الساعة كانت تلاتة الفجر، ونور المكتب لسه شغال في حي مسوّر على أطراف القاهرة، البيت كان كبير جدًا لدرجة إن أي صوت ماشي في الصالة كان بيرجع يتردد، لكن الليلة دي محدش بيتحرك، أحمد سامي قاعد لوحده على مكتبه بيبص في شاشة مليانة أرقام مبقتش فاهمها، في النهار أحمد معروف إنه راجل بيقفل صفقات كبيرة واللي غيره يخاف يقربلها، توقيعه ممكن يحرك السوق، وصوته الهادئ كان له وزن في أي اجتماع كبير مليان ناس وقاعات زجاجية، بس بالليل في بيته كان حاسس إنه صغير جدًا، مرّت حوالي أربع سنين على وفاة مراته ومن وقتها أحمد عمل اللي دايمًا يعمله لما الدنيا تبقى صعبة عليه اشتغل أكتر وقعد ساعات طويلة وقنع نفسه إن الاستقرار بييجي من الفلوس والحسابات اللي عمرها ما تخلص، وفكر كمان لو قدر يدي بنته كل حاجة الفلوس تشتريها يبقى أكيد هي هتبقى كويسة، منة عندها سبع سنين واتعلمت حاجة الطفل ماينفعش يتعلمها بدري إزاي تخبي مشاعرها كانت ساكنة في بيت مليان فرش غالي جدًا محدش بيقعد عليه الأرضيات من الرخام ودايمًا ساقعة تحت الشراب اللي لابسته أبوها كان بيطلع قبل الفجر ويدخل البيت بعد ما تنام بكتير بيجيب هدايا بدل الكلام والمحادثات اللعب الجديدة كانت متكدسة في أوضتها ومحدش لمسها العرايس لسه في العلب الكتب جديدة ومحدش
فتحها الدفا الوحيد اللي كانت حاسة بيه كان من ست البيت العجوزة الست اللي كانت بتسند شعرها كل صباح وبتحط لها فواكه زيادة في شنطتها كانت بتحكي لها حكايات وهي بتربط لها الحذاء وكانت دايمًا بتأكد إنها كلت قبل ما تروح المدرسة لما أحمد يبص على منة كان بيقنع نفسه إنها آمنة ساكتة آه لكن آمنة بس كان غلط، أحمد اتعرف على سارة في مدرسة منة كانت شغالة في الإدارة وكانت بتتكلم بثقة عن نمو الأطفال وتطورهم العاطفي والنظام كانت فكرته بمراته القديمة أو على الأقل النسخة اللي فضل منها في دماغه قالت له بهدوء إن منة محتاجة حد يهتم بيها الأطفال محتاجين ثبات والآباء اللي بيشتغلوا كتير ساعات ممكن مايشوفوش الضرر إلا لما يبقى فات الأوان "مش لازم تشيل ده لوحدك" قالت له يوم على العشا "منة تستاهل أسرة كاملة" أحمد كان عايز يصدقها كان محتاج يصدقها اتجوزوا خلال سنة الصحف والمجلات مدحت الزواج أصحابهم باركوا وقالوا إنه ابتدى صفحة جديدة في البيت سارة كانت بتضحك لما أحمد يكون موجود وبتتكلم حلو مع منة وبتجيب لها هدوم وتمدح أدبها قدام الضيوف أحمد استرخي لأول مرة من سنين اللطف ده كان بيخلص أول ما عربية أحمد تسيب البيت صوت سارة كان حاد صبرها كان اختفى كانت بتنتقد منة وهي بتاكل وهي ماشية وهي بتتكلم طردت الست الكبيرة
بحجة كاذبة وقالت لأحمد إن الست دي بتلعب بعقل بنته أحمد صدقها سارة كانت شغالة في التعليم طبعا مفيش حد يحمّي منة فبدأت تبعد عن الكل في المدرسة سارة كانت دايمًا تراقب منة كانت تحد من وقتها مع زمايلها تتحكم في روتينها وتعزلها عن الأطفال التانيين لكن أسوأ لحظات كانت بتحصل كل يوم وقت الغدا و وإحنا الأطفال التانيين بيضحكوا ويأكلوا مع بعض منة كانت بتروح ترابيزة جنب مكان رجوع الصحون سارة كانت تاخد أكلها وتديهالها من فضلات الغدا اللي باقي من الأطفال التانيين "أنتِ مش مقدرة اللي بيتقدم لكِ" قالتلها مرة وابتسامتها مكانتش واصلة لعينيها "ده هعلمك الاحترام" منة اتعلمت متعيّطش البكاء كان بيزود الأمور سوء مع الوقت المدرسين لاحظوا إنها بقيت ساكتة أكتر أنحف بس محدش سأل الأسئلة الصح أحمد كان شغال طول النهار ومشغول دايمًا لكن يوم من الأيام قرر إنه يروح مدرسة منة بنفسه عشان يشوف حالها بنفسه دخل الكافتيريا وكان قلبه بيتقلب من القلق شافها قاعدة على الترابيزة الصغيرة جنب المكان اللي الأطفال بيرجعوا فيه الصحون منة كانت ساكتة والدمعة في عينها لما بصتله لكن ما حكتش حاجة أحمد حس بشيء غلط جدًا قرب منها وقال لها "إنتِ كويسة؟" منة فضلت ساكتة عندها دمعة نزلت على خدها أحمد بص حواليه وشاف سارة بتضحك مع
مدرسين تانيين واللي حصل قدامه كان صدمة سارة أخدت طبق منة وقدرت تديله لها من فضلات الغدا اللي باقي من الأطفال التانيين أحمد قلبه اتقلب وغضب على طول لكن فضل ساكت عشان الأطفال حواليه سمع صوت منة وهي بتسأل "بابا ليه هم بيعملوا كده؟" أحمد حضنها وقال لها "مش هتتأذي تاني، أنا هنا" قرر على طول إنه ينهي الموضوع ده من جذوره في البيت بعد المدرسة رجع أحمد وبدأ يفكر في خطة يحمي بيها منة من سارة بدأ يراقب كل حاجة عمل له نظام دقيق عشان يعرف كل تحركاتها واكتشف إنها كانت بتتحكم في منة من غير سبب حقيقي بل عشان هي نفسها مش راضية على حياتها حاول يتكلم معاها لكن سارة حاولت تقنعه إن منة محتاجة تعديل بس أحمد كان عارف الحقيقة قرر إنه ياخد خطوة كبيرة وطلب نقل منة لمدرسة جديدة بعيدة عن أي تدخل سلبي كمان فصلها عن كل الأشخاص اللي بيضروا بيها بدأ يحميها بنفسه أكتر من أي وقت أحمد كمان ركز على قضاء وقت طويل معاها كل يوم يلعبوا مع بعض يحكوا حكايات يقرأوا كتب يحكي لها عن مشاعره ويستمع لمشاعرها منة بدأت تتغير شويه بشويّه ابتدت تضحك أكتر وتلعب وتبص في عيون أبوها بثقة أحمد حس إن كل الفلوس اللي صرفها في حياته على الشغل ما تساويش ساعة واحدة من وجوده مع بنته اكتشف إن الحب والوقت الحقيقي اللي بتديه لحد هي اللي