العرافة حصريا على موقع لمحة بقلم اسامه الهواري

لمحة نيوز


رجعت البيت وقلبي مقبوض.
لو كانت مش موجودة…
أمال مين قال الجملة؟
ومين شاف اللي في إيدي؟
في ليلة، حلمت حلم أقسى من اللي قبله.
شفت نفسي نايم على سرير أبيض، وأصوات أجهزة حواليا، وصوت طفل بيصرخ بعيد…
حاولت أتحرك، ما قدرتش.
حاولت أتكلم، صوتي ما طلعش.
وفجأة صحيت.
قعدت أبكي.
مش عشان الموت…
لكن عشان الإحساس بالعجز.
فتحت الموبايل، دخلت على أي حاجة دينية من غير تفكير، وفضلت أسمع قرآن.
وفي وسط الصوت، لقيت نفسي واقف عند آية بتتكرر:
“قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله”.
قفلت الموبايل.
وسألت نفسي لأول مرة السؤال الصح:
“أنا ليه مصدق بشر، وناسي ربنا؟”
من اللحظة دي، الصراع بقى جوايا.
خوف بيشدني ناحية كلام العرافة…
وإيمان بيحاول يفوقني.
قرب اليوم.
كل ما التاريخ يقرب، التوتر يزيد.
قلبي بقى يدق أسرع، نومي أخف، أعصابي مشدودة.
وفي الليلة اللي قبلها، ما نمتش.
قعدت جنب مراتي، إيدي على بطنها، أحس بحركة الولد، وأقول في سري:
“يا

رب… سيبه يعيش، وخد عمري كله لو عايز، بس ما تخليش كلامها يطلع صح”.
الفجر طلع…
واليوم جه.
مراتي تعبت قبل الميعاد بساعات.
ركبنا العربية، وأنا سايق وإيدي بتترعش.
كل ثانية عدت، كنت حاسس إنها ممكن تكون الأخيرة.
دخلنا المستشفى.
دخلت أوضة العمليات.
الباب اتقفل.
وقفت لوحدي.
الدقايق بقت أطول من سنين.
عدّيت كل حاجة في حياتي قدامي: بناتي، مراتي، ضحكتي، أخطائي، دعائي.
كنت مستني اللحظة اللي قلبي يقف فيها.
مستني أي علامة.
وفجأة…
سمعت صرخة طفل.
قوية.
حقيقية.
مليانة حياة.
ثواني عدت…
وأنا واقف.
قلبي لسه بيدق.
الدكتور خرج مبتسم وقال:
– مبروك… ولد سليم، ومراتك بخير.
استنيت.
ولا حاجة حصلت.
عدّت دقيقة…
اتنين…
خمسة.
حسيت إني عايش بجد لأول مرة.
دخلت شلت ابني، حسيت بحرارته، بدمه، بنَفَسه.
وقتها فهمت.
الخوف كان اختبار.
والعرافة كانت مجرد سبب.
لكن الحقيقة إن مفيش حد يعرف الغيب غير ربنا.
خرجت من المستشفى، الشمس طالعة، واليوم بيكمل…
وأنا لسه هنا.

بصيت لابني وقلت:
– اليوم اللي اتولدت فيه…
ما كانش يوم موتي.
ده كان اليوم اللي اتولدت فيه أنا من جديد.

عدّى على ولادة ابني شهور.
الشهور دي كانت هادية، طبيعية، كأنها مكافأة بعد فترة خوف طويلة.
ضحك، رضاعة، سهر، وتعب حلو… التعب اللي يخليك تحس إنك عايش.
الخوف اختفى.
مش اختفى فجأة، لكن ذاب واحدة واحدة، لحد ما بقى ذكرى بعيدة، أفتكرها وأستغرب إزاي كنت مصدقها.
كنت دايمًا أقول لنفسي:
“شوف… عدّى اليوم، وعدّى اللي بعده، وأنا لسه هنا”.
ومع الوقت، حسيت بحاجة ناقصة.
سؤال قديم رجع يطلع:
“طب الست دي كانت مين؟”
مش خوف…
فضول.
فضول إنسان عدى من تجربة صعبة وعايز يقفل الدائرة.
في يوم، وأنا ماشي في نفس الشارع القديم، قررت أسأل.
نفس المكان، نفس الرصيف.
بس المرة دي، الشارع كان عادي… مفيهوش رهبة.
سألت واحد واقف قدام محل:
– في ست كبيرة كانت بتقعد هنا زمان… عيونها سودا.
بصلي شوية وقال:
– تقصد أم سكينة؟
الاسم شدني، بس ما خوّفنيش.
قلت:
– أيوه…

هي.
تنهد وقال:
– دي ماتت من سنتين.
وقفت ثانيتين أستوعب.
– متأكد؟
قال:
– متأكد قوي. كانت تعبانة بالقلب، وماتت فجأة في بيتها.
سألته عن اللي حصل بعدها، فقاللي تفاصيل عادية جدًا:
غُسل، جنازة، دفن.
ولا أي حاجة غريبة.
مشيت وأنا حاسس براحة غريبة.
مش صدمة…
مش رعب…
راحة.
لأني فهمت.
الست كانت موجودة في وقت من الأوقات، وقالت كلام.
كلام جه في لحظة ضعف، وخوفي هو اللي كبّره.
عقلي هو اللي بنى الرعب، وربطه بالأحلام، وبالصدف، وبالتاريخ.
ما كانش في نبوءة.
ولا سر.
ولا غيب.
كان في إنسان ضعيف خاف…
وبعدين فاق.
رجعت البيت، شلت ابني، بصيت في وشه، وابتسمت.
اللحظة دي كانت حقيقية أكتر من أي كلام اتقال.
قلت لنفسي:
“ربنا سترها… مش بس في العمر، لكن في الإيمان”.
لأن أخطر موت مش موت الجسد…
أخطر موت إنك تصدق إن حد غير ربنا يملك الغيب.
قفلت الصفحة أخيرًا.
مش بخوف…
لكن بيقين.
يقين إن:
الأعمار بيد الله وحده،
وعلم الغيب عنده سبحانه،
وأي كلام غير كده…
مجرد
كلام.
وشيلت ابني، وضحكت،
وأول مرة أحس إن الحكاية فعلًا…
خلصت.
تمت 
بقلم اسامه الهواري 
 خاص بموقع ايام وناشريه فقط 

تم نسخ الرابط