انتقمت بالهدوء بالحساب بالوقت وبإنها خرجت من الحكاية واقفة لا خدامة ولا ضحية ست اتعلمت متأخر بس ما خسرتش. وبعد سنة كانت قاعدة في شقتها الجديدة ريحة الديتول اختفت وحطت برفان لأول مرة من خمس سنين وبصت في المراية وقالت لنفسها دلوقتي بس أنا رجعت.
منى ما صحيتش تاني يوم على راحة ولا على نشوة نصر صحيت على هدوء تقيل هدوء حد عدى النار وطلع منها بس لسه ريحتها في هدومه. الأيام الأولى بعد موت طارق كانت شبه بعضها تعازي وشوش بتبص عليها بنظرة شفقة مصطنعة وكلام محفوظ عن الصبر والأجر وهي واقفة تستقبل كل ده بابتسامة ثابتة مش حزينة ومش فرحانة كأنها استهلكت كل مشاعرها قبل كده. بس الحرب الحقيقية ما كانتش في العزا كانت بعده لما ابنه قرر إنه يفوق ويفتكر إن الست اللي كانت بتغسل
أبوه وتغيرله حفاضه مجرد مرحلة وعدت. أول إنذار وصلها كان محضر رسمي اتهامات مبطنة كلام عن استغلال وضع مريض عن توقيعات مش في وعيه ضحكت وهي بتقرا ضحكة صغيرة من غير صوت ضحكة واحدة كانت مستنية اللحظة دي. راحت لمحاميها حطت قدامه ملف تقيل سنين متخزنة في ورق تسجيلات تقارير طبية شهود من المستشفى حتى الممرض اللي سمع كلام طارق يوم الثلاثاء كان اسمه متسجل. الجلسات ابتدت والمحاكم بقت مسرح والابن داخل بثقة وغرور فاكر إن الفلوس بتكسب لوحدها ومنى داخلة بهدوء لابسة أسود بسيط ما بتتكلمش غير لما ييجي دورها وكل مرة القاضي يبص لها أكتر ما يبص له. بره المحكمة كانوا يقولوا عليها الست اللي أكلت حق ابن جوزها وهي كانت تسمع وتعدي لأنها عارفة إن الحقيقة مش دايما حلوة في ودان الناس. في نص
المعركة افتكرت نفسها افتكرت إنها نسيت تعيش فابتدت تاخد بالها من حاجات صغيرة تشرب قهوتها سخنة تمشي من غير ما تستعجل تنام من غير منبه حاجات بسيطة بس كانت محرومة منها. بس الوجع كان لسه مش على طارق على نفسها القديمة على منى اللي كانت بتستأذن عشان تتنفس. في جلسة من الجلسات الابن فقد أعصابه صوته علي واتهمها قدام الكل إنها كانت مستنية يموت وساعتها منى طلبت الكلمة لأول مرة بصت له وقالت بصوت واطي بس ثابت أنا كنت مستنية أعيش وسكتت والجملة نزلت تقيلة في القاعة. بعد شهور شد وجذب الحكم طلع مش كل حاجة بس كفاية كفاية تخليها آمنة تخليها مش محتاجة حد والابن خرج خسران جزء من اللي كان فاكره حق مطلق. يوم ما القضية خلصت منى ما احتفلتش رجعت البيت قلعت الجزمة قعدت على الأرض وعيطت لأول
مرة من سنين عياط طويل مش ضعف تفريغ. بعدها بشوية قامت فتحت الشباك دخل هوا جديد وحست إن صدرها بيوسع. ابتدت صفحة تانية بجد اشتغلت أكتر سافرت أول مرة لوحدها قعدت قدام البحر من غير ما تحس بالذنب واتعلمت تقول لا من غير شرح. قابلت ناس جديدة بس ما استعجلتش لأنها اتعلمت إن الوحدة أرحم من الوجود الغلط. وفي يوم عادي جدا وهي ماشية في الشارع حد ناداها باسمها بصت ما كانش طارق ولا ابنه ولا حد من الماضي كان انعكاسها في ازاز محل وقفت قدامه ابتسمت
وقالت في سرها أنا نجيت مش بطلة مش شريرة ست اتكسرت واتعلمت وست لما فاقت ما رجعتش زي الأول رجعت أقوى وأبرد وأصدق ومن اليوم ده منى بقت حكاية ما بتتحكيش بصوت عالي بس كل ست تعبانة ممكن تحسها جواها وتعرف إن الصبر لو طول لازم في يوم يتحول لقوة.