قدام أكتر من 15

لمحة نيوز

قدام أكتر من 15 مدير ومسؤول في الشركة، جوزي سمح لمديرة مكتبه المقربة إنها تضربني 12 قلم، وقال بمنتهى البرود:

— بعد اللي هيحصل ده، مش عايز أسمع عن الموضوع ده تاني.

أنا ما عيطتش، وما اتخانقتش، ولا حتى حاولت أبرر نفسي.

لمّيت الملف بتاعي من على الأرض، وخلعت دبلة جوازي وحطيتها قدامه على الترابيزة، وبعدين اتصلت بمحاميتي.

تاني يوم الصبح، هو اكتشف ليه 17 براءة اختراع في شركته اتجمّدوا في نفس الوقت...

الجزء الأول

— اتناشر قلم. ولما تخلصي، الموضوع ده يتقفل نهائي.

دي كانت كلمات جوزي، أحمد المنشاوي، قدام أكتر من خمستاشر مدير ومسؤول في شركة المنشاوي للصناعات الدوائية، في اجتماع مجلس الإدارة بمقر الشركة في التجمع الخامس.

كان فيه اتنين من الأمن ماسكين دراعاتي، وداليا شريف، مديرة قطاع التطوير ونائبة أحمد، واللي كانت أقرب واحدة ليه في الشغل بقالها أربع سنين، واقفة قدامي وبتبكي.

أنا أصلًا ما كنتش رايحة أعمل خناقة ولا أواجهه بسبب داليا.

كنت رايحة الشركة ومعايا ملف بني، بعد ما اكتشفت حاجة خطيرة في مشروع توزيع جديد.

فلوس بتطلع على دفعات صغيرة علشان محدش ياخد باله، وشركات موردين أسماء أصحابها مختلفة لكن في الآخر طلع بينهم صلة ببعض، والأسوأ من كل ده إن جزء من الفلوس كان أصله خارج من حساب باسمي أنا.

كنت لسه هفتح الملف وأتكلم...

لكن داليا سبقتني.

بصت لأحمد وهي بتعيط وقالت:

— أنا كل اللي عملته إني اشتغلت لمصلحة الشركة... مش فاهمة ليه مراتك مصممة تحرجني قدام الناس بالشكل ده!

بصيت لأحمد مستنية منه على الأقل يسألني أنا جاية ليه.

لكنه حتى ما مدش إيده للملف.

بصلي وقال:

— إنتي النهارده عديتي كل الخطوط الحمراء.

قلت له بهدوء:

— إنت متأكد من اللي إنت ناوي تعمله؟

رد من غير تردد:

— متأكد جدًا.

وفجأة...

أول قلم نزل على وشي.

رأسي لف ناحية تانية، وسمعت همهمة خفيفة في القاعة.

لكن محدش اتحرك.

القلم التاني...

والتالت...

لحد الخامس.

عند القلم الخامس، معظم الموجودين بقوا بيبصوا في الأرض.

عند القلم التامن، داليا وقفت لحظة كأنها مترددة، وقالت بصوت واطي:

— أحمد... يمكن كفاية كده.

هو ما ردش.

بس بص لها نظرة واحدة.

وهي فهمت.

وكملت.

القلم التاسع...

العاشر...

الحادي عشر...

والقلم التاني عشر خلاني أحس إن ودني الشمال بتزن، وشفت الدم نازل من شفايفي.

لما الأمن ساب دراعاتي، اتسندت على الترابيزة ثواني علشان أستعيد توازني.

كلهم كانوا مستنيين إني أعيط.

أصرخ.

أشتم.

أعمل فضيحة.

لكن أنا ما عملتش أي حاجة من دي.

انحنيت بهدوء، لمّيت الملف اللي وقع مني، وحطيته قدام أحمد.

وبصيت له وقلت:

— تمام.

سكت لحظة، وبعدين كملت:

— من النهارده، كل حاجة تخص الشركة دي... مالهاش علاقة بيا.

واحد من المديرين نزل عينه في الأرض.

واحد تاني بص لأحمد باستغراب.

وأغلبهم افتكروا إني بقول كلام غضب وخلاص.

لكن ممدوح رشدي، المدير المالي للشركة، كان الوحيد اللي وشه اتغير.

كان عارف حاجة هما كلهم ما يعرفوهاش.

أنا خرجت من الشركة من غير ما أقول كلمة زيادة.

في نفس الليلة، رجعت البيت، غسلت الدم اللي كان على شفايفي، ووقفت قدام المراية شوية.

وبعدين بعت 3 رسايل.

أول رسالة كانت لمحاميتي، سلمى حمدي:

«ابدئي الإجراءات اللي اتفقنا عليها.»

الرسالة التانية كانت لمسؤول إدارة الأصول والصندوق العائلي:

«أوقفوا كل التراخيص والضمانات والموافقات المعلقة اللي محتاجة توقيعي.»

والتالتة كانت لمساعدتي:

«وقفي أي تجديد أو عقد جديد محتاج إمضتي.»

بعدها فتحت الدولاب، لمّيت هدومي الأساسية في شنطة.

وبعدين بصيت لدبلة جوازي.

شلتها من إيدي...

وحطيتها على التسريحة.

ومشيت.

أحمد رجع البيت بعد كام ساعة.

ولما لقى الشقة فاضية، ضحك بسخرية.

كان فاكر إني بعمل حركة علشان أخوفه.

بل بالعكس، كان متأكد إني تاني يوم ههدى، وهيرجع يلاقيني مستنياه، ويمكن يجيبلي ورد أو هدية غالية، ونخلص الموضوع.

لكن قبل نص الليل...

موبايله بدأ يرن.

المكالمة الأولى كانت من البنك.

— أستاذ أحمد، تجديد التسهيلات الائتمانية اتوقف مؤقتًا.

اتنرفز:

— يعني إيه اتوقف؟!

قبل ما يفهم، جاله اتصال تاني.

المرة دي من واحد من أكبر الموردين.

— إحنا هنجمّد التوسعة الجديدة للعقد لحد ما الصورة تتوضح.

وبعدها بدقايق...

اتصل شريك أجنبي بالشركة وألغى مراجعة فنية كانت متحددة الصبح.

أحمد بدأ يتوتر.

ولأول مرة من ساعة ما رجع البيت، فتح اللابتوب وقعد يتابع الإيميلات.

الساعة سبعة الصبح بالظبط، ممدوح رشدي، المدير المالي، اتصل بيه.

صوته كان متوتر بشكل واضح.

— أحمد... إنت تقدر توصل لمراتك؟

أحمد اتنهد بضيق.

— مالها؟ هي عملت اللي عملته ومشيت.

ممدوح سكت ثانيتين.

— محتاجين نوصل لها فورًا.

— ليه؟

ممدوح بلع ريقه وقال:

— لأن فيه كذا موافقة أساسية في الشركة... متسجلة باسمها.

أحمد ضحك ضحكة قصيرة مليانة ثقة.

— مراتي؟! دي مالهاش دعوة بإدارة الشركة. إنت عارف كويس إن أنا اللي ماسك كل حاجة.

ممدوح رد بصوت هادي:

— دي بالظبط المشكلة يا أحمد...

سكت لحظة، وبعدين قال:

— دي كانت فكرتك إنت.

أحمد حس بحاجة غريبة في صدره.

فتح درج مكتبه بسرعة، وطلع نسخة من بعض العقود القديمة.

وبدأ يقلب فيها.

اسمها كان موجود.

مرة...

واتنين...

وتلاتة.

لكن اللي صدمه فعلًا...

إن اسمها ما كانش مجرد اسم على ورق.

كان توقيعها هو الضمان القانوني لعدد من أهم التراخيص والاتفاقيات اللي الشركة كلها قائمة عليها.

وفي الوقت اللي 3 إدارات في الشركة كانوا بيوقفوا شغلهم واحدة ورا التانية...

أحمد أخيرًا مد إيده للملف البني اللي كنت حطيته قدامه يومها.

فتحه.

وأول ورقة شافها...

خلّت وشه يشحب.

لأنه اكتشف إن الملف ما كانش مجرد مستندات تثبت مخالفات مالية.

الملف كان فيه حاجة تانية أخطر بكتير...

حاجة لو ظهرت للعلن، مش بس هتوقف الـ17 براءة اختراع.

دي كانت ممكن تغيّر مصير الشركة كلها...

وأحمد وقتها فهم إنه في اليوم اللي سمح فيه بضربي قدام كل الناس...

هو بنفسه كان بيوقّع على أول خطوة في نهايته.

واللي ما كانش يعرفه لسه...

إن الـ17 براءة اختراع ما اتجمّدوش بسبب انتقام مني.

كان فيه سبب قانوني محدد...

وأنا كنت عارفة السبب ده من قبل ما أدخل قاعة الاجتماع أصلًا.

يتبع...

عايزة تعرفي إيه اللي كان مكتوب في آخر ورقة في الملف؟
اقري باقي الحكاية والنهاية الصادمة في أول الساعة كانت لسه تسعة الصبح، لكن مقر شركة المنشاوي للصناعات الدوائية كان شكله كأن كارثة حصلت فيه.

موظفين داخلين خارجين من مكاتبهم بسرعة، تليفونات بترن من غير توقف، ومديرين كبار واقفين في مجموعات صغيرة بيتكلموا بصوت واطي.

أما أحمد، فكان واقف في مكتبه قدام ممدوح رشدي، والملف البني مفتوح بينهم.

قال أحمد بعصبية:

— قولّي بالظبط إيه اللي حصل.

ممدوح حط إيده على أول ورقة.

— الـ17 براءة اختراع دول مرتبطين باتفاقيات ترخيص واستخدام، وبعض الإجراءات النهائية كانت متوقفة على موافقات باسم زوجتك.

أحمد ضرب بإيده على المكتب.

— يعني هي عملت كده علشان تنتقم مني؟

ممدوح هز راسه.

— لأ.

أحمد بص له باستغراب.

— أمال ليه؟

ممدوح قرب الملف منه وقال:

— لأنها كانت بتحاول تمنع كارثة قبل ما تحصل.

سكت أحمد.

ولأول مرة، ممدوح فتح له مستند كان مدسوس بين الأوراق.

— بص هنا.

أحمد أخد الورقة.

كانت عبارة عن كشف تحويلات مالية.

مبالغ صغيرة نسبيًا، لكنها كانت بتتكرر كل أسبوع تقريبًا.

50 ألف.

80 ألف.

120 ألف.

ثم مبالغ أكبر.

والغريب إن كل دفعة كانت بتخرج من شركة مختلفة، لكن في النهاية كانت بتصب في مجموعة شركات مرتبطة بنفس الدائرة.

أحمد رفع عينه.

— وإيه علاقة ده بيا؟

ممدوح قال:

— بص على المستفيد النهائي.

أحمد رجع يبص للورقة.

وتجمد مكانه.

اسم المستفيد النهائي كان اسم شركة لم يسمع عنها من قبل.

لكن عنوانها...

كان نفس عنوان مخزن قديم تابع للشركة.

أحمد قال ببطء:

— مستحيل.

ممدوح رد:

— أنا قلت كده في الأول.

— مين اللي أنشأ الشركة دي؟

ممدوح ما ردش.

أحمد زعق:

— بسألك مين!

ممدوح فتح ورقة تانية.

— هنا المشكلة.

كان فيه صورة من سجل رسمي.

اسم المؤسس كان واضحًا.

وأحمد بمجرد ما قرأه، رجع خطوة لورا.

لأن الاسم كان لشخص كان يثق فيه من سنين.

شخص موجود في الشركة لحد دلوقتي.

لكن قبل ما أحمد ينطق...

باب المكتب اتفتح فجأة.

ودخلت داليا.

وشها كان شاحب.

قالت:

— أحمد... لازم نتكلم لوحدنا.

ممدوح بص لها، وبعدها بص لأحمد.

أحمد قال:

— اتفضلي.

داليا قربت وقالت بصوت منخفض:

— هي عرفت كل حاجة.

أحمد اتوتر.

— مين؟

داليا ردت:

— مراتك.

سكت أحمد.

— عرفِت إيه؟

داليا بصت ناحية الباب تتأكد إن مفيش حد سامع.

وبعدين قالت:

— عرفت إن التحويلات دي مش مجرد تلاعب مالي.

أحمد شد الملف من إيد ممدوح.

— كملي.

داليا قالت:

— التحويلات كانت بتستخدم علشان شراء حقوق ومكونات أساسية مرتبطة بالـ17 براءة اختراع.

ممدوح قاطعها:

— يعني حد كان بيحوّل فلوس الشركة لشركات وسيطة... وبعدها يستخدمها في معاملات تخص براءات الاختراع؟

داليا هزت راسها.

— أيوه.

أحمد حس إن الصورة بدأت تتجمع.

لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يفهمه.

— طيب ليه مراتي تدخلت؟

داليا سكتت.

ثم قالت:

— لأنها كانت صاحبة الحق في الاعتراض.

أحمد بص لها بحدة.

— يعني إيه؟

داليا أشارت للملف.

— لأن بعض الحقوق دي اتسجلت باسمها من سنين.

أحمد تجمد.

— من سنين؟

— أيوه.

— وإنتي كنتي عارفة؟

داليا ما ردتش.

ممدوح تدخل:

— مش بس هي.

أحمد بص له.

ممدوح قال:

— أنا كمان كنت عارف جزء من الموضوع.

أحمد اتعصب:

— وإنت مخبي عني؟!

ممدوح قال بهدوء:

— كنت مستني الوقت المناسب.

أحمد ضحك بسخرية.

— الوقت المناسب كان إمتى؟ بعد ما الشركة تقع؟

ممدوح رد:

— الوقت المناسب كان لما نفهم مين اللي بيحاول يسيطر على حقوق الشركة من ورا ضهرك.

سكت أحمد.

الجملة الأخيرة خلت قلبه يدق أسرع.

— مين؟

ممدوح ما جاوبش.

بدلًا من كده، مد إيده بورقة صغيرة.

— دي كانت آخر حاجة مراتك سابتها لي قبل ما تمشي.

أحمد أخذ الورقة.

كان مكتوب عليها بخط إيدي:

«لو حصل أي حاجة للـ17 ملف، ما تدورش عليا... دور على الشخص اللي عنده مفتاح الأرشيف القديم.»

أحمد رفع عينه بسرعة.

— مفتاح الأرشيف؟

ممدوح هز راسه.

— الأرشيف القديم اتقفل من 6 سنين.

داليا قالت:

— ومحدش بيدخله غير ثلاثة أشخاص.

أحمد سأل:

— مين؟

ممدوح قال:

— إنت.

ثم أشار إلى داليا.

— هي.

ثم قال:

— والشخص الثالث...

وسكت.

أحمد بص له.

— مين الشخص الثالث؟

ممدوح قرب منه وهمس:

— والدك.

ساد الصمت.

أحمد بص له كأنه مش فاهم.

— أبويا متوفي من سبع سنين.

ممدوح قال:

— عارف.

ثم حط قدامه صورة قديمة لمفتاح معدني.

— بس المفتاح اللي بيفتح الأرشيف... اتستخدم امبارح بالليل.

أحمد حس إن الدم انسحب من وشه.

— مستحيل.

ممدوح أشار للتاريخ المسجل على جهاز الدخول.

كان واضحًا:

الساعة 11:47 مساءً.

في نفس الليلة اللي أنا خرجت فيها من البيت.

أحمد قال:

— يعني حد دخل الأرشيف بعد ما أنا رجعت؟

ممدوح هز راسه.

— أيوه.

— بالكارت بتاع مين؟

ممدوح بص له في عينه.

— بكارتك إنت.

أحمد اتجمد.

وأول مرة من بداية الأزمة...

بدأ يشك إن اللي حصل في الاجتماع ما كانش مجرد غضب أو قرار أحمق.

كان فيه شخص آخر بيحرّك الأحداث من البداية.

وفي مكان تاني...

كنت أنا قاعدة قدام سلمى، محاميتي، وحاطة قدامي نسخة من نفس الملف.

سلمى قالت:

— أحمد بدأ يسأل عنك.

رديت بهدوء:

— خليه يسأل.

— وفيه حاجة حصلت لازم تعرفيها.

رفعت عيني لها.

— إيه؟

سلمى حطت موبايلها قدامي.

— حد دخل الأرشيف القديم إمبارح.

بصيت للشاشة.

ولما شفت صورة سجل الدخول...

ما اتفاجئتش.

سلمى استغربت.

— إنتي كنتي عارفة؟

قلت:

— كنت متوقعة.

— مين اللي دخل؟

بصيت لها وقلت:

— الشخص الوحيد اللي كنت خايفة إنه يعرف إن الورقة دي موجودة.

سلمى سألت:

— مين؟

قبل ما أرد، موبايلي رن.

رقم مجهول.

رديت.

جالي صوت رجل كبير في السن، وقال جملة واحدة:

— لو فتحتي آخر صفحة في الملف، أحمد مش هيكون أول واحد يقع.

سكتُّ.

الصوت كمل:

— هيكون أول واحد يعرف الحقيقة.

ثم قفل.

بصيت لسلمى.

قالت:

— مين كان بيتكلم؟

قلت لها:

— مش عارفة.

لكن الحقيقة...

إني كنت عارفة الصوت.

لأني سمعته قبل كده.

من ست سنين.

في اليوم اللي اتوقعت فيه أول ورقة من الـ17 براءة اختراع.في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد شركة أو فلوس.

سلمى كانت لسه مستنية مني أقول لها مين صاحب الصوت، لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت رسالة جديدة على موبايلي.

فتحتها.

كانت صورة.

صورة قديمة جدًا من داخل مقر الشركة.

في الصورة كان أحمد واقف جنب والده، وأمامهم مكتب عليه مجموعة أوراق.

كبرت الصورة.

وقلت:

— استني...

سلمى قربت مني.

— إيه؟

أشرت لزاوية الصورة.

كان فيه شخص واقف في الخلف.

وشه مش واضح، لكن في إيده ملف بني.

نفس الملف اللي كان معايا.

سلمى قالت:

— هو ده الشخص اللي كلمك؟

قلت:

— لأ.

— أمال مين؟

بصيت للصورة مرة تانية.

— الشخص اللي في الصورة مش هو اللي كلمنا.

سلمى اتوترت.

— أومال إيه اللي مخوفك؟

رديت:

— لأن الصورة دي اتصورت من ست سنين.

ثم أشرت إلى التاريخ الموجود أسفلها.

— والملف اللي في إيده كان موجود قبل ما الـ17 براءة اختراع تتسجل رسميًا.

سلمى سكتت.

وبعدين قالت:

— يعني حد كان مخطط للموضوع من البداية؟

هزيت راسي.

— بالضبط.

في نفس اللحظة، وصلني اتصال من ممدوح.

رديت.

صوته كان متوتر:

— لازم تيجي حالًا.

قلت:

— مش راجعة الشركة.

— مش هطلب منك ترجعي.

سكت لحظة، وبعدين قال:

— أنا اكتشفت حاجة في حسابات الشركة.

— إيه؟

— التحويلات اللي في الملف مش بدأت من أربع سنين زي ما كنا فاكرين.

— أمال؟

— بدأت من سبع سنين.

قلبي دق بسرعة.

سبع سنين...

نفس السنة اللي مات فيها والد أحمد.

قلت:

— ممدوح، ابعتلي كل المستندات.

قال:

— ما ينفعش.

— ليه؟

— لأن في حد دخل مكتبي من شوية.

— سرق حاجة؟

— لأ.

صوته نزل أكتر:

— حط حاجة.

سكت.

— إيه؟

قال:

— ظرف أسود.

ثم أغلق المكالمة.

سلمى قالت:

— إنتي هتروحي؟

بصيت لها.

— لأ.

— أمال؟

— هو اللي هيجي لنا.

وبالفعل...

بعد أقل من نصف ساعة، وصل ممدوح إلى المكتب اللي كنت فيه.

دخل وهو ماسك الظرف الأسود.

حطه قدامي.

— محدش لمس الظرف.

فتحته بحذر.

كان جواه مفتاح صغير.

ومعه ورقة واحدة.

فتحت الورقة.

وكان مكتوب:

"المفتاح ده هيفتح المكان اللي أخفوا فيه الحقيقة."

تحت الجملة كان فيه عنوان.

عنوان قديم لمصنع تابع لعائلة المنشاوي.

المصنع اللي اتقفل من سنين.

ممدوح قال:

— المصنع ده مقفول من بعد وفاة والد أحمد.

سألته:

— وأحمد يعرف بالمفتاح؟

قال:

— لو عرف، هيحاول يوصل قبلك.

سلمى بصت لي.

— يبقى لازم نتحرك بسرعة.

لكن قبل ما أقوم...

موبايلي رن.

المرة دي كان أحمد.

بصيت للاسم على الشاشة.

سلمى قالت:

— هتردي؟

قلت:

— أيوه.

فتحت الخط.

صوته كان مختلف.

مافيهوش عصبية.

ولا غرور.

قال:

— أنا عرفت إنك كنتي بتحاولي تحميني.

سكت.

كمل:

— وعرفت إن اللي حصل في الاجتماع كان مبني على معلومات كاذبة.

ما رديتش.

قال:

— بس فيه حاجة أنا مش فاهمها.

قلت:

— إيه؟

قال:

— ليه ما قولتيليش من البداية؟

ضحكت ضحكة قصيرة.

— حاولت.

— إمتى؟

— يوم الاجتماع.

سكت.

قلت:

— بس إنت ما اديتنيش فرصة.

ما ردش.

وبعد ثواني قال:

— أنا محتاج أشوفك.

قلت:

— متأخر.

— الموضوع مش عن جوازنا.

— عارفة.

— الموضوع عن الشركة.

قلت:

— الشركة كانت ممكن تتفادى كل ده لو سمعتني قبل ما تأمر بضربي.

سكت مرة تانية.

ثم قال:

— أنا مستعد أصلح اللي حصل.

رديت:

— الإصلاح مش كلمة يا أحمد.

— أعمل إيه؟

— أول حاجة، ابعد داليا عن أي قرار يخص الملف.

قال فورًا:

— حاضر.

لكن قبل ما أقفل، سمعته يقول:

— وفي حاجة لازم تعرفيها.

وقفت.

— إيه؟

قال:

— داليا مش اللي كانت بتتحكم في الموضوع.

سألته:

— أمال مين؟

قال:

— الشخص اللي كان بيديها التعليمات...

ثم سكت.

— مين يا أحمد؟

جاء صوته منخفضًا:

— واحد من مجلس الإدارة.

قفلت المكالمة.

بصيت لسلمى.

ممدوح كان واقف ساكت.

قلت:

— يبقى عندنا مشكلة أكبر.

ممدوح سأل:

— ليه؟

قلت:

— لأن المصنع القديم مش هو المكان الوحيد اللي فيه مستندات.

فتحت الملف البني.

وقلبت الصفحات بسرعة.

لحد ما وصلت لصفحة كنت مخبياها عن أحمد.

وحطيتها قدامهم.

كان عليها توقيع واحد.

توقيع الشخص اللي كان بيدي داليا التعليمات.

ممدوح أول ما شاف التوقيع...

وشه اتغير.

قال:

— مستحيل.

سألته:

— تعرفه؟

ما ردش.

كررت:

— ممدوح... تعرف التوقيع ده؟

قال بصوت مخنوق:

— ده توقيع رئيس مجلس الإدارة.

رفعت عيني له.

— أحمد؟

هز راسه.

— لأ.

وسكت لحظة.

ثم قال:

— عمه.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر اللي تحت التوقيع.

لأن التوقيع كان موجودًا على مستند مؤرخ...

بعد وفاة الرجل بسنتين.

يعني إما إن التوقيع مزور...

أو إن الشخص اللي المفروض مات من سبع سنين...

كان لسه بيحرك الشركة من بعيد.ممدوح فضل واقف قدام الورقة كأنه مش قادر يستوعب اللي شايفه.

قلت له:

— إنت متأكد إن عم أحمد مات من سبع سنين؟

رد بسرعة:

— أنا حضرت العزا بنفسي.

سلمى قربت من الورقة وقالت:

— يبقى التوقيع مزور.

ممدوح هز راسه.

— مش بالسهولة دي.

بصيت له.

— يعني إيه؟

قال:

— لأن التوقيع ده اتراجع قبل كده في ملف قانوني، واتأكد إنه أصلي.

سكتنا كلنا.

سلمى قالت:

— مستحيل يكون أصلي بعد وفاته.

ممدوح رد:

— وده اللي بيخوفني.

مد إيده للملف وقال:

— لازم نعرف المستند ده اتخزن فين.

قلت:

— في المصنع القديم.

ممدوح بص لي.

— إنتي مصممة تروحي هناك؟

قلت:

— أيوه.

سلمى اعترضت:

— لو الشخص اللي ورا الموضوع لسه بيتحرك، المكان ممكن يكون مراقب.

قلت:

— علشان كده مش هنروح لوحدنا.

خرجنا بعد ساعة.

لكن قبل ما نتحرك، وصلني إيميل من حساب مجهول.

العنوان كان:

"لو عايزة تعرفي الحقيقة، متدخليش المصنع."

فتحت الرسالة.

كان جواها صورة واحدة.

صورة للمصنع القديم من الخارج.

وفي أسفل الصورة كان فيه تاريخ اليوم.

يعني حد كان هناك.

ممدوح شاف الصورة وقال:

— يبقى وصلنا قبله متأخرين.

قلت:

— لأ.

— ليه؟

— لأنه عايزنا نعرف إنه هناك.

سلمى سألتني:

— وإنتي شايفة إيه؟

قلت:

— فخ.

ركبنا العربية، لكن بدل ما نتوجه للمصنع، غيرنا الطريق.

ممدوح قال:

— رايحين فين؟

قلت:

— مكتب التسجيلات القديمة.

— ليه؟

— لأن لو حد بيحاول يمسح أثر المستندات، لازم نعرف النسخة الأصلية كانت فين قبل ما تختفي.

وصلنا بعد حوالي نصف ساعة.

طلبنا سجلات نقل الملفات القديمة.

الموظف طلع لنا دفتر ضخم.

قعدت أقلب الصفحات.

سنة...

ورا سنة...

لحد ما وصلت للسنة اللي مات فيها عم أحمد.

كان فيه سجل لنقل مجموعة مستندات من الشركة إلى مكان تخزين خارجي.

وقفت عند سطر معين.

17 ملف — نقل عاجل — بتصريح من رئيس مجلس الإدارة.

وتحتها رقم التصريح.

ممدوح قال:

— ده نفس رقم التصريح اللي استخدم في نقل ملفات البراءات.

سلمى قالت:

— ومين استلمها؟

بصيت على خانة التوقيع.

كانت فاضية.

قلت:

— مفيش اسم.

ممدوح قال:

— يبقى حد شال الصفحة.

لكن وأنا بقلب الدفتر، وقعت ورقة صغيرة من بين الصفحات.

رفعتها.

كان مكتوب عليها عنوان مخزن.

مش المصنع.

ولا الشركة.

ولا أي مكان نعرفه.

عنوان شقة قديمة.

سلمى قالت:

— دي شقة سكنية.

ممدوح قرأ العنوان، وفجأة سكت.

قلت:

— تعرف المكان؟

رد:

— أيوه.

— لمين؟

رفع عينه لي وقال:

— كانت شقة والد أحمد.

سكتنا.

قلت:

— بس والد أحمد مات.

قال:

— عارف.

— والشقة مقفولة؟

— من يوم وفاته.

بصيت لسلمى.

— يبقى لازم نروح هناك الأول.

في نفس الوقت...

كان أحمد داخل مكتبه.

فتح الكمبيوتر، وبدأ يراجع كاميرات الشركة.

طلب تسجيلات يوم الاجتماع.

ظهر المشهد قدامه.

أنا داخلة بالملف.

داليا واقفة.

الأمن ماسكني.

ثم بدأت واقعة الضرب.

لكن أحمد لاحظ حاجة.

قبل ما داليا تضربني بالقلم الأول...

كان فيه شخص واقف خلف الزجاج الخارجي لقاعة الاجتماع.

شخص لم يلفت نظر أي أحد.

أحمد قرب الصورة.

كبرها.

الشخص كان ماسك هاتف.

وبعد ثواني من كل قلم...

كان بيبعت رسالة.

أحمد طلب تكبير الجزء الخاص بالهاتف.

ظهر رقم واحد فقط.

رقم محفوظ عنده باسم:

"عمّي".

أحمد رجع للخلف.

وشه شحب.

فتح سجل المكالمات.

الرقم ده كان اتصل به قبل الاجتماع بساعة.

لكن الرقم المفروض إنه متوقف من سبع سنين.

أحمد مسك هاتفه واتصل.

رن مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

ثم جاء الرد.

صوت رجل كبير قال:

— أخيرًا افتكرت إن عندك عيلة.

أحمد تجمد.

— مين؟

الرجل ضحك بهدوء.

— السؤال ده المفروض تسأله لنفسك.

أحمد قال:

— عمي مات.

الصوت رد:

— اللي مات هو الشخص اللي إنت عارفه.

ثم أغلق الخط.

أحمد ظل واقفًا مكانه.

وبعدها مباشرة وصلته رسالة.

"لو عايز تعرف مين الحقيقي، روح لشقة أبوك القديمة."

في نفس اللحظة، كنت أنا وسلمى وممدوح واقفين أمام نفس العمارة.

طلعنا للدور الرابع.

الممر كان مليان تراب.

الباب القديم عليه قفل صدئ.

ممدوح قال:

— المفتاح اللي معاكي يمكن يفتحه.

أدخلت المفتاح.

لف مرة.

مرتين.

وسمعنا صوت القفل وهو بيتفتح.

فتحت الباب ببطء.

الشقة كانت مظلمة.

دخلنا.

ريحة المكان كانت كأن محدش دخله من سنين.

لكن بعد ثواني...

سمعنا صوت جهاز بيشتغل.

ممدوح اتجمد.

— إيه ده؟

الصوت جاي من غرفة المكتب.

دخلنا.

وكان فيه جهاز تسجيل قديم على المكتب.

اشتغل لوحده بمجرد ما فتحنا الباب.

ثم خرج صوت والد أحمد من التسجيل:

— لو التسجيل ده اشتغل يومًا ما، يبقى أنا كنت على حق...

ثم سكت ثواني.

وقال:

— وأول شخص لازم يسمع الكلام ده... هي مرات ابني.

أنا وقفت مكاني.

لأن التسجيل كان موجهًا لي أنا بالاسم.

ثم جاءت الجملة التي جعلتني أفهم إن كل اللي حصل من البداية كان مجرد جزء من خطة أكبر...الصوت الخارج من جهاز التسجيل كان ضعيف، لكنه واضح.

— لو التسجيل ده وصل لمرات ابني، يبقى غالبًا أحمد فقد السيطرة على الشركة... أو حد حاول يخليه يفقدها.

بصيت لسلمى.

ممدوح كان واقف مصدوم.

التسجيل كمل:

— أنا عارف إن ابني هيرفض يصدق الكلام ده. وعارف إن فيه ناس حواليه هتحاول تخليه يشك في أقرب الناس ليه.

سكت التسجيل لحظات.

ثم قال:

— عشان كده أنا سبت الأدلة في مكان محدش هيفكر يدور فيه.

ممدوح قال:

— الأدلة فين؟

لكن التسجيل طبعًا ما ردش عليه.

الصوت كمل:

— الـ17 براءة اختراع مش مجرد أصول للشركة. كل واحدة فيهم مرتبطة باتفاق قانوني مختلف، ولو اتنقلت ملكيتها بطريقة غير قانونية، الشركة كلها ممكن تدخل في نزاع قضائي كبير.

سلمى قربت من الجهاز.

— يعني كان متوقع اللي حصل؟

قلت:

— كمّل.

جاء صوت والد أحمد:

— فيه شخص داخل مجلس الإدارة كان بيحاول من سنين يستولي على حقوق الاختراعات من غير ما يظهر اسمه في أي مستند مباشر.

ممدوح همس:

— مين؟

ثم جاء صوت الورق وهو بيتقلب.

— لكني اكتشفت اسمه.

وفجأة...

انقطع التسجيل.

سلمى ضغطت على الجهاز.

مرة.

اتنين.

مفيش صوت.

قلت:

— التسجيل ناقص.

ممدوح أشار للجهاز.

— الشريط اتقطع.

فتشت المكتب بسرعة.

فتحنا الأدراج.

مافيش حاجة.

لحد ما لاحظت إن فيه جزء من المكتبة مش راكب في مكانه كويس.

حركته.

ظهر تجويف صغير في الحائط.

جواه صندوق معدني.

طلعت الصندوق.

كان عليه قفل صغير.

أخرجت المفتاح اللي لقيناه في الظرف الأسود.

دخلته.

فتح.

جواه كان فيه 17 ملف.

ملف لكل براءة اختراع.

لكن فوق الملفات كلها كان فيه ظرف أبيض مكتوب عليه:

"إلى زوجة أحمد."

إيدي اتجمدت.

سلمى قالت:

— افتحيه.

فتحته.

كانت أول ورقة عبارة عن رسالة.

"لو إنتي بتقري الكلام ده، يبقى أحمد لسه ما عرفش الحقيقة."

كملت القراءة.

"ابني مش شخص سيئ، لكنه وثق في الأشخاص الخطأ، وده ممكن يخليه يخسر كل حاجة."

ممدوح قال:

— يعني كان عارف إن أحمد هيغلط؟

ما رديتش.

تابعت:

"الشخص اللي أخشى منه مش أحمد، ومش داليا."

توقفت.

سلمى سألت:

— مين؟

قلبت الورقة.

وكان مكتوب:

"الشخص ده موجود في الشركة من قبل ما أحمد يتولى إدارتها."

ممدوح بص لي.

— مين كان موجود؟

قلت:

— ناس كتير.

فجأة وقع شيء من داخل الظرف.

صورة.

رفعتها.

كانت صورة جماعية قديمة لموظفي الشركة.

وفي الخلف كان فيه أربعة أشخاص من مجلس الإدارة الحالي.

واحد منهم كان ممدوح.

واحد كان داليا.

والثالث...

كان رئيس مجلس الإدارة.

أما الرابع...

فكان شخصًا لم يعد يعمل في الشركة.

ممدوح أول ما شافه، قال:

— مستحيل.

بصيت له.

— تعرفه؟

قال:

— ده كان مسؤول الأرشيف.

سلمى قالت:

— وماله؟

ممدوح رد:

— اختفى من الشركة قبل وفاة والد أحمد بشهر.

قلت:

— اختفى إزاي؟

— استقال.

— ومحدش سأله راح فين؟

ممدوح هز راسه.

— والد أحمد كان بيعتبره من أقرب الناس ليه.

سكت لحظة.

ثم قال:

— واسمه...

قبل ما يكمل، سمعنا صوت باب الشقة بيتفتح.

اتجمدنا.

مفيش حد كان المفروض يكون معانا.

صوت خطوات بدأ يقرب من غرفة المكتب.

سلمى همست:

— اقفلي الصندوق.

قفلت الصندوق بسرعة وحطيته مكانه.

الخطوات قربت.

ممدوح وقف أمامنا.

الباب اتفتح.

ودخل رجل في الستينات.

بص لنا بهدوء.

ثم قال:

— كنت متأكد إنك هتوصلي هنا.

بصيت له.

عرفته من الصورة.

كان مسؤول الأرشيف القديم.

قلت:

— إنت عايش؟

ابتسم.

— أهو زي ما إنتي شايفة.

ممدوح قال:

— إنت اختفيت ليه؟

الرجل ما ردش.

بص لي أنا وقال:

— لأن والد أحمد طلب مني أختفي.

سلمى قالت:

— ليه؟

رد:

— علشان أحمي المستندات.

ثم قرب مني.

وقال:

— بس اللي والد أحمد ما كانش يعرفه...

إن الشخص اللي كان بيدور على الملفات وصل لها قبلكم.

سألته:

— مين؟

الرجل بص ناحية الصندوق.

وقال:

— الشخص اللي دخل الشقة قبلكم.

سلمى اتوترت.

— دخل إمتى؟

رد:

— من حوالي عشر دقائق.

ممدوح قال:

— بس إحنا ما شوفناش حد!

الرجل أشار إلى الأرض.

كان فيه أثر تراب جديد خارج من غرفة المكتب.

ثم قال:

— لأنه خرج من الباب الخلفي.

جريت ناحية الباب.

كان مفتوحًا.

لكن الشخص اختفى.

رجعت للمكتب.

وبصيت للصندوق.

كان مكانه.

فتحته.

الـ17 ملف كانوا موجودين.

لكن الظرف الأبيض...

اختفى.

سلمى قالت:

— أخد الرسالة.

هزيت راسي.

— لأ.

بصيت إلى الرجل العجوز.

— هو ما كانش عايز الرسالة.

— أمال عايز إيه؟

رفعت أول ملف من الملفات السبعة عشر.

كان ناقص منه مستند واحد فقط.

قلت:

— كان عايز الورقة اللي تثبت ملكية البراءة رقم 7.

ممدوح اتغير لون وشه.

— ليه رقم 7 بالذات؟

بصيت له.

— لأن دي البراءة الوحيدة اللي لو خرجت من الشركة...

كل الـ16 الباقيين هيبقوا بلا قيمة.

وفي اللحظة دي، موبايلي رن.

رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كان فيها صورة للمستند المسروق.

وتحت الصورة جملة واحدة:

"لو عايزة ترجعي الورقة، خلي أحمد يختار بين الشركة... وبين الحقيقة."الشخص اللي واقف تحت العمارة رفع الظرف الأبيض ناحية الشباك، كأنه بيتأكد إننا شايفينه.

أحمد قال:

— هو ده!

فتح باب الشقة بسرعة.

الرجل العجوز مسكه من دراعه.

— لو نزلت دلوقتي، هتخليه يختفي.

أحمد رد بعصبية:

— ده معاه مستندات تخص الشركة!

قلت له:

— وهو عايزك تنزل وراه.

أحمد وقف.

بص لي.

قلت:

— لو كان عايز يهرب، ما كانش وقف قدام العمارة واستنانا.

سلمى قالت:

— يعني بيحاول يستدرجنا.

الشخص تحت العمارة حط الظرف على سقف العربية، وطلع موبايله.

بعد ثواني، موبايلي رن.

رقم مجهول.

رديت.

الصوت نفسه قال:

— دلوقتي فهمتي؟

قلت:

— إنت عايز إيه؟

— عايز الحاجة اللي عندك.

— أي حاجة؟

— الملف البني.

أحمد بص لي.

الصوت كمل:

— مش كل الملف... الصفحة الأخيرة بس.

سألته:

— وإيه اللي فيها؟

ضحك.

— إنتي عارفة.

قلت:

— لو كنت عارف، ما كنتش بتطلبها.

سكت.

ثم قال:

— عندك عشر دقايق.

— وبعدها؟

— هتشوفي الشركة وهي بتنهار قدام عينك.

وانقطع الاتصال.

ممدوح قال:

— الصفحة الأخيرة موجودة معاكي؟

حطيت إيدي على الملف.

— أيوه.

أحمد قال:

— وريهالي.

قلت:

— لأ.

اتوتر.

— أنا جوزك.

بصيت له بهدوء.

— والراجل اللي سمح إن حد يضربني قدام الموظفين مش محتاج يفكرني إنه جوزي.

سكت.

ثم قال:

— عندك حق.

كانت أول مرة يقولها من غير محاولة تبرير.

لكن ما كانش عندنا وقت.

فتحت الملف.

قلبت الأوراق لحد آخر صفحة.

كانت ورقة واحدة فقط.

مكتوب فيها أسماء الـ17 براءة اختراع.

وأمام كل اسم رقم.

لكن تحت القائمة كان فيه سطر واحد:

"المالك الحقيقي لا يظهر في السجلات الرسمية."

وتحت السطر...

توقيع والدي أحمد.

ممدوح قرب.

— ده معناه إيه؟

قلت:

— إن الشركة مش المالكة الحقيقية لكل الحقوق.

سلمى قالت:

— أمال مين؟

قلت:

— مش مكتوب.

الرجل العجوز قال:

— مكتوب.

بصيت له.

قال:

— الرقم اللي جنب كل براءة.

أخد القلم وبدأ يجمع الأرقام.

طلع رقمًا طويلًا.

ثم قال:

— ده رقم ملف قديم.

أحمد سأله:

— ملف إيه؟

الرجل رد:

— ملف التأسيس الحقيقي للشركة.

ممدوح قال:

— الملف ده اتحرق.

الرجل ابتسم.

— النسخة اللي اتحرقت.

ثم أضاف:

— لكن والد أحمد كان محتفظ بنسخة تانية.

قلت:

— فين؟

الرجل أشار للباب.

— الشخص اللي تحت هو اللي يعرف.

أحمد بص من الشباك.

لكن الشخص كان اختفى.

والظرف كمان اختفى.

سلمى قالت:

— أكيد كان مجرد تشتيت.

وفجأة...

سمعنا صوت خطوات في السلم.

حد طالع بسرعة.

أحمد قال:

— كله يرجع جوه.

الخطوات قربت.

ثم توقف الشخص أمام باب الشقة.

ثواني من الصمت.

وبعدين خبط ثلاث خبطات.

الرجل العجوز قال:

— ما تفتحوش.

لكن صوتًا جاء من الخارج:

— أنا مش جاي آخد حاجة.

أحمد قرب من الباب.

— مين؟

الصوت رد:

— أنا ممدوح.

بصينا كلنا لممدوح الموجود معانا.

وشه اتغير.

قال:

— مستحيل.

الصوت من الخارج كرر:

— افتح يا أحمد.

أحمد بص لممدوح الحقيقي.

— إنت مين؟

ممدوح قال:

— أنا ممدوح.

أحمد رجع يبص للباب.

الصوت الخارجي قال:

— هو بيكدب عليك.

ممدوح صرخ:

— ما تفتحش!

لكن فجأة...

الموبايل اللي في جيب ممدوح رن.

أخرجه.

ظهر على الشاشة رقم داخلي من الشركة.

رد.

جاء صوت موظف الاستقبال:

— أستاذ ممدوح، في حد بيستخدم بطاقتك للدخول للشركة.

ممدوح قال:

— مين؟

الموظف رد:

— مش عارفين... لكنه داخل دلوقتي مكتب المدير المالي.

ممدوح بص لنا.

— مكتبي!

أحمد قال:

— فيه مستندات هناك؟

ممدوح رد:

— كل السجلات الأصلية.

الرجل العجوز قال:

— يبقى الهدف مش الورقة اللي اتسرقت.

سألته:

— أمال إيه؟

قال:

— الهدف الحقيقي هو السجل اللي يثبت مين صاحب الـ17 براءة اختراع.

أحمد اندفع ناحية الباب.

لكن قبل ما يفتحه، وصلتني رسالة جديدة.

فتحتها.

كانت صورة من داخل مكتب ممدوح.

الشخص اللي دخل المكتب واقف قدام الخزنة.

وفي إيده مفتاح.

ثم وصلت رسالة ثانية:

"آخر فرصة. هاتي الصفحة الأخيرة للشركة، وأنا أرجعلك باقي المستندات."

سلمى قالت:

— واضح إنه عايز يبدلها.

قلت:

— لأ.

— ليه؟

بصيت للصورة.

— لأن مفتاح الخزنة اللي في إيده مش مفتاح مكتب ممدوح.

ممدوح اقترب.

حدق في الصورة.

ثم قال:

— ده مفتاح الخزنة القديمة.

سألته:

— وإيه المختلف؟

قال:

— الخزنة دي مش موجودة في الشركة أصلًا.

أحمد قال:

— أمال فين؟

ممدوح بص لي.

— في مصنع العائلة القديم.

ساد الصمت.

ثم فهمنا الحقيقة في نفس اللحظة.

الشخص اللي كان في مكتب ممدوح...

ما كانش بيدور على المستندات.

كان بيحاول يخلينا نرجع للمصنع.

لأن هناك...

كان فيه شيء أخطر من الـ17 براءة اختراع.

شيء والد أحمد أخفاه قبل وفاته...

وكان واضح إن الشخص المجهول مستعد يعمل أي حاجة علشان يوصل له.بصيت للرسالة مرة تانية.

سلمى قالت:

— هو عايز إيه من أحمد؟

رديت:

— لسه مش عارفة.

ممدوح مد إيده:

— وريني.

ناولته الموبايل.

قرأ الرسالة، وبعدها قال:

— لازم نبلغ أحمد.

قلت:

— لأ.

— ليه؟

— لأن اللي سرق المستند عايزنا نتصل بأحمد.

سلمى فهمت قصدي فورًا.

— يعني عايز يعرف إحنا وصلنا لإيه.

هزيت راسي.

— بالضبط.

مسحت الرسالة من على الشاشة.

ثم بصيت للرجل العجوز.

— إنت كنت شغال مع والد أحمد. قول لي الحقيقة من غير لف.

قال:

— اسألي.

— ليه والد أحمد سجل الرسالة دي مخصوص ليا؟

سكت طويلًا.

ثم قال:

— لأنه كان عارف إنك الوحيدة اللي عندها القدرة توقف اللي هيحصل.

— وأنا حتى وقتها ما كنتش متجوزة أحمد.

ابتسم.

— هو كان يعرفك قبل ما تتجوزيه.

اتجمدت.

— إزاي؟

قال:

— كان بيتابع شغلك من بعيد.

سلمى بصت لي باستغراب.

— شغلك؟

هزيت راسي.

— أنا اشتغلت في مجال تطوير التركيبات الدوائية قبل الجواز.

ممدوح قال:

— والد أحمد كان مقتنع إن عندك قدرة تفهمي الملفات دي أكتر من أي حد في الشركة.

قلت:

— بس أنا خرجت من المجال من سنين.

الرجل رد:

— هو ما كانش عايزك ترجعي للشغل.

— أمال كان عايز إيه؟

— كان عايز يحط اسمك كضمان مستقل لبعض الحقوق، علشان محدش يقدر يبيعها أو ينقلها من غير موافقتك.

سكتُّ.

فجأة فهمت ليه اسمي كان موجود في العقود.

أنا ما كنتش مجرد زوجة رئيس الشركة.

كان فيه سبب قانوني وراء وجود توقيعي.

لكن فيه سؤال واحد فضل في دماغي.

— لو كل ده كان معمول لحماية الشركة، ليه أحمد ما كانش عارف؟

الرجل قال:

— لأنه لو عرف، كان هيبقى أول شخص ممكن يستخدموا ضده الضغط.

ممدوح سأل:

— مين "هم"؟

الرجل بص له.

— الناس اللي كانوا بيحاولوا يسيطروا على الشركة.

وقبل ما نكمل، سمعنا صوت عربية وقفت تحت العمارة.

الرجل العجوز بص من الشباك.

ثم قال:

— أحمد وصل.

سلمى قالت:

— إزاي عرف المكان؟

بصيت لممدوح.

ممدوح قال:

— أنا ما قلتلوش.

بصيت للرجل.

قال:

— يبقى حد تاني قاله.

بعد دقيقة، أحمد دخل الشقة.

كان وشه متوتر.

وأول ما شافني قال:

— فين المستند؟

ما جاوبتش.

قال:

— أنا عارف إنك لقيتيه.

قلت:

— وإنت عرفت منين؟

سكت.

قلت:

— أحمد، مين قالك تيجي هنا؟

رد:

— مفيش وقت.

— فيه وقت.

— لا.

قرب مني.

— لأن فيه قرار هيتاخد خلال ساعات.

ممدوح سأله:

— قرار إيه؟

أحمد قال:

— البنك هيطلب ضمانات جديدة، ولو ما قدمناهاش، الشركة هتدخل في إجراءات قانونية.

سلمى قالت:

— وده له علاقة بالمستند رقم 7؟

أحمد بص لها.

ثم بص لي.

— أيوه.

قلت:

— مين طلبه؟

— الطرف اللي ماسك تمويل التوسعة.

ممدوح قال:

— مين؟

أحمد ما ردش.

أنا قلت:

— رئيس مجلس الإدارة؟

أحمد رفع عينه لي.

سكت.

وده كان كفاية.

قلت:

— يبقى هو اللي بيحرك كل حاجة.

أحمد هز راسه.

— مش بالضرورة.

— أمال مين؟

قال:

— أنا اكتشفت إن رئيس مجلس الإدارة نفسه بيتعرض لضغط.

ممدوح قال:

— من مين؟

أحمد أخرج ورقة من جيبه.

— من شخص مذكور في كل العقود القديمة.

ناولني الورقة.

بصيت للاسم.

وشعرت بصدمة.

لأن الاسم كان...

اسم والد أحمد.

قلت:

— والدك؟

أحمد قال:

— أيوه.

— بس والدك مات.

— عارف.

— يبقى إزاي اسمه موجود في عقد اتعمل من شهرين؟

أحمد قال:

— دي مش المشكلة.

— أمال إيه؟

قرب مني وقال:

— المشكلة إن التوقيع على العقد مش مزور.

سكتُّ.

أحمد كمل:

— أنا جبت خبير توقيعات مستقل.

— والنتيجة؟

قال:

— التوقيع أصلي.

الغرفة كلها سكتت.

ممدوح قال:

— مستحيل.

أحمد رد:

— أنا قلت نفس الكلام.

ثم أخرج صورة أخرى.

كانت لورقة حديثة.

وفي أسفلها...

نفس التوقيع.

لكن التاريخ كان بعد وفاة والد أحمد بسنوات.

بصيت للرجل العجوز.

كان واقفًا ساكتًا.

قلت:

— إنت كنت عارف؟

هز رأسه.

— أيوه.

— وإنت مخبي ليه؟

قال:

— لأن الحقيقة لو ظهرت قبل وقتها، كانت هتدمر أكتر من شركة.

أحمد قرب منه.

— إنت تعرف أبويا فين؟

الرجل بص له طويلًا.

ثم قال:

— والدك مات يا أحمد.

أحمد شد فكه.

— أمال التوقيع ده إيه؟

الرجل رد بهدوء:

— توقيع محفوظ من سنين.

سلمى قالت:

— يعني حد بيستخدم توقيعه؟

الرجل قال:

— أيوه.

ثم نظر لي.

— والشخص ده كان موجود في حياتكم من قبل ما تتجوزي أحمد.

أنا سألته:

— مين؟

الرجل أخرج من جيبه صورة صغيرة.

ناولني إياها.

نظرت إليها.

وكانت الصورة لثلاثة أشخاص واقفين أمام أول مصنع للعائلة.

والد أحمد...

ورجل آخر...

وامرأة شابة.

لكن الصدمة لم تكن في الشخصين الآخرين.

الصدمة كانت في المرأة.

لأنها كانت أنا.

قبل زواجي بأحمد بسنوات.

رفعت عيني للرجل وقلت:

— دي صورتي.

قال:

— أيوه.

أحمد بص للصورة.

وشه تغير تمامًا.

— إنتي كنتي تعرفي أبويا؟

قلت:

— أول مرة أشوف الصورة دي في حياتي.

الرجل قال:

— وده بالضبط اللي والد أحمد كان خايف يحصل.

ثم أشار للصورة وقال:

— لأن وجودك في الصورة دي هو المفتاح الحقيقي للـ17 براءة اختراع.

وقبل ما أقدر أسأله عن أي حاجة...

سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الشارع.

ثم صوت فرامل قوية.

ممدوح جري ناحية الشباك.

صرخ:

— العربية اللي تحت اتخبطت!

أحمد بص لي.

— مين كان فيها؟

قلت:

— محدش.

لكن لما بصينا مرة تانية...

لقينا شخص واقف جنب العربية.

رافع عينه على شباك الشقة.

وفي إيده...

الظرف الأبيض اللي اختفى من الصندوق.هنروح للمصنع القديم… بس اللي هيظهر هناك هيقلب كل اللي كانوا فاكرينه عن القضية.

كان المصنع القديم واقع في طرف المنطقة الصناعية، ومقفول بقاله سنين.

مفيش لافتة منورة، ولا حراسة، ولا حتى صوت ماكينة واحدة.

بس أول ما نزلنا من العربية، ممدوح وقف فجأة وقال:

— استنوا.

بصيت له.

— في إيه؟

أشار للباب الحديد الصدّي.

— الباب ده كان مقفول بقفلين.

أحمد قرب منه، ومد إيده ناحية القفل.

القفل كان موجود…

لكن مفتوح.

سلمى قالت بسرعة:

— يعني حد سبقنا؟

ممدوح هز راسه.

— مش بس سبقنا… حد كان عارف إننا جايين.

دخلنا.

الهواء جوه المصنع كان تقيل، وريحتُه تراب ورطوبة ومواد كيميائية قديمة.

مشينا في الممر الرئيسي لحد ما وصلنا للجزء الإداري.

ممدوح وقف قدام باب خشب قديم، وقال:

— المكتب ده كان بتاع والد أحمد.

أحمد ما ردش.

فضل واقف يبص للباب كأنه شايف أبوه واقف وراه.

فتح الباب.

المكتب كان زي ما هو تقريبًا.

مكتب خشب ضخم.

خزانة حديد.

كرسي قديم.

وصورة عائلية عليها طبقة تراب.

وفوق المكتب…

كان فيه ظرف أبيض.

ممدوح قرب منه، لكن أحمد مسكه من إيده.

— استنى.

بص لي.

— المرة دي مش هلمس حاجة قبل ما نعرف هي إيه.

سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— أخيرًا بتسمع الكلام.

أحمد تجاهلها.

وأنا قربت من الظرف.

كان مكتوب عليه بخط واضح:

"إلى زوجة أحمد… وحدها."

قلبي دق.

مديت إيدي وفتحته.

جواه ورقة واحدة.

قرأت أول سطر…

وسكت.

أحمد سأل:

— مكتوب إيه؟

بصيت له.

— والدك كان عارف إن اللي حصل النهارده ممكن يحصل.

وشه اتغير.

— إزاي؟

كملت قراءة:

"لو وصلتي للمصنع، يبقى الخطر خرج من الشركة ووصل للمكان اللي أنا كنت مخبيه فيه."

ممدوح قرب.

— مخبي إيه؟

قلبت الصفحة.

وفي آخرها كان فيه سطر واحد:

"لا تثقي في أي شخص يحمل مفتاح الخزنة القديمة."

ممدوح بص لأحمد.

أحمد بص لممدوح.

وسلمى قالت:

— إحنا أصلًا جينا هنا بسبب صورة شخص ماسك مفتاح.

وفجأة…

سمعنا صوت معدني من آخر الممر.

تك.

وبعدها صوت باب بيتقفل.

أحمد خرج بسرعة من المكتب.

— مين هناك؟

مفيش رد.

جري ناحية الصوت.

ممدوح وراه.

وأنا وسلمى خرجنا بعدهم.

وصلنا لنهاية الممر…

كان فيه باب صغير يؤدي للمخزن القديم.

الباب كان مفتوح.

والنور جواه مطفي.

أحمد شغّل كشاف موبايله.

دخل خطوة.

وبعدين وقف.

— يا نهار أبيض…

قربنا منه.

الخزنة القديمة كانت مفتوحة.

لكن الغريب…

إن مفيش حاجة اتسرقت.

الملفات كلها مكانها.

الذهب القديم مكانه.

الأوراق مكانها.

حتى المستندات اللي تخص المصنع ما حدش لمسها.

ممدوح قال:

— يبقى الشخص ما كانش جاي ياخد حاجة.

بصيت للخزنة.

ولاحظت حاجة صغيرة.

كان فيه مكان فاضي في الرف الأخير.

قلت:

— لأ…

أحمد بص لي.

— إيه؟

أشرت للمكان الفاضي.

— كان فيه حاجة هنا.

ممدوح قرب، ووشه اصفر.

— الشريط.

— شريط إيه؟

ممدوح بلع ريقه.

— تسجيلات والدك القديمة.

سلمى قالت:

— كام شريط؟

— تلاتة.

بصيت له.

— كام واحد اتاخد؟

ممدوح سكت.

وبعدين قال:

— واحد.

أحمد شد في شعره بعصبية.

— التسجيل اللي اتاخد فيه إيه؟

ممدوح بص له مباشرة.

— مش عارف.

— إنت اللي حاططهم هنا!

— والدك هو اللي حطهم. وأنا ما كنتش أعرف محتواهم.

سكتنا.

وفجأة…

سمعنا صوت موبايل بيرن.

الصوت جاي من جوه مكتب والد أحمد.

رجعنا نجري.

الموبايل كان موضوع فوق المكتب.

أحمد مسكه.

الشاشة كانت بتقول:

"رقم غير معروف."

رد.

— ألو؟

ثواني صمت.

وبعدين صوت الرجل نفسه.

— وصلت للخزنة.

أحمد قال:

— إنت مين؟

ضحكة قصيرة خرجت من السماعة.

— السؤال ده متأخر سبع سنين يا أحمد.

أحمد شد على الموبايل.

— إنت اللي خدت الشريط؟

— أنا ما خدتش حاجة.

بصيت لممدوح.

هو فهم.

الصوت كمل:

— الشريط هو اللي اختار يخرج من مكانه.

أحمد قال بعصبية:

— بلاش ألغاز! عايز إيه؟

الصوت رد:

— أنا مش عايز الشركة.

سكت.

— ولا البراءات.

سكت تاني.

ثم قال:

— أنا عايز تعرفوا مين اللي كتب أول عقد… قبل ما والدك يموت.

وقفل.

أحمد فضل ثابت مكانه.

أنا بصيت له.

— أول عقد؟

ممدوح كان باصص للأرض.

قلت له:

— إنت عارف حاجة.

رفع عينه ببطء.

— أيوه.

أحمد اتعصب:

— اتكلم!

ممدوح قال:

— أول عقد للـ17 براءة… ما كانش باسم الشركة.

الصمت نزل على المكان كله.

سألته:

— كان باسم مين؟

ممدوح فتح بقه…

لكن قبل ما يتكلم، سمعنا صوت خبطة قوية من بره المصنع.

جرينا ناحية الباب.

وكان فيه شخص واقف بعيد عند البوابة.

رفع إيده.

وفي إيده…

الشريط المسروق.

لكن بدل ما يهرب…

رمى الشريط على الأرض وقال:

— اسألوا مراتك عن اليوم اللي قابلت فيه والد أحمد قبل الجواز.

وبعدين جري واختفى في الضلمة.

أحمد بص لي.

ولأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية…

كان في عينيه خوف حقيقي.

مش خوف على الشركة.

ولا على الفلوس.

كان خوف من سؤال واحد:

إيه اللي كانت تعرفه مراته عن أبوه قبل ما تتجوزه؟اللي اتقال عند بوابة المصنع خلّى أحمد لأول مرة يبص لي كأنه شايفني شخص غريب عنه… وكأن سبع سنين من جوازنا كانوا ناقصهم جزء محدش فينا كان يعرفه.

أحمد انحنى وأخذ الشريط من الأرض.

فضل ماسكه في إيده ثواني من غير ما يتكلم.

وبعدين قال:

— إنتِ قابلتي أبويا قبل الجواز؟

بصيت له.

— أيوه.

وشه اتشد.

— وإنتِ ما قلتيليش؟

— ما كنتش أعرف إن المقابلة دي مرتبطة بكل اللي بيحصل.

ممدوح قاطعنا:

— لازم نسمع الشريط.

سلمى قالت:

— هنا؟

ممدوح هز راسه.

— لأ. لو اللي حصل ده مراقب، يبقى أي جهاز هنا ممكن يكون متسجل.

أحمد قال:

— نروح المكتب.

رجعنا للمكتب القديم.

ممدوح طلع جهاز تسجيل صغير من درج مقفول، وحطه على المكتب.

دخل الشريط.

في البداية…

صوت تشويش.

وبعدين صوت رجل كبير.

والد أحمد.

— لو التسجيل ده وصل لحد غير أحمد… يبقى الخطة فشلت.

أحمد قرب من الجهاز.

الصوت كمل:

— وأنا عارف إن ابني هيكون غضبان… وممكن يفتكر إن كل اللي عملته كان ضده.

أحمد همس:

— بابا…

التسجيل استمر:

— لكن في شخص واحد لازم يسمع التسجيل ده قبل أي حد.

وسكت ثواني.

ثم قال:

— مراتك.

أحمد بص لي.

أنا ما اتحركتش.

صوت والده كمل:

— لأنها الوحيدة اللي شافت الورقة الأصلية.

قلبي اتقبض.

سألت:

— ورقة إيه؟

مفيش رد طبعًا.

التسجيل كمل:

— الورقة دي اتكتبت قبل تأسيس الشركة بصورتها الحالية، وبتثبت إن الـ17 براءة اختراع ما كانتش ملك شخص واحد.

ممدوح شهق:

— مستحيل…

صوت والد أحمد:

— لو الورقة ظهرت، ناس كتير هتخسر كل حاجة.

أحمد قال بعصبية:

— مين؟

والده رد كأنه سامعه:

— مش هقول الاسم.

لكن هقولك حاجة أهم.

الشخص ده كان موجود في حياتك قبل ما تتجوز.

أنا بصيت لأحمد.

هو بص لي.

صوت والده كمل:

— وأنت تعرفه كويس.

ثم حصل تشويش شديد.

وفجأة التسجيل رجع بصوت أوضح:

— يوم ما قابلت زوجة ابني لأول مرة، ما كنتش بقابلها علشان أحمد.

أحمد وقف.

— إيه؟

أنا قربت من الجهاز.

صوت والده:

— كنت بقابلها علشان أتأكد إنها لسه محتفظة بالورقة.

ممدوح بص لي.

سلمى سألت:

— ورقة إيه بالضبط؟

الصوت بدأ يضعف.

لكن قبل ما يختفي، قال جملة واحدة:

— الورقة اللي فيها اسم الشريك الحقيقي.

ثم انقطع التسجيل.

المكان كله سكت.

أحمد فضل واقف.

وبعدين لف ناحيتي:

— إنتِ كان معاكي ورقة من سبع سنين؟

قلت:

— لأ.

— فكري.

— أنا فعلًا مش فاكرة.

ممدوح قال:

— ممكن تكون مش ورقة مادية.

بصيت له.

— يعني إيه؟

— صورة. نسخة. إيميل. مستند قديم… أي حاجة.

سلمى فتحت اللابتوب.

— لازم نرجع لكل حاجة من أول يوم اشتغلتي فيه مع الشركة.

أحمد قال:

— هي ما كانتش موظفة عندي وقتها.

ممدوح رد بهدوء:

— بالضبط.

أحمد بص له.

— تقصد إيه؟

ممدوح فتح درج المكتب، وطلع ملف صغير مغبر.

حطه قدامنا.

على الغلاف كان مكتوب:

"ملف التعاون الخارجي — سري."

فتح أول صفحة.

وكان فيها تاريخ قبل زواجي بأشهر.

وتحت التاريخ…

اسمي.

أنا اتجمدت.

قلت:

— أنا أول مرة أشوف الملف ده.

ممدوح قلب الصفحة.

فيها توقيع والدي أحمد.

وتحت التوقيع جملة:

"تمت مقابلة السيدة المذكورة بناءً على توصية من…"

والباقي كان ممزق.

أحمد قرب الملف من عينه.

— مين اللي مزق الجزء ده؟

ممدوح قال:

— الشخص اللي كان عايز يمنعنا نعرف ليه والدك قابلها.

وفجأة موبايل أحمد اهتز.

رسالة جديدة.

فتحها.

صورة قديمة.

أنا واقفة فيها جنب والد أحمد…

لكن المفاجأة مش إني كنت واقفة جنبه.

المفاجأة إن الشخص الواقف على الناحية التانية مني…

كان شخصًا أعرفه.

وشخصًا أحمد يعرفه أكثر مني.

رئيس مجلس إدارة الشركة الحالي.

وتحت الصورة جملة واحدة:

"دلوقتي… اسألوا مين كان صاحب التوصية."المفاجأة إن الصورة اللي وصلت لأحمد كانت متاخدة من مسافة قريبة جدًا… أقرب من إن شخص واقف عند البوابة يقدر يصورها.

أحمد رفع عينه ببطء.

— حد كان جوه المصنع.

ممدوح بص ناحية الباب.

— أو لسه موجود.

سلمى قفلت اللابتوب بسرعة.

— يبقى مفيش وقت.

رئيس مجلس الإدارة قال:

— افتحوا الظرف.

أحمد شال إيده من فوقه.

فتح الظرف بحذر.

كان جواه مستند قديم، وصورة صغيرة، ومفتاح نحاسي.

أحمد مسك المستند.

أول سطر خلّى وشه يتغير:

"إقرار ملكية وانتفاع مشترك."

ممدوح قرب منه.

— ده عقد الملكية الأصلي.

سلمى بدأت تقرأ.

العقد كان بيثبت إن حقوق البراءات السبعة عشر اتأسست على أبحاث ومساهمات مشتركة، وإن أي نقل للملكية من غير موافقة الأطراف المذكورة يعتبر باطلًا.

لكن أسماء الأطراف…

كان واحد منها مطموس بالحبر.

أحمد قال:

— ليه الاسم متشال؟

رئيس مجلس الإدارة رد:

— لأن والدك هو اللي شاله.

— ليه؟

— علشان يحمي الشخص ده.

أنا بصيت له.

— يحميه من مين؟

سكت.

ثم قال:

— من الشخص اللي كان بيحاول يستولي على كل حاجة.

ممدوح فجأة قال:

— يعني الصراع بدأ قبل وفاة والد أحمد.

الرجل هز راسه.

— بسنين.

أحمد قلب الصورة الصغيرة.

كانت صورة لمعمل قديم.

وفي الخلفية لوحة عليها أرقام.

١ إلى ١٧.

وتحت الصورة توقيع والد أحمد.

لكن كان فيه شيء آخر.

في طرف الصورة، ظهر شخص واقف ووشه بعيد عن الكاميرا.

وفي إيده نفس المفتاح النحاسي.

أحمد قرب الصورة من عينه.

— المفتاح ده…

بص للمفتاح اللي في الظرف.

— هو نفسه.

ممدوح قال:

— يبقى الخزنة اللي فتحناها مش الخزنة الوحيدة.

سلمى سألت:

— فيه خزنة تانية؟

ممدوح بص لرئيس مجلس الإدارة.

الرجل رد:

— أيوه.

أحمد قال:

— فين؟

الرجل ما جاوبش.

بدل كده بص لي وقال:

— هي كانت عارفة مكانها.

اتصدمت.

— أنا؟

— والدك أحمد ما كانش بيثق في حد زي ما كان بيثق فيكِ.

أحمد قاطعه:

— متقولش كلام عام. قول المكان.

الرجل أخذ نفسًا طويلًا.

— تحت المعمل القديم.

ممدوح قال:

— المعمل اللي اتهد؟

— جزء منه بس.

خرجنا من المكتب واتجهنا ناحية المبنى الخلفي.

كان المكان شبه مهجور.

لكن لما وصلنا، لاحظت إن بابًا جانبيًا عليه قفل جديد.

أحمد لمس القفل.

لسه عليه آثار خدوش.

— حد فتحه قريب.

ممدوح أخرج المفتاح النحاسي.

دخله.

تك.

القفل اتفتح.

نزلنا سلالم ضيقة تحت الأرض.

كل خطوة كانت بتطلع صوتًا عاليًا.

وفي النهاية وصلنا لغرفة خرسانية صغيرة.

في منتصفها خزنة ضخمة مثبتة في الحائط.

ممدوح قال:

— دي مش موجودة في أي مخطط للمصنع.

أحمد بص لي.

— افتحيها.

— ليه أنا؟

— لأن المفتاح كان موجه ليكي.

أخذت المفتاح.

دخلته.

لكن قبل ما ألفه…

سمعنا صوتًا من خلفنا.

— لو فتحتوها… مش هتعرفوا تقفلوا اللي جواها تاني.

استدرنا جميعًا.

كان شخص واقف عند أول السلم.

وشه في الضلمة.

أحمد قال:

— إنت مين؟

الشخص نزل درجة واحدة.

ثم قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

— أنا الشخص اللي والدك كان بيحاول يحميكم منه.

سلمى همست:

— مين؟

الرجل قرب من النور.

وقبل ما يظهر وشه بالكامل…

انطفأت كل الأنوار.

وسمعنا صوت الخزنة وهي بتفتح لوحدها.

طَق.

وبعدها…

خرج من داخلها صوت تسجيل قديم:

— "لو سمعتم التسجيل ده… يبقى أنا مت."

ثم صوت والد أحمد قال:

— "والشخص اللي قدامكم دلوقتي… ما تثقوش فيه مهما قال لكم."أحمد فضل باصص للصورة، وكأنه مش قادر يستوعب اللي شايفه.

رفع عينه لممدوح وقال:

— رئيس مجلس الإدارة هو اللي رشحها لأبويا؟

ممدوح ما ردش فورًا.

مد إيده للصورة، وقلبها على ضهرها.

كان فيه تاريخ مكتوب بالقلم.

١٧ مارس — قبل تأسيس الشركة الجديدة بـ٨ شهور.

سلمى قربت من الصورة وقالت:

— يعني المقابلة حصلت قبل ما أحمد يتولى الإدارة أصلًا.

بصيت لأحمد.

— وأنا ما كنتش أعرف إن الصورة دي موجودة.

أحمد سألني:

— إنتِ فاكرة المقابلة؟

حاولت أفتكر.

كانت تفاصيل قديمة جدًا.

قلت:

— فاكرة إني قابلت والدك مرة في مكتب قديم… بس كنت فاكرة إن الموضوع متعلق بشغلي وقتها.

— قالك إيه؟

— سألني عن مشروع كنت بشتغل عليه.

ممدوح سأل بسرعة:

— مشروع إيه؟

قلت:

— تركيبة دوائية كنت مشاركة فيها ضمن فريق بحثي.

ممدوح اتغير وشه.

— مش ممكن.

أحمد قال:

— إيه اللي مش ممكن؟

ممدوح فتح ملف البراءة رقم سبعة.

وأشار إلى أول صفحة.

— التركيبة دي… هي الأساس العلمي للبراءة رقم سبعة.

سكتنا كلنا.

أنا قربت من الورقة.

— بس أنا ما سجلتش أي براءة.

ممدوح قال:

— عارف.

وقلب صفحة.

— لأن المشروع وقتها ما كانش تابع للشركة أصلًا.

أحمد سأل:

— كان تابع لمين؟

ممدوح رفع عينه.

— لجهة بحثية اتقفلت بعدها بفترة قصيرة.

سلمى قالت:

— وإيه علاقة رئيس مجلس الإدارة؟

ممدوح قلب صفحة تانية.

كان فيها اسم الجهة.

وتحت الاسم…

ثلاثة توقيعات.

الأول توقيع والد أحمد.

الثاني توقيع رئيس مجلس الإدارة.

والثالث…

كان توقيع شخص مجهول.

لكن تحته ملاحظة مكتوبة بخط والد أحمد:

"الاسم الثالث لا يظهر في أي مستند رسمي."

أحمد وقف فجأة.

— يعني فيه شريك ثالث؟

ممدوح قال:

— كان فيه.

— مين؟

— مش عارف.

أحمد ضرب بإيده على المكتب.

— كل مرة تقول مش عارف!

ممدوح رد بهدوء:

— لأن والدك تعمد يخلي الاسم ده مجهول.

أنا قلت:

— طيب ليه؟

ممدوح فتح الصفحة الأخيرة.

كان فيها سطر واحد:

"إذا ظهر اسمي، ستضيع البراءات. وإذا ظهر اسم الشريك الثالث، ستبدأ الحرب."

سلمى سألته:

— مين كتب الجملة دي؟

ممدوح قال:

— والد أحمد.

وفجأة…

صوت عربية وقف قدام المصنع.

أحمد بص ناحية الشباك.

— حد جاي.

بعد ثواني، الباب الخارجي اتفتح.

دخل رئيس مجلس الإدارة.

لوحده.

ومن غير حراسة.

كان هادي بشكل غريب.

وقف عند باب المكتب وقال:

— كنت عارف إنكم هتوصلوا هنا.

أحمد اتقدم ناحيته.

— إنت اللي رشحتها لأبويا؟

الرجل ما بصش لي.

فضل مركز مع أحمد.

— أيوه.

— ليه؟

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— لأن والدك كان محتاج شخص يثق في علمه… مش شخص يثق في فلوسه.

أنا قلت:

— وإيه علاقتي بالبراءة رقم سبعة؟

بص لي أخيرًا.

— إنتِ مش صاحبة البراءة.

سكت.

ثم قال:

— لكنك صاحبة المعلومة اللي اتبنت عليها.

أحمد سأله:

— والمعلومة دي كانت عندك؟

— كانت عندنا كلنا.

— كلنا مين؟

الرجل بص ناحية ممدوح.

وبعدين رجع لأحمد.

— أبوك، وأنا، وشخص ثالث.

أحمد قال:

— مين؟

الرجل قرب خطوة.

— الشخص اللي بيحاول يوقع شركتكم دلوقتي.

سلمى قالت:

— يبقى إنت عارفه.

الرجل رد:

— عارفه من سنين.

— وبتحميه؟

— لأ.

هز راسه.

— أنا بحاول أمنعه.

أحمد ضحك بسخرية.

— بعد سبع سنين افتكرت تمنعه؟

الرجل ما ردش.

مد إيده داخل بدلته، وطلع ظرف بني.

حطه على المكتب.

وقال:

— ده آخر مستند والدك كتبه بإيده.

أنا قربت منه.

لكنه حط إيده فوق الظرف.

— قبل ما نفتحه… لازم تعرفوا حاجة.

أحمد قال:

— إيه؟

قال:

— الشخص اللي سرق الشريط مش هو اللي أرسله.

ثم رفع عينه لي مباشرة.

— والشخص اللي كان بيراقبكم من أول يوم… مش موجود في الشركة.

سلمى سألت:

— أمال فين؟

الرجل قال:

— قريب جدًا منكم.

وفجأة…

جاءت رسالة على موبايل أحمد.

فتحها.

كانت صورة حديثة.

مش قديمة.

الصورة كانت لنا إحنا الأربعة داخل المصنع…

مأخوذة من الخارج.

وتحتها جملة:

"لو فتحتوا الظرف… هتعرفوا مين الخامس."الصوت خرج من الخزنة، لكن الشخص اللي واقف على السلم ما اتحركش.

أحمد رفع موبايله وشغّل الكشاف، وحاول يوجهه ناحية الرجل.

لكن الرجل كان رجع خطوتين للضلمة.

والد أحمد كمل من التسجيل:

— "لو وصلتوا للمرحلة دي، يبقى الشخص اللي قدامكم هيحاول يقنعكم إنه بيحميكم."

ممدوح همس:

— التسجيل بيتكلم عنه.

الرجل رد من فوق السلم:

— والدك كان عارف إن النهاية هتوصل هنا.

أحمد صاح:

— إنت مين؟

الرجل قال:

— اسأل ممدوح.

كل العيون اتجهت لممدوح.

ممدوح اتراجع خطوة.

— أنا؟

الرجل ضحك.

— إنت أكتر واحد يعرف.

أحمد قرب منه.

— تعرفه؟

ممدوح سكت.

— اتكلم!

ممدوح قال بصوت منخفض:

— شفته قبل كده.

— فين؟

— يوم وفاة والدك.

أحمد تجمد.

— إنت قلت إنك ما كنتش في البيت!

ممدوح رد:

— ما كنتش في البيت.

وبص ناحية الرجل.

— كنت في المصنع.

الرجل قال:

— وكنت أنا معاك.

أحمد قرب أكثر.

— يبقى إنت كنت موجود وقتها.

الرجل نزل درجة.

نور الموبايل وقع على وشه لثانية.

أنا شهقت.

كان رئيس مجلس الإدارة.

أحمد بص له بصدمة.

— إنت؟

الرجل قال بهدوء:

— أيوه.

سلمى سألت:

— بس إنت قلت إنك بتحاول تحميهم.

— وده حقيقي.

أحمد قال:

— والتسجيل بيقول ما نثقش فيك!

الرجل رد:

— التسجيل اتعمل قبل ما يعرف أبوك الحقيقة كاملة.

ممدوح سأله:

— إيه الحقيقة؟

رئيس مجلس الإدارة بص للخزنة.

— الحقيقة إن أبو أحمد اكتشف إن البراءات اتسجلت بطريقة مختلفة عن الاتفاق الأصلي.

أنا قلت:

— يعني حد غيّر الملكية؟

— أيوه.

— مين؟

سكت.

ثم قال:

— الشخص اللي كان عنده صلاحية تعديل المستندات.

أحمد قال:

— مين كان عنده الصلاحية دي؟

الرجل نظر لي.

— إنتِ.

اتصدمت.

— أنا؟

— وقتها كنتِ ضمن الفريق العلمي، وكان توقيعك موجود على ملفات المراجعة الفنية.

قلت:

— بس توقيعي ما كانش يسمح بتغيير الملكية.

— عارف.

ممدوح قال:

— يبقى حد استخدم توقيعها.

رئيس مجلس الإدارة هز رأسه.

— بالضبط.

أحمد بص لي.

ولأول مرة، حسيت إن كل الأحداث بدأت ترتبط ببعضها.

الـ17 براءة.

الحساب اللي باسمي.

العقد القديم.

الشخص المجهول.

والملف البني.

سلمى سألت:

— مين استخدم توقيعها؟

رئيس مجلس الإدارة قال:

— الشخص الوحيد اللي كان يقدر يدخل على الملفات الأصلية من غير ما حد يسأله.

ممدوح قال:

— مسؤول الأرشيف.

الرجل هز رأسه.

— مش هو.

سكت لحظة.

ثم قال:

— الشخص اللي كان مسؤول عن مراجعة كل المستندات قبل ما تدخل الأرشيف.

أحمد قال:

— مين؟

رئيس مجلس الإدارة أخرج ورقة صغيرة من جيبه.

حطها قدام أحمد.

الورقة عليها اسم.

أحمد قرأه.

وفجأة اتغيرت ملامحه.

— مستحيل.

قلت:

— مين؟

أحمد ما ردش.

ممدوح أخذ الورقة.

قرأ الاسم.

ووشه اصفر.

سلمى قالت:

— واضح إن الاسم ده صدمكم.

ممدوح رفع عينه وقال:

— الشخص ده… مات من سبع سنين.

ساد الصمت.

رئيس مجلس الإدارة قال:

— لأ.

ثم بص لأحمد.

— هو ما ماتش.

أحمد قرب منه.

— إنت بتقول إيه؟

الرجل رد:

— إحنا دفنا شخص تاني.

في اللحظة دي…

وصل إشعار جديد على موبايل أحمد.

فتح الرسالة.

صورة حديثة جدًا.

الرجل اللي في الصورة واقف أمام مبنى الشركة.

وتحت الصورة:

"أنا ما كنتش بعيد عنكم يوم واحد."

وبعدها وصلت رسالة ثانية:

"والمرحلة الجاية مش هتكون عن البراءات… هتكون عن الحساب اللي اتفتح باسم مرات أحمد."

أنا بصيت لأحمد.

— الحساب ده… مين فتحه؟

قبل ما يرد…

موبايل ممدوح رن.

رد.

ثواني معدودة.

وبعدين وشه اتغير.

قال:

— البنك أكد إن فيه تحويل جديد خرج من الحساب.

أحمد سأله:

— بكام؟

ممدوح قال الرقم.

٢٧ مليون جنيه.

ثم أضاف:

— والتحويل اتنفذ من داخل مقر الشركة… من جهاز مسجل باسمك يا أحمد.أكيد، دي النهاية ونقفل كل الخيوط من غير أي علاقة غير شرعية.

أحمد فضل ساكت وهو باصص لممدوح.

— ٢٧ مليون… من جهازي؟

ممدوح هز راسه.

— أيوه.

أنا قلت:

— يبقى حد استخدم حسابك، زي ما استخدم توقيعي زمان.

سلمى فتحت اللابتوب بسرعة.

— لحظة… لو التحويل اتعمل من جهاز أحمد، لازم يكون فيه سجل دخول.

ممدوح قال:

— وأنا طلبته بالفعل.

بعد دقائق، وصل الملف.

فتحناه.

وكانت المفاجأة إن العملية اتنفذت الساعة ٢:١٣ صباحًا.

في الوقت ده…

أحمد كان موجود في بيته، والموبايل بتاعه كان معاه.

لكن الجهاز اللي اتعمل منه التحويل كان في الشركة.

سلمى قالت:

— يبقى حد دخل الشركة بجهاز تاني متسجل بنفس البصمة الرقمية.

ممدوح بص لرئيس مجلس الإدارة.

— مين كان عنده صلاحية النظام؟

الرجل رد:

— ثلاثة أشخاص.

— مين؟

— أحمد… أنا… والشخص اللي مات من سبع سنين.

أحمد قال:

— اللي بتقول إنه عايش.

الرجل هز رأسه.

— أيوه.

في اللحظة دي فهمنا إن كل الخيوط كانت بتقود لشخص واحد.

مش داليا.

مش ممدوح.

ومش رئيس مجلس الإدارة.

الشخص الحقيقي كان مدير المراجعة القديم، الرجل اللي اختفى بعد وفاة والد أحمد.

كان هو اللي غيّر بعض المستندات، واستعمل التوقيعات القديمة، وأنشأ الشركات الوسيطة، وفتح الحساب باسم زوجة أحمد، ثم ظل يستخدم سجلات الدخول القديمة علشان يبعد الشبهة عنه.

أما داليا…

فطلعت ضحية هي كمان.

كانت بتنفذ تعليمات إدارية وصلتها من خلال ملفات مزورة، وكانت فاكرة إنها بتحمي مشروع الشركة.

ولما بدأت تشك، اتبعت لها تهديدات خلتها تخاف وتخبي معلومات عن أحمد.

أما الـ٢٧ مليون، فكان التحويل الأخير بهدف تحميل الجريمة كلها على أحمد وزوجته.

لكن ممدوح كان محتفظًا بنسخة من سجلات النظام.

وسلمى قدمت المستندات للجهات المختصة.

وبعد أيام، اتكشف كل شيء.

المدير القديم اتقبض عليه وهو بيحاول يخرج من البلد، ومعاه النسخة الأصلية من الورقة اللي كان الجميع بيدور عليها.

والورقة أثبتت إن البراءات السبعة عشر ملك للشركة بشكل قانوني، وإن أي نقل تم بعدها بدون موافقات صحيحة كان مزورًا.

أما البراءة رقم سبعة…

فكانت هي المفتاح.

لأنها كانت تحتوي على المستند العلمي الأصلي اللي يثبت مصدر المشروع، وده أسقط كل الادعاءات اللي اتبنت عليها عمليات النقل الوهمية.

بعدها بأسبوع، أحمد جمع مجلس الإدارة كله.

وداليا كانت موجودة.

وقف قدام الجميع وقال:

— أنا غلطت.

محدش اتكلم.

كمل:

— غلطت لما صدقت كلام من غير دليل… وغلطت لما أهنت مراتي قدام الناس… وأمرت بحاجة ما كانش من حقي أطلبها أصلًا.

ثم بص لي.

— أنا عارف إن الاعتذار مش هيمسح اللي حصل.

أنا ما جاوبتش.

لأن فعلًا…

مش كل حاجة بتتمسح بكلمة "آسف".

قدمت استقالتي من كل المناصب القانونية اللي كانت بتربطني بإدارة الشركة، لكنني وافقت أساعد في تسوية ملفات البراءات فقط لحد ما القضية تنتهي.

وبعد شهور، الشركة استقرت.

ممدوح احتفظ بمنصبه.

داليا قدمت كل الأدلة اللي عندها، وبرأت نفسها من الجزء اللي ما كانتش تعرف حقيقته.

ورئيس مجلس الإدارة أعلن بنفسه عن إعادة هيكلة كاملة لنظام التوقيعات والصلاحيات.

أما أحمد…

فكان كل يوم يحاول يصلح حاجة هو نفسه كسرها في لحظة غضب.

وفي يوم، دخل عليّ وحط قدامي علبة صغيرة.

فتحتها.

كان فيها خاتم زواجي.

نظرت له باستغراب.

قال:

— لقيته في درج المكتب القديم.

ثم سكت.

— مش جاي أطلب منك ترجعي تلبسيه.

رفع عينه لي.

— جاي أقولك إنك لو قررتي تمشي… أنا هحترم قرارك.

لأول مرة من شهور، حسيت إن كلامه مفيهوش أمر.

مفيهوش غرور.

مفيهوش محاولة للسيطرة.

فقط اعتراف.

قفلت العلبة.

وقلت له:

— أنا مش هرجع لأنك طلبت.

هز رأسه.

— عارف.

— ولو رجعت، هيكون بشروطي.

قال:

— موافق.

— أول شرط… مفيش إهانة تاني.

— موافق.

— ثاني شرط… أي خلاف بينا يتحل بينا، مش قدام موظفين.

— موافق.

— وثالث شرط… الثقة ما ترجعش في يوم وليلة.

ابتسم بحزن.

— أنا مستعد أستنى.

بعدها بشهور، رجعت ألبس الخاتم.

مش لأن اللي حصل اتنسى.

لكن لأن أحمد أخيرًا فهم إن الزواج مش سلطة طرف على طرف.

وإن الإنسان ممكن يخسر أغلى شخص عنده…

بقرار واحد يتخذه وهو غاضب.

أما الملف البني؟

احتفظت به.

مش علشان أفتكر الانتقام.

لكن علشان أفتكر اليوم اللي اتعلمت فيه إن سكوت الإنسان مش ضعف…

وإن الحقيقة، مهما اتدفنت تحت سبع سنين من الأسرار، ممكن في لحظة واحدة تظهر.

وفي آخر ورقة من الملف كتبت بخط إيدي:

"أنا ما أنقذتش الشركة علشان أحمد… أنقذتها لأن الحقيقة كانت تستحق إنها تعيش."

تم نسخ الرابط