سرقت زوجي

لمحة نيوز

 ولا خوفا بل اعترافا غير معلن بقوتي. حتى العائلة تلك التي اعتادت تجاهلي صارت حذرة في كلامها كأنها أدركت أنني لم أعد الحلقة الأضعف. في إحدى الأمسيات سألني ابني سؤالا بسيطا وهو يرسم ماما ليه الناس بتزعل بعض فكرت قليلا ثم قلت عشان أحيانا بينسوا إن كل حاجة ليها حساب. ابتسم وعاد للرسم بينما أدركت أنا أنني لم أعد أشرح هذا لنفسي لأنني عشته. لم أربح مالا لم أصفق على أنقاض أحد لكنني ربحت سلاما لا يقدر. الحساب لم يكن مشهدا دراميا ينتهي بصراخ بل كان لحظة هدوء طويلة تثبت فيها لكل من ظن أن الزمن ينسي أن الزمن فقط يؤجل. وفي النهاية لم أحتج أن أقول انتهى لأن الحياة نفسها قالتها عني ومضت بي إلى الأمام أخف أقوى وأصدق.
مرت الشهور التالية بهدوء لم أعهده من قبل هدوء لا يعني الخلو من الأحداث بل الخلو من الاضطراب الداخلي. اكتشفت أن أصعب المعارك ليست تلك التي نخوضها مع الآخرين بل التي تنتهي بداخلنا دون ضجيج. في أحد الأيام التقيت صدفة بإحدى قريباتنا في متجر صغير نظرت

إلي بتردد ثم قالت انتي اتغيرتي. لم تسأل كيف ولا لماذا كانت جملة أشبه باعتراف. ابتسمت وقلت يمكن بس بطلت أبرر. تلك الجملة ظلت ترن في رأسي طويلا لأنها كانت الحقيقة المجردة. لم أعد أشرح قراراتي ولا أبحث عن موافقة أحد ولا أحاول تجميل موقفي ليبدو مقبولا. أصبحت أعيش كما أنا وهذا وحده كان انتصارا.
في ليلة هادئة بينما كان البيت غارقا في السكون جلست أراجع دفاتر قديمة كنت أحتفظ بها منذ سنوات. قرأت كلمات كتبتها وأنا منهكة خائفة مليئة بالأسئلة. بكيت قليلا لا حزنا بل دهشة من المسافة التي قطعتها. شعرت بالامتنان لتلك النسخة القديمة مني لأنها صمدت عندما كان الانكسار أسهل. أغلقت الدفتر ووضعته في درج بعيد كأنني أقول له شكرا يمكنك أن ترتاح الآن.
بعد فترة علمت من طريق غير مباشر أن الأمور لم تسر كما توقعت راشيل. لم أشعر بالفرح ولا بالشماتة فقط شعرت بتأكيد داخلي أن الحياة لا تحتاج إلى تدخل منا لتعيد التوازن. هي تفعل ذلك وحدها بدقة قاسية أحيانا لكنها عادلة في النهاية. لم
أحاول معرفة التفاصيل لأنني لم أعد مهتمة. الفضول نفسه كان قد انطفأ.
أكثر ما فاجأني هو نفسي كيف أصبحت أضحك بسهولة كيف أستيقظ دون ثقل في صدري كيف أنظر إلى المستقبل دون أن أضع الماضي كشرط. زوجي كان يلاحظ ذلك بصمت وفي إحدى الليالي قال لي أنتي مش بس قوية أنتي حرة. عندها فقط فهمت المعنى الحقيقي لكل ما حدث. لم يكن الهدف أن ينتصر أحد على أحد بل أن أستعيد نفسي التي كدت أفقدها.
في النهاية الحساب لم يكن لحظة واحدة بل سلسلة لحظات صغيرة تراكمت حتى صنعت امرأة لا تساوم ولا تنتظر ولا تخشى الخسارة. امرأة تعرف أن ما ننجو منه يترك فينا أثرا لكن ما نتعلمه هو الذي يحدد من نصبح. وهكذا دون إعلان أو ضجيج انتهت القصة ليس لأنها أغلقت بل لأنها لم تعد تؤلمني وكل ما لا يؤلمنا لا يملكنا بعد الآن.
وفي يوم عادي تماما بلا رسائل مفاجئة ولا مكالمات متوترة فهمت الحقيقة كاملة. لم يكن هناك مشهد أخير يحتاج تصفيقا ولا كلمة قاطعة تقال في وجه أحد. الحساب لم ينته لأنهم خسروا بل لأنه لم يعد
يهمني إن ربحوا أو لا. جلست أراقب ابني يضحك وزوجي يتحدث عن خطط بسيطة للمستقبل وأدركت أن هذه هي العدالة التي لا تخطئ أن تعيش حياة كاملة بعد أن ظنك الآخرون مكسورا للأبد.
كل من ظن أنني سأبقى في مكان الألم أخطأ. وكل من اعتقد أن الصمت ضعف لم يفهمه يوما. صمتي كان صبرا وصبري كان وعيا ووعيي هو ما جعلني أصل إلى هنا دون أن أوسخ يدي. لم أسرق شيئا من أحد لم أنتزع حقا بالقوة فقط تركت الزمن يفعل ما لا أستطيع فعله أنا ففعل.
اليوم لو وقفت راشيل
أمامي لن أعاتبها ولن أعاتب نفسي. سأمر بجانبها كما نمر بجانب شارع عشنا فيه يوما ثم انتقلنا منه. ليس كرها بل لأننا لم نعد ننتمي إليه. بعض الناس يظنون أن الحساب يعني الانتقام لكنهم لا يعرفون أن أقسى حساب هو أن ترى شخصا لم تعد قادرا على إيذائه لأنك ببساطة خرجت من دائرته.
وهكذا انتهى كل شيء. لا بضربة قاضية ولا بانهيار مدو بل بنهضة هادئة نظيفة نهائية. أنا لم أربح لأنهم خسروا أنا ربحت لأنني لم أخسر نفسي. وهذه النهاية الوحيدة التي
تستحق أن تكتب.

تم نسخ الرابط