مرت الأيام تتابع بعضها بلا توقف وبيتنا الصغير بقي مليان حياة أكتر مما كنت أتخيله قبل كده كل صباح ببتدي بفنجان قهوة وآنا بتحضر وجبة صغيرة للطفل وبنضحك سوا على حاجات بسيطة زي سقوط قطعة خبز أو محاولة الطفل رسم لوحة مش مفهومة على الحائط كل يوم بنكتشف حاجة جديدة عن بعضنا وبيكبر حبنا بطريقة طبيعية وبسيطة من غير أي ضغوط أو توقعات كبيرة زي اللي كنت عايشها مع أمي كان في لمسة سحرية في الروتين ده الضحك العفوي في المطبخ لعبة صغيرة في الحديقة أو حتى المشي سوا بعد العشاء والحديث عن أي حاجة تقريبًا أي موضوع صغير ممكن يحوله آنا لمغامرة جديدة كنت أستمتع بكل دقيقة وكل يوم بلا استثناء وفي يوم من الأيام وأنا جالس أراقب الطفل وهو يحاول ركوب الدراجة لأول مرة وأحاول نمسكه قبل ما يقع شعرت بشعور غريب لم أحس بيه من قبل شعور بالمسؤولية الحقيقية مش المسؤولية اللي فرضتها أمي عليا شعور بالحب والرغبة في الحماية والرعاية شعور بالاختيار الحر شعرت أن حياتي أصبحت ملكي بالكامل
وأن كل شيء قررته بنفسي حقيقي وواقعي بدون تدخل أو سيطرة من أي حد ومن هنا بدأت أفكر في أمي مرة أخرى ليس بغضب ولكن بدهشة كيف ظنّت أن الحب والأمان ممكن يتخلق بالفخامة والمال والتخطيط فقط وأنها كانت غائبة عن الحقيقة الأساسية أن الحياة مش مجرد نجاح ظاهر أو درجات عالية أو حفلات بيانو بل حياة مليانة حب وتفاهم وضحك وبساطة أشياء صغيرة بتخلق السعادة الحقيقية في نفس الوقت كنت بشوف آنا بتواجه مشاكلها كأم عزباء بدون أي استسلام كل يوم بنشوف التحديات سوا ونتجاوزها مع بعض وده خلاني أقدّرها أكتر وأكثر على صبرها وقوتها على الرغم من كل التعب كانت دايمًا موجودة بابتسامة وهدوء وحنية الطفل بدأ ينادي عليا "بابا" بصوت حنين وبساطة ما كنتش حاسس بيه قبل كده وكنت دايمًا أحس بنوع من الدهشة والامتنان لوجوده معانا البيت بقى مليان حياة أصوات ضحك وموسيقى بسيطة من الراديو أو البيانو أحيانًا وبقى مليان ريحة الطعام البسيط اللي بنطبخه سوا كل يوم شعرت أن حياتنا كلها مليانة حب وانسجام
بدون أي تعقيدات أو صراعات ولا قيود مالية ولا حكم أحد علينا وبعد سنة تقريبًا قررت أن أمي لازم تشوف حياتي بالطريقة اللي أنا عايشها مش عشان أبرر لنفسي ولكن عشان أفهمها بطريقة صامتة أن الحب والاختيار أهم من السيطرة والمال رتبت زيارة مفاجئة ودعوتها بدون سابق إنذار حتى وهي شايفة نفسها قاضية ومالكة لكل شيء وعندما دخلت البيت نظرت حوالينا ولأول مرة رأيتها بلا تحكم أو حكم على أي حاجة بيت مليان ضحك طفولي وروائح طعام عفوي وألوان بسيطة من كل حاجة والأطفال يلعبوا حولنا وأحسست بعينيها بتتسع من الدهشة وعدم التصديق بدأت تتراجع خطوة للخلف وعرفتها على كل شيء وبدأت تلاحظ كيف أن كل شيء صغير وبسيط وكل واحد فينا سعيد بدون أي تزييف أو تخطيط مسبق لاحظت الطريقة اللي الطفل بيناديني بيها "بابا" بدون أي تكلف والطريقة اللي آنا بتدير بيها البيت بدون أي تكلف أو استعراض وده خلى وجهها يتغير من الحكم للدهشة والفضول ثم ابتسمت ببطء وهدوء لم أسمع منه أي استعلاء أو ازدراء فقط كانت
مفاجأة واعتراف ضمني أنني اخترت حياتي بنفسى وأن الحب الحقيقي والدفء مش بيتحقق بالمال أو السيطرة شعرت أنها فهمت أخيرًا بعد كل السنوات اللي ضاعت بدون أي دفء أو حب شعرت بالسلام الداخلي لأول مرة بعد سنين من الضغط والتوقعات كنت حقيقي وفخور بالبيت والعائلة اللي بنيتها والحياة اللي اخترتها بنفسي وعرفتها إن كل لحظة سعادة حقيقية في حياتنا نتيجة اختياراتنا وحبنا لبعضنا وكمان لأول مرة ابتسمت لنفسي بدون أي شعور بالذنب أو الخوف وابتدينا نستمتع بحياتنا كل يوم كأنها مغامرة جديدة بدون أي قيود أو خوف أو حكم وكل يوم بيعدي كان أكبر دليل على أن الحب والاختيار هما اللي بيخلقوا السعادة الحقيقية مش المال ولا التوقعات ولا السيطرة وكل لحظة صغيرة زي فنجان قهوة، ضحكة، لعبة، أو بسمة، كانت تذكير صامت أن الحياة الحقيقية موجودة دلوقتي عندي هنا مع عائلتي التي اخترتها وأنا سعيد أكتر من أي وقت مضى ومش محتاج أي موافقة أو قبول من أي حد لأن السعادة الحقيقية ملكي بالكامل