اللعنة حصريآ علي موقع لمحة
وبصوت مبحوح سمعته كويس جدًا، قالت:
"اتأخرت يا أحمد… كان لازم تسمع كلام أختك."
الكلمة دي دخلت قلبي زي السكينة، وبرغم الخوف اللي ماسكني، لقيت نفسي برجع لورا خطوتين، والمغسلة لسه مرمية على الأرض، وأختي مروة بتبكي وهي بتقول:
“قلتلك ما تفتحش، قلتلك…”
الأوضة بقت ضلمة، اللمبة بدأت ترعش نورها، وكل حاجة حواليّ بقت بطيئة.
وشفت أمي — أو اللي شبه أمي — بتقوم وتقف، رجليها كانت سايبة الأرض، كأنها طايرة شبر صغير عنها، والملاية نازلة منها ببطء.
مدّت إيدها ناحيتي وقالت بصوت رخيم فيه رجع غريب:
"اللي خرج من الأرض ما يرجعهاش إلا التراب، فاهم يا أحمد؟"
صرخت فيها:
"انتي مين؟! أمي ماتت… أمي مش
ضحكت ضحكة قصيرة… كانت أقرب لصوت حديد بيتخبط في بعضه، وقالت:
"أمك راحت عند سعدية تطلب حاجة ما كانش لازم تطلبها… طلبت تشوف أبوك تاني بعد ما مات. واللي بيتكلم مع الموتى… بيتدفع تمنه."
صوتها كان بيتموّج في الهوا كأنه بييجي من كل اتجاه.
مروة وقعت على الأرض وفضلت تردد:
“قول الشهادة يا أحمد، قول الشهادة!”
حسّيت الدنيا بتلف بيا، لكن في لحظة كده كأني صحيت على نفسي، مسكت المصحف اللي على الكومودينو، وفضلت أقرأ بصوت عالي.
كل آية كنت بقولها كانت بتخلي النور يرجع شوية، والريحة الوحشة تخف.
لكن الكيان ده — اللي لابس شكل أمي — بدأ يصرخ صرخة تهز البيت كله، والحيطان كانت بتتشقّق منها
ولما وصلت عند آية: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"،
حسّيت إن كل حاجة وقفت.
سكت الصوت.
وقف الصريخ.
وأمي وقعت على السرير تاني، زي ما كانت أول مرة…
ساكتة.
ميتة.
بس المرة دي، كنت متأكد إنها فعلاً أمي.
خرجت الناس، والمغسلة لما فاقت رفضت تكمّل، وقالت:
“أنا هغسلها من برة، بس مش هدخل الأوضة دي تاني.”
ساعدناها، وفعلاً اتغسلت أمي، واتكفنت، بس لما جم يحطوها في الكفن، حصلت حاجة غريبة.
القماش نفسه كان كل شوية يتفك، كأن في حاجة بتمنعه يقفل عليها.
وفي كل مرة نحاول نربطه، يتقطع أو يترخي من نفسه.
الشيخ اللي جه من الجامع بصوت هادي قال:
“سيبوها،
قريت عليها الفاتحة، ومروة كانت ماسكة المصحف بإيديها الاتنين.
وفجأة، من غير ما نلمسها، الكفن اتلف من نفسه، واتربط بهدوء.
الشيخ قال:
“دلوقتي ممكن تودّعوها.”
في الجنازة، كل حاجة كانت ساكتة بشكل مش طبيعي.
حتى الهوا كان واقف.
وأنا شايل نعش أمي، كنت حاسس كأن الأرض تقيلة، وكل خطوة كانت بتسحب مني نفس.
لكن أول ما نزلناها القبر، وقرأنا الدعاء، حسّيت الأرض نفسها بترتاح… كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
بعد ما دفناها، وأنا راجع، سمعت صوت بعيد جاي من ناحية المقابر، هادي جدًا، شبه الهمس…
“ماتخافش يا أحمد… دلوقتي ارتاحت.”
بصيت ورايا، ما كانش في حد.
بس حسّيت، لأول
تمت