حكاية الوصية المدفونة
الوصية مدفونة في قبر أبوك... ولغاية دلوقتي مافيش حد فينا يعرف أبوك مدفون فين.
الكلمة نزلت علي زي الصاعقة. قومت من مكاني بعصبية وقلت
وافرض دلوقتي ماعرفناش قبره! هنفضل كده لحد إمتى أنا ابني بيموت ومحتاج علاج وأنا مش قادر أوصل لحقي!
سامي ما ردش اكتفى ببصة باردة كأنه عارف حاجة ومش ناوي يقولها.
أمي اللي كانت قاعدة في الركن قالت بهدوء يخبي وراه خوف غريب
الكلام مش هينفع دلوقتي.
لازم نعرف أبوكم مدفون فين. متنسوش... باقي أربعين يوم بس وبعدها الفلوس كلها هتروح لدار الأيتام.
الأربعين يوم بقوا زي كابوس بيطاردنا كل ليلة.
بدأنا ندور.
سألنا الشيخ اللي صلى عليه قال إنه ما حضرش الدفن. راحوا بيه بالليل واللي دفنه كان رجل غريب محدش يعرفه.
رحنا للمقابر القديمة نبشينا أسماء نسأل الحراس ندور في السجلات... ولا أثر.
وفي كل يوم كان بيحصل شيء غريب.
كل ما أقرب من الحقيقة ألاقي ورقة صغيرة متسابة قدام باب البيت.
أول ورقة مكتوب فيها ما تدورش في الماضي.
تاني ورقة الوصية مش تحت التراب.
وتالت ورقة كانت مختلفة... كانت مكتوبة بخط أبونا
ابني الوصية مش للمال... الوصية للدم.
قلبي وقع. بدأت أشك في كل حاجة في أخويا في أمي في نفسي حتى.
في الليلة الخامسة والثلاثين وأنا قاعد لوحدي في أوضة أبونا سمعت صوت خافت جاي من الدولاب.
فتحته... ولقيت صندوق خشب قديم عليه نقش غريب بنفس الخط اللي كان في الورقة.
جوا الصندوق كانت فيه ورقة صفراء مكتوب فيها آخر كلماته
اللي هيعرف مكاني هيعرف الحقيقة. أنا ما اندفنتش زي ما تفتكروا أنا استخبيت من اللي خانني.
وبجانب الورقة... صورة قديمة لأمي وأخويا الكبير وأبونا واقف بعيد عنهم ببصة خوف مش حب من يومها ما شفتش سامي تاني.
الوصية اختفت وأمي مرضت وما بقتش تنطق.
لكن في ليلة الأربعين... وصلتني ورقة أخيرة تحت الباب
اللي هيعرف مكاني هيعرف الحقيقة.
الجملة دي كانت بتدوي في دماغي كل ليلة.
من وقت ما لقيت الصندوق والنوم بقى رفاهية مش بعرفها.
كنت بحس إن البيت بيتنفس معايا... أو يمكن بيتنفس ضدي.
عدى يوم الأربعين.
في اللحظة اللي الساعة ضربت فيها اتناشر بالليل سمع طرق على الباب.
خرجت وأنا شايل مصباح صغير لقيت ظرف بني متسخ محطوط على العتبة.
ما كانش عليه اسم بس الخط... هو نفسه خط أبونا.
فتحت الظرف ولقيت فيه خريطة قديمة لمكان مهجور على أطراف البلد.
وفي آخر الورقة كلمة واحدة تعالى لوحدك.
فضلت الليل كله متردد.
بس الفضول والخوف كانوا ماشيين في جنب بعض.
تاني يوم الصبح خدت عربيتي ورحت. الطريق كان مهجور والضباب مغطي الدنيا كأنها مش عايزة تخليني أوصل.
لما وصلت لقيت بيت طوب أحمر متهدم نصه وسور حديد صدئ وباب مفتوح كأنه مستني.
دخلت بخطوات بطيئة وكل ما أتحرك كنت حاسس إن في حد بيتنفس جنبي.
في آخر الممر لقيت باب خشب مقفول بسلسلة.
وعليها ورقة مكتوب فيها
افتح الباب بس اوعى تسأل.
كسرت السلسلة والباب اتفتح بصوت صرير طويل...
جوه كانت ريحة رطوبة قوية وضوء خافت جاي من فتحة صغيرة في الحيطة.
ولقيت هناك... تابوت قديم عليه نفس النقش اللي كان على الصندوق اللي في أوضة أبونا.
قربت وأنا قلبي بيخبط فتحت التابوت بهدوء...
بس ما كانش فيه جثة.
كان فيه ظرف تاني وصورة لأخويا سامي واقف في نفس المكان ده بس شكله أصغر والابتسامة على وشه غريبة.
الورقة اللي كانت في الظرف مكتوب فيها
اللي دفنني
ساعتها حسيت الأرض بتتهز تحتي.
معنى الكلام كان واضح... سامي هو اللي قتل أبونا.
وأنا دلوقتي بعرف الحقيقة اللي أبونا خباها يعني... دوري جاي.
سمعت صوت حركة ورايا التفت بسرعة...
بس ما كانش فيه حد.
إلا إن في اللحظة دي الباب الحديد اللي دخلت منه اتقفل بقوة والنور انطفى.
صوت خطوات تقيلة قرب مني وصوت أخويا الكبير سامي قال بهدوء من الضلمة
أبوك كان لازم يختفي... وأنت كمان.
آخر حاجة فاكرها كانت صدى ضحكته وهي بتختلط بصوت الرياح.
بعد أسبوع أهل البلد حكوا إنهم لقوا العربية بتاعتي متروكة عند أطراف المقابر بابها مفتوح والمفتاح جوه...
بس جسمي
ما حدش لقاه.
وفي كل سنة في نفس اليوم بيلاقوا عند باب بيتنا ورقة قديمة مكتوب فيها بخط أبونا
الوصية لم تنته بعد.
الناس قالت إني اتخطفت.
البعض قال سامي هو اللي قتلني زي ما عمل مع أبونا.
بس اللي محدش يعرفه إني ما متش. على الأقل مش بالطريقة اللي بيتخيلوها.
فاكر الليلة اللي سمعت فيها صوته في البيت المهجور
بعد ما النور انطفى حسيت الأرض
كنت فاكرها نهايتي