت من غير تردد:
"محسن الدمنهوري."
في نفس الوقت...
كان محسن واقف تحت في الفرح، ماسك كاس العصير، وبيضحك مع الناس، وبيحكي إن جوز بنت مراته "طيب زيادة عن اللزوم" ومستحيل يعرف يقف قدامه.
كان فاكر إنه لسه المتحكم في الكل.
وماكانش عنده أي فكرة...
إن مكالمة واحدة بس...
بدأت توقع كل الأبواب اللي كان مستخبي وراها سنين.
نزلت تاني القاعة.
لقيته واقف مستنيني عند السلم.
ابتسم ابتسامة كلها ثقة، وحط إيده على كتفي وقال:
"خلي بالك منها... أصل نرمين طول عمرها بتحب تكبر أي موضوع."
بصيتله في عينه... وابتسمت.
وقلت بهدوء:
"متقلقش... النهارده عرفت الحقيقة... وعرفت كل واحد في العيلة دي على أصله."
ولأول مرة...
الابتسامة اختفت من وشه.

أول مرة... شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
كان بيحاول يداريه بابتسامة مصطنعة، لكنه سحب إيده من على كتفي وقال: "مش فاهم تقصد إيه."
ابتسمت نفس الابتسامة الهادية.
وقلت: "هتفهم قريب."
وسبته ومشيت.
رجعت عند نرمين، كانت واقفة وسط المعازيم بتحاول تبتسم، لكن إيديها كانت بتترعش.
مسكت إيديها.
وقلت: "الليلة دي مش هتبقى نهاية خوفك... الليلة دي بداية حريتك."
بصتلي وكأنها مش مستوعبة.
همست: "أنا خايفة."
قلت: "آخر ليلة هتخافي فيها."
...
بعد الفرح بساعتين...
وصلنا البيت.
أول حاجة عملتها إننا نسخنا كل التسجيلات والصور والرسائل على أكتر من هارد، وبعتنا نسخة للمحامي، ونسخة تانية للجهات المختصة.
كنت عارف إن واحد زي محسن أول ما يشم ريحة الخطر هيحاول يمسح أي دليل.
لكن كان فات الأوان.
التسجيلات كانت واضحة.
صوته وهو بيهدد.
وصوته وهو بيعترف إنه "ولا حد هيصدق بنت صغيرة."
ورسائل بيبتزها بيها سنين.
لكن المفاجأة الأكبر...
كانت ملف مالي كامل.
محسن ماكانش مجرد راجل مؤذي.
كان داخل في عمليات تهرب ضريبي وغسيل أموال، ومسجل جزء كبير من ممتلكاته بأسماء ناس تانيين.
كل ده كان موجود.
ومتوثق.
...
تاني يوم الصبح...
بدأت التحركات.
وصلت أوامر بمنع التصرف في بعض الحسابات لحين الفحص.
وبعدها بساعات...
استدعوه للتحقيق.
في البداية ضحك.
قال إنها مؤامرة.
وإن نرمين مختلة.
وإني أنا اللي محرضها.
لكن المحقق شغل أول تسجيل.
اختفت ابتسامته.
وشغل التاني.
بدأ يعرق.
ولما وصلوا للرسائل...
طلب محامي.
...
في نفس الوقت...
أم نرمين كانت لسه مصدقاه.
دخلت علينا وهي بتصرخ.
"إنتوا بتخربوا بيت الراجل!"
نرمين بصتلها بدموع.
وقالت لأول مرة من غير خوف:
"هو عمره ما كان راجل."
وسمعتها التسجيل.
الدقيقة الأولى...
كانت بتقول إنه مفبرك.
الدقيقة التانية...
وشها بدأ يصفر.
الدقيقة التالتة...
وقعت على الأرض وهي بتعيط.
لأنها سمعت بصوته...
بيعترف إنه كان بيكذب عليها كل السنين.
وبيعترف إنه كان عارف إنها بريئة.
لكنه كان محتاجها تفضل ساكتة.
رفعت وشها لبنتها وهي منهارة.
وقالت:
"سامحيني..."
لكن نرمين ماقدرتش ترد.
وجع سنين ماكانش بيتصلح بكلمة.
...
الأيام عدت.
وكل يوم كانت تظهر ضحية جديدة.
بنت كانت ساكتة.
وشاب كان اتعرض للتهديد.
وموظف كان بيغسل له الفلوس.
كل واحد افتكر إن الوقت جه يتكلم.
والملف كبر.
لحد ما بقى قضية رأي عام.
...
بعد شهور...
صدر الحكم.
عقوبات بالسجن بعد إدانته في الجرائم المثبتة، إلى جانب أحكام وتعويضات وفق ما انتهت إليه المحكمة.
ولأول مرة...
خرج من القاعة مكبل.
من غير حراس بيمشوا وراه.
ولا ناس بتخاف منه.
ولا حد بيبصله بإعجاب.
كان بيمشي لوحده.
مكسور.
...
أما نرمين...
فأول ليلة بعد الحكم...
وقفت قدام المراية.
وشالت شعرها عن ضهرها.
بصت للندوب.
ابتسمت.
وقالت:
"زمان كنت بشوفها دليل على إني ضحية..."
وبعدين بصتلي.
"...دلوقتي بقيت بشوفها دليل إني نجيت."
حضنتها.
وقلت:
"الندوب عمرها ما هتعرف تحكي قد إيه إنتِ قوية."
...
بعد سنة...
رزقنا ربنا ببنت.
وأول ما شلتها بين إيديا...
بصيت لنرمين.
قلت:
"أوعدك بحاجة."
قالت:
"إيه؟"
قلت:
"بنتنا عمرها ما هتكبر وهي خايفة تحكي."
ابتسمت وهي بتبكي.
وقالت:
"وده أكبر انتقام."
لأن أقسى عقاب لأي ظالم...
مش إنه يخسر فلوسه.
ولا نفوذه.
ولا حتى حريته.
أقسى عقاب...
إن الضحية اللي كان فاكر إنه كسرها...
تعيش بعدها حياة مليانة أمان، وحب، وكرامة.
تمت.

تم نسخ الرابط