المرأة التي دفنت زوجها مرتين حصريا على موقع لمحة بقلم اسامه الهواري
ناديت على الإسعاف لكن الوقت كان بطيئا جدا. شعرت بأن كل ثانية تمر كانت تحمل معها احتمال أن أفقده نهائيا.
وصلنا المستشفى والطبيب الذي عرف تاريخنا الطويل معه نظر إلي بعيون مليئة بالحزن وقال هذه المرة قد لا نتمكن من إنقاذه. كان صوته باردا لكنه مليء بالقلق وكل كلمة منه كانت كالسيف يقطع قلبي.
جلس بجانبي يحدق في وجهي بعيون نصف مفتوحة محاولا أن يقول شيئا لكنه عاجز عن الكلام. أمسكت يده أحاول أن أنقل له كل قوة الحب التي أستطيع جمعها. شعرت أن كل شيء حولي أصبح صامتا لا أصوات لا حركة فقط هذا الصمت المطبق الذي يختبر صبرنا.
ثم جاء القرار الصادم. قال الطبيب نحن سنضطر لإجراءات طارئة ربما تكون اللحظة الأخيرة ونحن بحاجة لأن تكون مستعدة للأسوأ. شعرت بالرعب يتسلل إلي لم أعد أستطيع التفكير لم أعد أستطيع التنفس بشكل طبيعي كل شيء بدا وكأنه ينهار من حولي.
تم نقل زوجي إلى غرفة العمليات كل دقيقة كانت تأخذ من قلبي قطعة صغيرة. جلست بجانبه ممسكة بيده أتمتم بالدعاء أطلب من الله أن يحفظه ويعيده لي أتمتم بكل ما أعرفه من آيات وأدعية وكل صوت حولي بدا وكأنه بعيد لا يصل إلي سوى أصوات الأجهزة وصرخات الطاقم الطبي أحيانا.
بعد ساعات خرج الطبيب من غرفة العمليات وجهه كان شاحبا وقال لقد فعلنا كل شيء لكن السكر والقلب لم يتحملوا. توفي.
سقطت على الأرض بلا وعي للحظة شعرت أن العالم
ولكن كما حدث في المرة الأولى حدث شيء لم أكن أتوقعه. تحركت يده خفيفة في البداية ثم أقوى وفتح عينيه فجأة. الجميع حولي صدموا أصوات صراخ صمت دموع صدمة. كانت اللحظة كالصاعقة جسده الذي أعلن موته مرتين عاد للحياة لكن هذه المرة كان ضعيفا أكثر من أي وقت مضى وكان واضحا أن هذه العودة لن تكون طويلة.
في الساعات التالية حاولنا كل شيء الأدوية المراقبة الدعاء لكن الموت هذه المرة كان أقوى. جسده لم يعد يتحمل وكل محاولة لإبقائه على قيد الحياة كانت مجرد تأجيل للحظة الحتمية.
وفي اللحظة الأخيرة كنت بجانبه أمسك بيده أقرأ له القرآن أردد كل دعاء أعرفه. نظرت إلى وجهه كنت أراه بوضوح الضعف التعب لكن في عينيه كان هناك السلام. أخيرا بعد كل الصدمات بعد كل المفاجآت بعد كل الدموع والصراخ والخوف غاب عني نهائيا هذه المرة للمرة الأخيرة.
جلست بجانبه أضع رأسي على يده أبكي بحرقة لا يوصفها الكلام أدركت أن ما حدث لنا لم يكن مجرد تجربة مرضية بل كانت رحلة بين الحياة والموت بين الرعب والأمل بين الحقيقة والخوف. دفنته هذه المرة بالفعل ومع كل حفنة تراب أضعها على نعشه شعرت أن جزءا من قلبي يدفن معه لكن أيضا شعرت بالسلام أخيرا بعد كل الصدمات بعد كل ما مررنا به السلام الذي طال انتظاره.
مرت
في البداية اعتقدت أن الألم سيخف مع الوقت لكن شيئا غريبا بدأ يحدث. أحيانا كنت أشعر بوجوده في البيت لا كروح تلمسني بل كوجود خفي يراقب يهمس يجعل كل شيء حولي مشحونا بالتوتر. أسمع خطوات في الطابق العلوي عندما لا يكون أحد هناك أسمع صرير الأرضيات وأحيانا أصوات ضعيفة تشبه تنفسه.
بدأت أشك بأن ما مررنا به لم يكن مجرد مرض أو حظ سيء. كان هناك شيء أكبر شيء لم يظهر بعد. أحيانا كانت أشعة الشمس تتسلل إلى غرفته وأرى ظلا على الحائط يشبهه تماما حركة بطيئة لا يمكن أن تكون من أي أحد آخر.
ثم جاء اليوم الذي زاد كل شيء رعبا. أثناء تصفحي لبعض أوراقه القديمة وجدت دفترا مخفيا بين كتبه لم أر مثله من قبل. كان مليئا بتدوينات عن أحلامه الغريبة عن لحظات يشعر فيها أنه يرى نفسه بين الحياة والموت وكأنه يعرف مسبقا ما سيحدث له.
في إحدى الصفحات كتب بخط متقطع هناك شيء ينتظرني بعد الموت شيء لن يتركني أبدا أحيانا أشعر أنه يراقبني كأنه يعرف كل خطوة.
تجمدت في مكاني والدم يبرد في عروقي. كل شيء أصبح واضحا فجأة ليس مجرد مرض ليس مجرد غيبوبات كانت هناك قوة غامضة
وفي الليل بدأت الأمور تصبح أكثر رعبا. أصوات خافتة طرقات على الجدران أشياء تتحرك في البيت دون سبب. كل مرة كنت أقترب من غرفته أجد أثاثه يتحرك قليلا أحيانا كان يبدو أن شخصا يجلس على السرير لكن لا أحد هناك.
شعرت بالخوف يتسلل إلى روحي لكن شيئا داخلي دفعني للاستمرار للبحث عن السبب. بدأت أتفحص كل شيء خلفه كل رسالة كل ملاحظة حتى وجدت مفتاحا صغيرا مخبأ في درج قديم. كان المفتاح يحمل نقشا غريبا وكأن هناك شيء لم يكتمل بعد شيء يجب أن أعرفه عن حياته عن تلك الغيبوبة الأولى عن عودته للحياة وعن السبب الذي جعله لا يرحل بسلام.
في اليوم التالي ذهبت إلى غرفة التخزين في البيت محاولة أن أجد الباب الذي يناسب هذا المفتاح. وعندما أدخلته في القفل سمعت صرخة خافتة كأن البيت نفسه يتألم وكأن شيئا مستحيلا سيظهر أمامي. فتحت الباب ببطء ووجدت صندوقا قديما مليئا بالأوراق الرسائل وأشياء لم أرها من قبل كلها تشير إلى أن حياته لم تكن عادية وأن هناك من كان يراقبه منذ البداية وأن الغيبوبة الموت وعودته لم تكن مصادفة بل جزء من خطة أكبر بكثير مما تخيلت.
وقفت هناك قلبي ينبض بشكل غير طبيعي شعرت أن كل حياتي السابقة كانت مجرد تمهيد لما سيأتي. وعرفت أن رحلته لم تنته بعد وأن ما بدأ بالدفن مرتين كان مجرد البداية
تمت
بقلم