عندما أرادت فرستي ان تنبهني لأمر خطير

لمحة نيوز

أن بعض القلوب ترى ما تعجز عنه أعين البشر وأن الرحمة والحدس قد يأتيان أحيانا في هيئة فرس تقف في مزرعة لكنها تحمل روح ملاك حارس....
بعد تلك الليلة لم يعد شيء في حياتي كما كان فمع أن الأطباء طمأنونا أن الخطر المباشر قد زال إلا أن القلق استقر في قلبي كضيف ثقيل لا يريد الرحيل كنت أستيقظ في منتصف الليل مفزوعة أضع يدي على بطني وأعد الأنفاس وأستمع إلى أي حركة صغيرة كأنها رسالة تطمين وكانت فرستي تشعر بذلك قبل أي أحد فكلما خرجت إلى فناء المزرعة وجدتها هناك تنتظرني حتى لو كان الوقت فجرا أو المطر يهطل بغزارة تقف قريبة دون أن تلمسني تراقبني بعينين ساكنتين وكأنها تحرس نبضا لا يخصني وحدي بل يخصها أيضا ومع مرور الأيام بدأت ألاحظ أمرا أغرب كلما شعرت بتعب مفاجئ أو دوار كانت ترفع رأسها فجأة وتصهل بصوت قصير فتدفعني غريزيا إلى الجلوس أو العودة إلى المنزل وفي كل مرة كنت أكتشف أن ضغط الدم انخفض أو أن الجنين يحتاج إلى متابعة عاجلة حتى أصبح زوجي يقول نصف مازح ونصف جاد إننا لم نعد بحاجة إلى ساعة أو جهاز إنذار
طالما أن الفرس معنا لكن خلف المزاح كان هناك خوف دفين خوف من أن يكون القادم أصعب مما مضى وبعد أسابيع قليلة أكد الأطباء أن ولادتي لن تكون طبيعية وأن الطفل سيحتاج إلى تدخل فوري بعد خروجه إلى الدنيا تلك الكلمات سقطت علي كحجارة شعرت بالعجز وبذنب لا أعرف مصدره كنت أسأل نفسي ليلا إن كنت قد قصرت في شيء إن كان جسدي قد خان ابني وكنت أبكي بصمت حتى لا يسمعني أحد إلا أنها كانت تسمع كنت أخرج إلى الحظيرة فأجدها تقترب ببطء تضع رأسها قرب صدري وتبقى هكذا طويلا لا حركة ولا صوت مجرد وجود وكان ذلك يكفي ليعيدني من حافة الانهيار ومع اقتراب موعد الولادة أصبحت الفرس أكثر توترا لم تعد تأكل جيدا ترفض الابتعاد عن البيت وإذا حاول زوجي إخراجها للعمل تعاند وتعود وفي الليلة التي سبقت ذهابنا إلى المستشفى لم تنم ظلت واقفة حتى الصباح وعندما خرجنا كانت تقف عند البوابة صهلت صهيلا طويلا مزق قلبي شعرت وكأنها تودعني أو توصي ابني بالعالم وفي المستشفى كانت الساعات تمر ببطء قاتل دخلت غرفة العمليات وأنا أتمسك بصورة عينيها في ذهني
كأنها آخر خيط يربطني بالأمان وعندما سمعت صرخة طفلي الأولى اختلطت الدموع بالضحك لكن الفرح لم يكتمل أخذوه بسرعة أجهزة وأنابيب وأطباء يتحركون كأنهم في سباق مع الزمن لم أره إلا لحظة لكن تلك اللحظة كانت كافية لأعرف أنني سأقاتل العالم كله من أجله أيام طويلة قضيتها على سرير أبيض أنظر إلى السقف وأستمع إلى أصوات الأجهزة وكل مرة كنت أغمض عيني أرى الفرس أذنها على بطني أنفها الذي دفعني يوما بقوة ليوقظني من غفلتي وبعد العملية الأولى أخبرونا أن الطريق ما زال طويلا وأن الطفل سيحتاج إلى متابعة مستمرة وربما عمليات أخرى عدنا إلى المزرعة بعد أسابيع والبيت بدا مختلفا أكبر وأصغر في آن واحد أكبر بالمسؤولية وأصغر لأن قطعة من القلب ما زالت في المستشفى وما إن دخلنا حتى خرجت الفرس مسرعة اقتربت من السيارة صهلت بفرح غريب ثم وقفت ساكنة وكأنها تبحث عن شيء ناقص اقتربت مني ووضعت أنفها على صدري ثم أدارت رأسها حولي كأنها تسأل أين هو لم أتمالك نفسي وبكيت مرة أخرى فهمست لها أنه بخير وسيعود ومنذ تلك اللحظة أصبحت شريكة في
الانتظار كلما رن الهاتف كنت أجدها ترفع رأسها فجأة وكلما عاد زوجي من المستشفى تقترب منه أولا تشم يديه وملابسه كأنها تبحث عن رائحة الطفل وعندما عاد أخيرا إلى المنزل صغيرا وضعيفا لكن حيا حدث شيء لن أنساه أبدا اقتربت الفرس ببطء شديد لم تصهل لم تتحرك بعصبية فقط مدت عنقها قليلا وضعت أذنها قرب صدره الصغير وبقيت هكذا ثواني طويلة ثم أطلقت صهيلا خافتا مختلفا عن أي صوت سمعته منها من قبل صهيلا يشبه البكاء أو الصلاة ومنذ ذلك
اليوم لم يعد بينهما مجرد رابط غامض بل صداقة صامتة كلما بكى الطفل كانت تقف قرب النافذة وكلما نام بسلام كانت تبتعد بهدوء وكأن مهمتها لم تنته بعد بل تحولت ومع مرور الشهور تعافى ابني تدريجيا ومع كل تحسن كنت أرى في عينيها ارتياحا عميقا وكأنها تقول لي دون كلمات إنها كانت تعرف منذ البداية وإن كل ما فعلته لم يكن شجاعة بل حبا حبا لا يحتاج إلى لغة حبا يولد أحيانا في قلب حيوان ليذكر البشر أن المعجزات قد تأتي على أربع قوائم بصهيل خافت وأذن كبيرة تضغط على بطن أم خائفة لتنقذ حياة كاملة قبل أن
تبدأ.

تم نسخ الرابط