السر الذي كانت تخفيه زوجتي

لمحة نيوز

بعد ما عرفت إن كارا ماتت، الدنيا عندي وقفت، مش بمعنى إنها هديت، لأ، بمعنى إن كل حاجة بقت تقيلة وبطيئة وكأن الزمن نفسه مش عايز يتحرك، صحيت تاني يوم وأنا حاسس إن في حجر فوق صدري، دخلت الأوضة اللي كانت أوضتنا زمان، الأوضة اللي سيبتها زي ما هي بعد ما مشيت، السرير، الدولاب، الريحة اللي لسه معلقة في الجو، ريحتها هي، ريحة صابونها وشامبوها اللي كنت بشتكي منه قبل كده، دلوقتي بقيت بدوّر عليه زي المجنون، مسكت القميص تاني، قعدت أحضنه، أضغطه على صدري، كأني بحاول أرجّع حد راح خلاص، وفضلت أتكلم معاها بصوت واطي، أقولها أنا آسف، آسف إني ما فهمتش، آسف إني ما شفتش وجعك، آسف إني صدّقت إنك أنانية وبخيلة، وأنا كنت أعمى، كنت شايف نفسي بس، افتكرت كل مرة رجعت فيها متأخر من الورشة وزهقان، وكل مرة زعقت فيها، وكل مرة اتهمتها إنها مش واقفة جنبي، وكل مرة
كانت ساكتة، وسكوتها كان أوجع من أي رد، عرفت ساعتها إن في ناس قوتهم في سكوتهم، وإن كارا كانت أقوى حد شوفته في حياتي، بعدها بأيام بدأت أفتح حاجاتها واحدة واحدة، مش عشان أنضف، لأ، عشان أدوّر عليها جوا كل تفصيلة، لقيت نوتة صغيرة كانت كاتبة فيها مواعيد العلاج، تواريخ التحاليل، أرقام أدوية، وملاحظات بخطها المرتعش، وجنب كل تاريخ كانت كاتبة جملة صغيرة، زي “النهارده تعبت بس مارك ضحكني” أو “ما قدرتش أقوله إني موجوعة” أو “يارب ما يحسش بحاجة”، الجمل دي كانت بتقتلني حتة حتة، لأن حتى في وجعها كانت مفكراني أنا، بعدها لقيت ظرف تاني فيه إيصالات، كل فلوسها، كل قرش، كان رايح مستشفى وتحاليل وأشعة، ومافيش إيصال واحد فيه حاجة ليها، لا هدوم، لا كماليات، ولا حتى رفاهية بسيطة، كل حياتها في السنة الأخيرة كانت محاولة إنها تفضل واقفة على رجليها قدامي،
حاولت أكلم نفسي وأقول يمكن لو كنت صبرت، لو كنت حضنتها أكتر، لو كنت سألت بدل ما أتهم، يمكن كانت قالتلي، بس الحقيقة إن كارا كانت قررت تشيل لوحدها من أول لحظة، لأنها كانت شايفاني ضعيف قدام الفكرة، مش ضعف شخصية، ضعف حب، كانت عارفة إن حبنا لبعض لو دخل في مواجهة المرض ممكن يكسّرني، وأنا دلوقتي فاهم قصدها بس بعد ما اتكسرت فعلًا، بدأت أروح المستشفى اللي كانت شغالة فيه، أقعد في نفس المكان اللي كانت بتقعد فيه، أتكلم مع زميلاتها، وكل واحدة فيهم كانت تحكيلي موقف يوجع أكتر من اللي قبله، واحدة قالتلي إنها كانت بتيجي الشغل بعد جلسة كيما وتكمّل شيفت كامل من غير ما تشتكي، واحدة تانية قالتلي إنها كانت تبيع ورديتها عشان تجمع فلوس زيادة، وواحدة قالتلي جملة عمري ما أنساها، قالتلي “كارا كانت دايمًا تقول إنك لازم تفضل فاكرها قوية، حتى لو اختفت”، ساعتها
فهمت إنها حتى بعد ما تمشي كانت عايزة صورتها في عيني تبقى صورة واحدة ما بتضعفش، رجعت البيت وأنا مكسور أكتر، قعدت أكتب لها رسايل وما كنتش أبعتها، أقولها فيها كل اللي ما قلتوش، أقولها إني بحبها، إني محتاجها، إني كنت غبي، وبعدها أحرق الورق لأني عارف إنها مش هتقراه، وبعد شهور قررت أبيع الورشة وأفتح مكان جديد باسمها، مكان بسيط، بس كل تفصيلة فيه منها، لون الحيطان اللي كانت بتحبه، موسيقى هادية كانت بتسمعها، وعلّقت القميص في إطار على الحيطة، مش كذكرى حزن، كذكرى حب، حب اختار يسيب بدل ما يوجع، وكل يوم لما حد يسألني عن الاسم، أبتسم ابتسامة موجوعة وأقولهم دي ست علمتني إن أقسى أنواع الحب هو اللي يخليك تمشي عشان اللي بتحبه يعيش، ومع إني كل يوم بندم، كل يوم بحاول أعيش بالطريقة اللي كانت عايزاها، قوية، ساكتة، ومليانة حب، حتى لو فات الأوان.

تم نسخ الرابط