والأطباء قالوا له العلاج هيكون كيماوي ومؤلم وهيقع شعره وهيبقى في جروح وحروق، ليتي كانت بتشوفه وهو بيتألم وخافت لما شافته أول مرة من غير شعر فطلبت منه يقص شعرها زيه وقالت له مش عايزاك تبقى لوحدك في الوجع، الجروح اللي في رقبتها ما كانتش أذى كانت من لزق طبي بسيط كانت بتصر تقلّده عشان تحس إنها زيه والكدمات كانت من كتر ما كانت تحضنه وهو بيعيط، والكاميرا؟ أبويا كان مسجل كل مرة عشان لما يمشي من الدنيا يسيب لها رسالة وتفتكر إن في حد حبها حب حقيقي، وقعت على الأرض وأنا بعيط زي الطفلة وكرهت نفسي على كل فكرة وحشة عدت في دماغي، دخلت حضنت أبويا وبنتي وفهمت إن في أسرار مش دايمًا معناها شر، أحيانًا معناها حب موجع قوي بس صامت، ومن اليوم ده ما سبتش أبويا ولا يوم واحد وبقيت أقص شعر ليتي بإيدي وهي
بتضحك وتقول أنا شبه جدو، وبعد شهور أبويا مات بس ساب لنا حب يكفي عمر كامل وكاميرا مليانة ذكريات علّمتني إن الخوف أحيانًا أعمى من الحقيقة وإن أنقى القلوب ممكن تتوجع في صمت.
بعد وفاة أبويا الدنيا ما وقفتش بس فقدت طعمها، البيت القديم بقى ساكت زيادة عن اللزوم والمخزن اللي كنت بخاف أقرب له بقى المكان الوحيد اللي بحس فيه إن أبويا لسه موجود، كل حاجة فيه زي ما هي كرسي الحلاقة الخشب المقص القديم الكاميرا المتعلّقة في الركن وحتى ريحة المطهر اللي كانت ماليه المكان، ليتي كانت بتيجي تمسك إيدي وتشدني على المخزن وتقوللي تعالي نفتح شريط جديد لجدو، كنت كل مرة أقول مش قادرة بس أضعف قدام عينيها، ومع أول تشغيل الكاميرا صوته يرجع يملأ المكان ضحكته الخفيفة وهو بيحاول يخبّي تعبه وهو بيحكي لها عن زمان وعن أمها
وهي صغيرة وعن إنه كان خايف يمشي ويسيبنا، الفيديوهات كانت وجع ودفا في نفس الوقت، ليتي بقت أهدى بس كبرت فجأة كأنها شافت من الدنيا أكتر من سنها، بقت تقول للناس ما تزعلوش قوي على اللي بيمشي أصل الحب ما بيمشيش، وأنا كل مرة أسمعها أحس قلبي بيتعصر وأفتخر بيها، بعد كام شهر اكتشفت إن أبويا كان سايب ظرف متخبّي تحت كرسي الحلاقة فيه جواب مكتوب بإيده المرتعشة بيقول فيه إنه سجل كل حاجة عشان لما أشك أو أخاف أرجع أشوف الحقيقة بعيني، كتب إنه سامحني قبل ما أغلط أصلاً وعارف إن الخوف على بنتي ممكن يعميني، الجواب خلاني أعيّط يومين ورا بعض وحسيت إن الحمل اللي على صدري خف شوية، بعدها قررت أبيع البيت الكبير وأحتفظ بالمخزن زي ما هو وأحوّله مكان ذكريات مش مكان رعب، ليتي بقت تدخل المدرسة وكل ما حد يسألها عن شعرها
القصير تقول أنا واخدة ستايل جدو، في مرة المدرّسة اتصلت بيا وقالتلي بنتك بتواسي زمايلها اللي بيعيطوا أكتر منهم، ساعتها فهمت إن اللي حصل ما كسرهاش ده قوّاها، وأنا كمان اتغيرت بقيت أسمع قبل ما أحكم وأحضن قبل ما أحقق، بقيت أعرف إن مش كل باب مقفول وراه شر ومش كل سر جريمة، أحيانًا السر بيبقى محاولة أخيرة نحمي بيها اللي بنحبهم من الألم، في ليلة هادية كنا قاعدين أنا وليتي وبنشوف آخر فيديو لأبويا وهو بيقولها خلي بالك من ماما دي قوية بس بتخاف قالتلي ليتي بصوت واطي متعيطيش يا ماما جدو معانا، ضحكت وسط دموعي وحسيت لأول مرة من زمان إني مش لوحدي، الخوف اللي كان هيموتني في الأول علّمني في الآخر درس عمري ما هنساه إن أسوأ الكوابيس ساعات تطلع أصدق صور الحب وإن القلب لما يحب بجد ممكن يستحمل وجع الدنيا كلها
في صمت.