لقاء غير متوقع

لمحة نيوز

مفتوح تردد الرجل كثيرا قبل أن يقرر الحضور ارتدى أفضل ما يملك قميصا أزرق باهتا وبنطالا قديما لكنه نظيف جلس في الصف الخلفي محاولا أن يكون غير مرئي. لكن حين تحدثت المديرة عن أهمية دعم الأسرة مهما كانت ظروفها توقفت لحظة ونظرت نحوه دون أن تذكر اسمه وقالت أحيانا أقوى الآباء هم الذين لا يملكون شيئا سوى حضورهم. شعر أن الكلمات وجهت إليه وحده وكأن أحدا أخيرا رآه كما هو لا كحالة اجتماعية ولا كرقم في ملف بل كأب. بعد الاجتماع اقتربت منه أم لطفل آخر مدت يدها وقالت أنا كنت مخطئة سامحني. لم يفهم في البداية لكنها أضافت بصوت منخفض حكمت عليك من شكلك. هز رأسه وقال الناس كلها بتعمل كده أنا كمان كنت بعمل كده زمان. تلك الليلة جلس مع ابنه يتناولان عشاء بسيطا وسأله الصبي فجأة بابا إحنا فقراء تجمد الرجل لثوان ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال إحنا كنا فقراء في الفلوس لكن عمرنا ما كنا فقراء في بعض. ابتسم الصبي وكأن الإجابة كانت أكثر مما يحتاج. الأيام مرت والشتاء عاد لكن هذه المرة لم يكن قاسيا كما قبل لأن هناك سقفا ومدفأة صغيرة ودفتر واجبات على الطاولة. في صباح ممطر دخل الأب المدرسة بدعوة رسمية جلس في نفس المكتب الذي جلس فيه أول مرة لكن هذه المرة لم يكن متهما ولا متوسلا بل شاهدا. المديرة أخبرته أن المدرسة ستبدأ برنامج دعم للأطفال ذوي الظروف الصعبة وأن قصته كانت الشرارة.
شعر بثقل غريب في صدره مزيج من الخجل والفخر. خرج من المكتب فوجد ابنه ينتظره في الردهة ركض نحوه أمسك يده كما فعل في ذلك اليوم الأول لكن الفرق كان واضحا لم تكن قبضة خوف بل قبضة امتنان. استدار بعض الناس للتحديق لكن ليس بسبب متسول دخل مكانا لا ينتمي إليه بل بسبب أب وطفل يمشيان معا بخطوات بطيئة ثابتة كأنهما يقولان للعالم كله دون كلمة واحدة إن السقوط لا يعني النهاية وإن اليد التي تتمسك بك في أحلك لحظاتك قد تكون هي الدليل الوحيد الذي تحتاجه لتجد طريقك من جديد.
ومع مرور الوقت بدأت القصة تتجاوز حدود المدرسة وكأن ذلك اليوم الأول فتح بابا لم يغلق بعدها أبدا. في الحي الصغير المحيط بمدرسة جيفرسون ريدج صار اسم الأب يتردد همسا ثم علنا ليس بوصفه المتسول بل بوصفه والد دانيال. كان الناس يتعلمون ببطء أن ينادوه باسمه وأن ينظروا في عينيه دون حرج. حصل على عمل ثابت في ورشة صيانة قريبة عمل شاق يترك الزيت تحت أظافره والتعب في ظهره لكنه كان يعود كل مساء بابتسامة خفيفة لأنه صار يعرف إلى أين يعود. دانيال من جانبه صار ينتظر صوت خطوات أبيه على الدرج يعدها وحين يسمع المفتاح في الباب يركض نحوه كما لو أنه يعود من حرب طويلة كل يوم. في أحد الأيام عاد الأب متأخرا أكثر من المعتاد وحين فتح الباب وجد دانيال جالسا على الطاولة وأمامه ورقة مطوية بعناية. قال الصبي بجدية أكبر من عمره
دي واجب بس أنا كاتب حاجة تانية كمان. فتح الأب الورقة ووجد قصة قصيرة كتبها دانيال بخط متعرج تحكي عن رجل ينام تحت الجسر يحمل في جيبه صورة وحين يضيع منه كل شيء يجد أن الصورة تحولت إلى خريطة تقوده إلى بيت جديد. قرأ الأب القصة مرتين ثم للمرة الثالثة بصوت مرتجف قبل أن يضم الصبي إلى صدره دون كلمة. في المدرسة لاحظت المعلمة أن دانيال صار يدافع عن الأطفال الذين يسخر منهم يقف بينهم وبين الكلمات القاسية كما يقف شخص صغير أمام عاصفة أكبر منه. وحين سألته لماذا يفعل ذلك قال ببساطة عشان محدش يحس إنه لوحده. في إحدى الحصص طلب من الأطفال أن يتحدثوا عن أبطالهم تحدث البعض عن لاعبي كرة وآخرون عن رواد فضاء وحين جاء دور دانيال وقف مترددا ثم قال بطلي هو بابا لأنه لما وقع ما سابش إيدي. لم تكن هناك عين جافة في الفصل. الأب الذي دعي لاحقا لسماع ذلك بنفسه لم يعرف كيف يشكر أحدا اكتفى بأن شد كتفيه إلى الخلف أكثر وكأنه يحاول أن يبدو جديرا بتلك الكلمة الثقيلة بطل. لكن الحياة كما هي عادتها لم تمنحهم الراحة كاملة. في أحد الأسابيع خسر الأب عمله فجأة بسبب إغلاق الورشة وعادت الخشية القديمة تزحف إلى صدره. تلك الليلة جلس على السرير في الظلام يحسب الأيام المتبقية قبل أن تتأخر الإيجار وقبل أن يعود شبح الشارع. دانيال لاحظ الصمت اقترب منه ووضع رأسه على كتفه وقال فاكر لما قلتلي إننا عمرنا
ما كنا فقراء في بعض أنا لسه مصدق كده. كانت تلك الجملة كحبل ألقي إليه من عمق الماء. في اليوم التالي ذهب إلى المدرسة لا ليستلم ابنه فقط بل ليعرض المساعدة في أي شيء تنظيف صيانة أي عمل. المديرة لم تتركه يكمل بل قالت له إن هناك وظيفة جزئية فتحت في المدرسة نفسها حارس صباحي ومساعد صيانة وأن اسمه كان أول ما طرح. حين وقع على الأوراق تذكر أول مرة جلس فيها في ذلك المكتب وكيف كان يخشى أن يطرد والآن يجلس فيه ليبدأ من جديد. أصبح وجها مألوفا في الممرات يحييه الأطفال يركض بعضهم نحوه ليحكوا له عن يومهم ولم يعد ينظر إلى الأرض وهو يمشي بل صار ينظر حوله يرى ويرى. وفي صباح مشمس بعد عام كامل من ذلك اليوم الأول وقفت المدرسة في طابور الصباح للاحتفال بإنجازات الطلاب دعي دانيال إلى المنصة ليقرأ نصا فاز به في مسابقة محلية. وقف أمسك الورقة بحث بعينيه في الصفوف حتى وجد أباه واقفا قرب الحائط يبتسم. قرأ دانيال بصوت ثابت عن الأبواب التي تغلق والأيدي التي تبقى مفتوحة وعن رجل لم يكن يملك سوى حضوره فصار وطنا لطفل. حين انتهى دوى التصفيق لكن الأب لم يصفق كان مشغولا بمسح دموعه لأنه أدرك في تلك اللحظة أن القصة التي ظنها عن الفقر والضياع كانت في حقيقتها عن النجاة وعن كيف يمكن لطفل واحد يمسك بيدك في ردهة مدرسة أن يعيدك كاملا إلى الحياة دون
أن يطلب منك شيئا سوى أن لا تترك يده أبدا.

تم نسخ الرابط